العنوان هل حقق التجديد الإسلامي أغراضه؟ «٢ من ٣».. بين تطّور الفكر .. والواقع الاجتماعي والسياسي
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر السبت 23-أكتوبر-2010
مشاهدات 186
نشر في العدد 1924
نشر في الصفحة 64
السبت 23-أكتوبر-2010
أكد الجيل الجديد من المصلحين أن الإسلام دين ودولة ومجتمع وحضارة، وأن النهوض به يقتضي عملًا شاملًا تتضافر عليه كل فئات الأمة، وينال فيه العمل الفكري التجديدي حظه إلى جانب العمل الجماهيري.
ففي مجال العقائد، كان التواصل مع تراث الجامعة الإسلامية مع «كتاب التوحيد» لـ «محمد عبده»، وسارت على نهجه أجيال المجددين تتحدث عن عقائد الإسلام وعن أنظمة الإسلام «البنا ،المودودي ،الغزالي، البوطي...»، في تجاوز واضح الموروثات علم الكلام التشقيقية.
وفي مجال التفسير، اتجه التجديد لتحريره من الجدل المذهبي والكلامي، والتفاريع اللغوية، ومن «الإسرائيليات»، وربطه بالواقع باعتباره إنما جاء لإصلاحه، فكان «تفسير المنار» للإمامين عبده ورضا، و« في ظلال القرآن» السيد قطب، و«تفهيم القرآن» للمودودي...إلخ.
وفي مجال أصول الفقه، تم إحياء فكر المقاصد للأصولي الأندلسي الإمام الشاطبي، وتتالت فيه المؤلفات؛ بدءًا بالإمام محمد الطاهر بن عاشور، والفاسي، والنجار... وبلغ الأمر في السنوات الأخيرة أن نشأت مؤسسات ترعى فكر المقاصد، مثل التي بعثها الشيخ زكي يماني.
ويلحق بهذا التجديد الأصولي تطوير فروع فقهية جديدة، مثل فقه الأقليات الذي قام على تطويره المجلس الأوروبي للإفتاء «القرضاوي، ابن بيه فيصل مولوي، النجار»، وفقه الموازنات، وفقه الأولويات، وفقه البيئة.
كما تم إحياء الفكر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لابن خلدون، فكان كتاب «العدالة الاجتماعية»، و«معركة الإسلام والرأسمالية» لسيد قطب، وكتابات المودودي وباقر الصدر، و«فقه الزكاة» للقرضاوي وتتابع التأليف للتأسيس لاقتصاد إسلامي لا ربوي، في تحد سافر للرأسمالية أسفر عن تأسيس شبكة من المصارف الإسلامية والجمعيات التعاونية التي تقوم على مبدأ المشاركة بين العمل ورأس المال، صمدت في وجه الزلزال الذي أصاب الرأسمالية، بما فرض على الغرور الغربي أن يتواضع ويأخذ النموذج الاقتصادي الإسلامي مأخذ الجد؛ فتفتح لدراسته أقسام في جامعاته ونوافذ في كبريات بنوكه للتعامل، بل نشأ تنافس بين أقطاب الرأسمالية على افتتاح بنوك تتعامل بحسب الشريعة الإسلامية.
وفي مجال النظم الإسلامية السياسية، تتابعت بعد كتاب «الخلافة» لرشيد رضا المؤلفات، فكان من ذلك كتاب «الخلافة» للسنهوري، وكتابات الشهيد عبد القادر عودة، وضياء الدين الريس، وفتحي عثمان، وسليم العوا، والقرضاوي، والغنوشي.
وفي مجال التأليف الفقهي اللامذهبي ، كان «فقه السنة» للسيد سابق، و«الفقه الإسلامي» للشيخ وهبة الزحيلي، و«الفقه الجنائ في الإسلام» لعبد القادر عودة .. وفي مجال العلاقات الدولية، كانت مؤلفات كثيرة، لعل أهمها « فقه الجهاد» للقرضاوي.
وفي المجال التربوي كان «فقه السيرة» للغزالي وللبوطي و دراسات في السيرة لعماد الدين خليل، و«المنهاج التربوي في السيرة» للشيخ الغضبان، و«المنهاج النبوي» لعبد السلام ياسين.
وفي تأصيل منهج الفن الإسلامي، كانت مؤلفات محمد قطب والقرضاوي. وفي فقه النساء، تأصيلًا لمكانتهن ودورهن في الإصلاح وحقوقهن، كانت مؤلفات كثيرة، أهمها موسوعة «المرأة في عصر الرسالة» لعبد الحليم أبي شقة.
ولقد أثمرت هذه الحركة الفكرية، التي لا تزال تمتد وتتسع وتتعمق تأثيرات واسعة إن على صعيد تربية الفرد أو على صعيد التماسك الاجتماعي الذي تعمل فيه الدولة تفكيكًا وتشتيتا، أو على الصعيد السياسي حيث قامت على أساس الفكرة الإسلامية التجديدية حركات على امتداد عالم الإسلام تردم الهوة بين عقيدة المسلم وضميره الديني وبين واقعه الاجتماعي والسياسي ترجمة لعقيدة التوحيد، فكانت الحركات الإسلامية متعددة المناهج:
فحيث هناك احتلال ترفع راية الجهاد، كما في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير.. وحيث هناك حكم مستبد وحيف اقتصادي وفساد مجتمعي ترفع راية الجهاد السياسي والاجتماعي عن طريق تشكيل أحزاب سياسية تخوض المعارك الانتخابية لتؤثر في القرار السياسي مشاركة أو معارضة، وتؤكد حضورها في مؤسسات المجتمع المدني الصحية والإغاثية والتعليمية والثقافية والإعلامية والنقابية، ولا يعيق عملها غير ما ظل سائدًا من أنظمة الاستبداد في أرجاء واسعة من عالم الإسلام، تجد دعما غير مجذوذ من قبل الديمقراطيات الغربية.
هذا الوضع نمى مشاعر الغضب وتيارات التشدد، فنشأت حركات تتخذ من أساليب العنف نهجًا لتغيير الأنظمة، إلا أنها لما لم تفلح اشتد غضبها على الغرب الداعم لتلك الأنظمة فاستهدفته، بما وفر أعظم الفرص لأعداء الإسلام لشن حملات شعواء على الإسلام وأقلياته، وتقديمه على أنه خطر.