العنوان بين ثقافة الانبطاح وثقافة الإصلاح
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر الجمعة 28-مايو-2004
مشاهدات 60
نشر في العدد 1602
نشر في الصفحة 41
الجمعة 28-مايو-2004
الجدل الدائر اليوم بين جمهرة المثقفين العرب حول ضرورة الاستعانة بالغرب للتخلص من الطغاة المحليين الذين أنتجهم الغرب نفسه ولبناء النهضة المرتقبة، أو عدم الاستعانة بالغرب الذي لا يختلف عن الطاغية المحلي إلا في زرقة عيونه وجمال ملابسه، هذا الجدل يشبه إلى حد كبير النقاش الذي كان دائرًا بين جمهرة المثقفين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الفارط، في وقت اكتسحت فيه الحركة الاستعمارية بلادنا وجغرافيتنا، وسخن النقاش بين مدافع عن الغرب كمخلص، وناقم عليه كسالب إرادة وموارد وقد رحب العديد من »التنويريين والحداثيين» تاريخئذ بالحركة الاستعمارية وهللوا لها بل اعتبروها ضرورة استراتيجية لإخراج أمة محمد من الجهل واعتبر الأديب المصري طه حسين أن لا خلاص للبلاد العربية إلا بتقليد الغرب حذو القذة بالقذة والسطر بالسطر. وقد دفعت الغيرة عباس محمود العقاد لأن يؤلف سلسلة العبقريات حين راح جموع من المثقفين يتشدقون بديكارت ونيتشه وسبينوزا ودوركايم وغيرهم.
وقد امتد العمر بهؤلاء الحداثيين وهم يرون أن الحركة الاستعمارية نخرت واقعنا السياسي والثقافي والاقتصادي والأمني والفكري والبيئي، ولم تترك ساحة إلا وعفنتها وألحقت بها داء الكساح، بل إن فرنساالاستعمارية عندما غادرت الجزائر مكرهة بفعل ثورة المليون ونصف مليون شهيد سرقت أموال خزينة الدولة الجزائرية ولم تبق فرنكًا واحدًا في خزائن البنوك، ودمرت كل الجرارات الزراعية، وألحقت الأضرار الكبيرة بكل البني التحتية، بل سرقت حتى الأرشيف الجزائري والمخطوطات التي تتناول تاريخ الجزائر في مختلف العهود، ولم تعمل أي حركة استعمارية على بناء نهضة يشار إليها بالبنان لا فرق في ذلك بين الاستعمار الفرنكفوني، أو الإنجلوسكسوني أو الإسباني اللاتيني، فكل هذه الحركات الاستعمارية ألحقت أكبر الأضرار بالإنسان والبنيان ولعل من أسباب النكسة المتشعبة التي يحياها الوطن العربي بالإضافة إلى حالة الاستبداد والعسكريتاريا، تلك الحركة الاستعمارية التي هلل لها الحداثيون والتنويريون والمتمدنون والمتعصرتون، وقبل الرحيل سلمت الحركة الاستعمارية مقاليد الأمور لحلفائها لتحتفظ لنفسها بأكبر النفوذ.
وفي الزمن الأمريكي، راح ما بعد الحداثيين يهللون للاحتلال الأمريكي معتبرين إياه المدخل الأساسي باتجاه الخلاص والتطهر من نجس الاستبداد والدكتاتورية والعسكريتاريا، ومدخلًا باتجاه إعادة البناء الحضاري، وقد جمعني لقاء في إحدى الفضائيات مع »المعارض العراقي السابق موفق الربيعي« فقال لي قبل دخولنا إلى الأستوديو في لندن: إن الشرع الإسلامي يجيز الاستعانة بأمريكا فهي بمثابة الطائرة التي تقرب المسافات، وتوصلنا إلى حيث نريد، فقلت له: لكن هذه الطائرات ستحرق اليابس والأخضر وتقتل الأبرياء والمدنيين، فقال: فليكن المهم أننا سنصل، وبالفعل لقد وصل إلى عضوية مجلس الحكم العراقي.
لقد أراد لنا ما بعد الحداثيين أن تنبطح لأن الزمن اليوم زمن أمريكي، واللغة السائدة إنجليزية بامتياز.
وإذا كانت الحركة الاستعمارية الغربية والحركة الاستعمارية الأمريكية مكشوفة وواضحة الأهداف، فإن من لم ينكشفوا بعد هم دعاة الانبطاح والانسلاخ والركوع، الذين يتجلببون رداء التقوى، مبدين حرصهم وخوفهم على الأمة التي سلموا رقبتها للسكين الأمريكي لتعمل فيها ذبحًا وسلخًا ونحرًا، ثم يقولون: إن أمريكا خيرة كالطائرة توصلنا إلى أهدافنا بسهولة، إنه منطق المنبطحين والمنسلخين المتأمركين!
ومقابل أولئك، توجد طبقة مثقفة ترى أن الإصلاح يجب أن يكون من الداخل، وأن النهضة ما لم تبن بسواعد أبناء الوطن وبرؤيتهم الاستراتيجية، فهي ليست بنهضة على الإطلاق وأن الاستعمار شر لا خير فيه قديمه وراهنه فهو يتحرك وفق إيقاع مصالحه الاستراتيجية العابرة للقارات وتسليم الإرادة لهذا الاستعمار هو بمثابة الخيانة العظمى، وشر مثال على ذلك ما قاله وزير الداخلية العراقي المقال نوري البدران عندما قال: طلبني بريمر وطلب مني أن أستقيل فقلت له يا سيدي هل قصرت في شيء؟ فقال لي من أجل التوازن يجب أن تستقيل فقلت: سمعًا وطاعة!..