العنوان بين ذكرى مذبحة «اللد».. وانتصار «حطين»
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2005
مشاهدات 68
نشر في العدد 1659
نشر في الصفحة 13
السبت 09-يوليو-2005
طمْس الحقائق.. وتزييف التاريخ.. ومَحو الذاكرة هي واحدة مِن أمضى الأسلحة التي يستخدمها الصهاينة للتَّمكُّن من تثبيت بقائهم في فلسطين المحتلة.
ربما يلتفت الناس كثيرًا إلى المعارك الحربية بضجيجها، لكنهم لا ينتبهون إلى معارك أُخرى لا تقل ضراوة.. معارك قلب الحقائق وتزييف الوعي، وهي معارك لم تتوقف منذ وطِئَت أقدام الصهاينة أرض فلسطين، وقد أداروها بخبث وبإمكانات هائلة، ولابد أنْ نعترف أنّ أول عوامل نجاحهم في هذا المضمار أن الطرف العربي لم يأبه كثيرًا بهذا النوع من المعارك.. ومثلما فشلت الحكومات العربية في معاركها الحربية التي خاضتها في استرداد ولو شبر من فلسطين كان فشلها- أيضًا- ذريعا في تصحيح الذّاكرة وتطهير الوعي الذي لوثه البث الفكري والإعلامي الصهيوني المتواصل.
أقول ذلك بمناسبة حلول الذكرى الثامنة والخمسين لمذبحة مدينة اللّد الفلسطينية غدًا الأحد (١٩٤٨/٧/١٠م).
وهي الذكرى التي ستمُرّ كما مرَّت غيرها من المناسبات دون انتباه، أو وقفة تأمل، أو أي شيء يقول إن لنا ذاكرة!
فبعد إعلان قيام الكيان الصهيونيّ بشهرين تقريبًا هجمتْ العصابات الصهيونية على تلك المدينة واحتلّتها، وأعملتْ فيها آلة الرعب والوحشية كما فعلت في بقية المدن والبَلْدات الفلسطينية لتجبر أهلها (٢٠ ألفا) على الرحيل هربًا بجلودهم من الإبادة.. وكان في المدينة يومها عشرون ألفًا آخرين من أهالي مدينة يافا والبلدات المجاورة فرّوا إليها هربًا من المذابح الصهيونية.
تقول مها النقيب -ابنة إحدى العائلات المنكوبة التي شاهدت يومها ما حدث - «إن الهدف كان ترحيل جميع الأهالي.. إنهم لم يبرحوا المدينة إلّا بعدما قامتْ قوات الاحتلال بذبح مجموعة من المواطنين لجأتْ إلى المسجد» (الشرق الأوسط العدد ۹۷۱۳ - ٢٠٠٥/۷/۲).
المذبحة وقعت وتُرِك المجال واسعًا للمؤرخين ليحددوا عدد الضحايا من ۷۰ إلى ۲۰۰ ضحية!!
وقد أغلق المجرمون المسجد على جريمتهم ولم يسمحوا بفتحه إلّا في بداية حقبة التسعينيات، حين سمحوا للبقية الباقية من أهالي المدينة «۱۰۳۰ فلسطينيًا» بترميم المسجد، وقد فوجِئ الداخلون للمسجد بأثار دماء الشُّهداء مازالتْ موجودة على جدران وأرضية المسجد!
مَن الذي يجدد مثل تلك الذكريات الأليمة وينشط معها ذاكرتنا ووعينا بأحداث مهمة في سجل القضية؟! للأسف الشديد فإنّ الذي يحمل هذه المهمة على عاتقه هم مجموعة من اليهود شكلوا منظمة «زحزوت» وهي كلمة عبرية تعني «تذكَّر» وقد أخذ أعضاء تلك- المنظمة التي تضم نشطاء سلام- على عاتقهم تذكير العالم بجرائم اليهود التي ارتكبوها في فلسطين، وقام خمسون من أعضاء تلك المنظمة بجولة في مدينة اللّد يوم الجمعة ٢٠٠٥/٧/١م والتقوا بأهلها الذين حشرتهم السلطات الصهيونية في حي ضيق أجبرتهم على العيش فيه، وزاروا المسجد حيث مقر المجزرة، ووضعوا لافتة على شارع المدينة الرئيس تحمل اسمه الفلسطيني الحقيقي «شارع صلاح الدين» باللّغتين العربية والعبرية، بعد أن غير الصهاينة اسمه إلى شارع «شدروت تصاهل» أي «شارع جيش الدفاع الإسرائيلي».
يقول أعضاء تلك المنظمة: «نقوم بتلك النشاطات لتعريف المواطنين اليهود بالنّكبة، فهذه المعلومات محجوبة ويُفرَض عليها التعتيم».
ذكرى مجزرة اللُّد الأليمة ستمر غدًا دون اهتمام- وأتمنى أن أكون مخطئًا- بل إنّ الذكرى الـ (۸۱۸) لانتصار المسلمين بقيادة الناصر صلاح الدين في موقعة «حطين»- على أرض فلسطين- مرَّت يوم الإثنين الماضي (٢٠٠٥/٧/٤) دون اهتمام أيضًا لا من إعلامنا ولا من مثقفينا. إلى هذا الحد بلغ بنا الخمول وعدم الاكتراث.. لا بانتصاراتنا ولا بهزائمنا!!
إنّ من يفرِّط في تاريخه لهذا الحد إنما يقتلع جذوره بيده، ومن يتولى محو ذاكرته إنّما يصيب نفسه بحال من «التِّيه»، ومن يقصر ذكرياته واحتفالاته على أهل السينما والمسرح والغناء ولاعبي الكرة فإنما يصيب نفسه بحالةٍ من «السَّفَه»!!