العنوان بين علم النحو وعلوم الشريعة.. علاقة علم النحو بعلوم السنة
الكاتب رمضان فوزي بديني
تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2012
مشاهدات 64
نشر في العدد 2022
نشر في الصفحة 47
السبت 06-أكتوبر-2012
لا تختلف علاقة النحو بالحديث النبوي الشريف كثيرًا عن علاقته بالقرآن الكريم؛ من حيث التأثير والتأثر المتبادلين كما ذكرنا في المقالين السابقين؛ فالحديث النبوي الشريف يعد من مصادر الاحتجاج عند كثير من النحاة، وكذلك فإن النحو وقواعده ضروري في فهم الحديث النبوي واستنباط الأحكام منه.
وقد أدرك شراح الحديث والسنة النبوية هذه العلاقة فخصصوا مؤلفات في إعراب الحديث؛ فنجد إعراب الحديث للعكبري وإعراب الأربعين النووية .. وغيرها من كتب الحديث وشروحه التي ترتكز في كثير منها على اللغة ودلالاتها، والنحو وقواعده وتأكيدا على هذه العلاقة جعل أبو البركات ابن الأنباري العدالة شرطا في ناقل اللغة؛ نظراً لتأثيرها على معرفة تأويل الحديث؛ حيث يقول: «اعلم أنه يشترط أن يكون ناقل اللغة عدلا، رجلا كان أو امرأة حراً كان أو عبداً ، كما يشترط في نقل الحديث؛ لأن بها معرفة تفسيره وتأويله» (لمع الأدلة في أصول النحو : ٨٥).
النحاة والاحتجاج بالحديث النبوي إذا كان موقف النحاة تجاه الاحتجاج بالقرآن الكريم كان الإذعان والإجماع على ذلك؛ فإن موقفهم من الحديث النبوي لم يكن بنفس القدر من القبول المطلق للاحتجاج به؛ حيث انقسموا تجاه الاحتجاج بالحديث النبوي إلى أكثر من فريق؛ فمنهم من رفض هذا الاحتجاج مطلقا، ومنهم من أيده ودافع عنه، ومنهم من وضع ضوابط لهذا الاحتجاج تحدده وتقيده. ومرد هذا الاختلاف ليس طعناً في لغة الرسول الله وصحابته، ولكنه راجع إلى تحري الاطمئنان والثقة في أن هذه الأحاديث صدرت بلفظ النبي ، ولم يحدث تغيير في لفظها ولم تُرو بالمعنى. ولأن المجال هنا لا يتسع لإفراد الحديث عن كل فريق وحججه؛ فسأكتفي هنا بالرأي الوسطي بين المانعين والمجيزين، وهو رأي الشيخ محمد الخضر حسين؛ حيث يمكن تلخيص موقفه في أن من الأحاديث ما لا ينبغي الاختلاف في الاحتجاج به في اللغة وهو ستة أنواع ملخصة فيما يلي : ١- ما يروى بقصد الاستدلال على كمال فصاحته ، كقوله عليه الصلاة والسلام : «الظلم ظلمات يوم القيامة (أخرجه البخاري).
٢- ما يروى من الأقوال التي يتعبد بها، أو أمر بالتعبد بها ؛ كألفاظ القنوت والتحيات وكثير من الأذكار والأدعية التي كان النبي ﷺ يدعو بها في أوقات خاصة.
- ما يروى شاهدا على أنه كان إلى الله يخاطب كل قوم من العرب بلغتهم. ومما هو ظاهر فإن الرواة يعمدون في هذه الأنواع الثلاثة إلى رواية الحديث بلفظه.
٤- الأحاديث التي وردت من طرق متعددة واتحدت ألفاظها ؛ فاتحاد الألفاظ مع تعدد الطرق دليل على أن الرواة لم يتصرفوا في ألفاظها، والمراد أن تتعدد طرقها إلى النبي أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين الذين ينطقون الكلام العربي فصيحًا .
ه الأحاديث التي دونها من نشأ في بيئة عربية لم ينتشر فيها فساد اللغة كمالك بن أنس، وعبد الملك بن جريج والإمام الشافعي. ٦
- ما عرف من حال رواته أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى مثل ابن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة، وعلي بن المديني. ومن الأحاديث أيضا التي لا يصح أن تختلف الأنظار في الاستشهاد بألفاظها ... الأحاديث التي دونت في الصدر الأول، حتى ولو لم تكن من الأنواع الستة المبينة آنفا .
أمثلة مما احتج فيه النحاة بالحديث النبوي
هناك بعض القواعد النحوية التي احتج فيها النحاة بأحاديث نبوية، نكتفي منها بهاتين القاعدتين:
الأولى: وقوع خبر «كاد » مقرونًا بـ «أن »: المشهور أن خبر «كاد» لا يأتي مقرونًا بـ«أن» كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (البقرة)، وغيرها من الشواهد القرآنية، إلا أنه ورد عن ابن عمر قوله : «ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب»، وهو ما احتج به ابن مالك وبغيره من أقوال الصحابة على مجيء خبرها مقترنا بـ«أن»، حتى لو لم يرد في القرآن مثله.
الثانية: العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار.
واحتجوا على ذلك بقوله ﷺ : « إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالًا ...»؛ حيث عطف «اليهود على الضمير المجرور بالإضافة في «مثلكم»، دون تكرار المضاف وهو «مثل»؛ بحيث يكون السياق «إنما مثلكم ومثل اليهود ...»، يقول ابن مالك: «تضمن الحديث العطف على ضمير الجر بغير إعادة الجار، وهو ممنوع عند البصريين إلا يونس وقطرب والأخفش.. والجواز أصح من المنع لضعف احتجاج المانعين، وصحة استعماله نظما ونثرا (شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح، ص .(۱۰۸ ، ۱۰۷