; بين فتح مكة وبشريات فتح القدس (۱) | مجلة المجتمع

العنوان بين فتح مكة وبشريات فتح القدس (۱)

الكاتب د. عيد عبد الحميد

تاريخ النشر السبت 23-نوفمبر-2002

مشاهدات 67

نشر في العدد 1528

نشر في الصفحة 41

السبت 23-نوفمبر-2002

الحديث عن القدس، يبعث في النفوس الأمل والأنس، كيف لا وقد احتضنت القدس المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني المسجدين مسرى نبينا محمد ﷺ ومعراجه المفضي لأطباق السماء، وبها صلى بكل الأنبياء.

ومن يومها والصراع على بيت المقدس محتدم بين أهل التوحيد وأرباب الشرك العنيد ما من مرة يغتصب فيها الشرك بيت المقدس ويدنس، فليس سوى المسلم الموحد بمنقذ له ومخلص، حتى بات مستقرًا في الأذهان أن المجاهد على ثرى بيت المقدس لا يرضى من الغنيمة بالإياب، إنما يظل يرنو إلى ما أعده الله تعالى من حسن المآب، لكل من خضد شوكة الشرك وفتح لعز أمته وتمكينها أرحب باب.

أما وقد طالعتنا الإدارة الأمريكية بقرارها القاضي بشرعية اغتصاب يهود للقدس وحيازتهم إياها وتدنيسهم لها. بات لزامًا علينا أن نعرج للحديث عما قضته الإرادة الربانية من أن القدس أرض إسلامية، وميراث شرعي لجموع المسلمين على مر السنين، وأن حالها حال أهلها المجاهدين لاستردادها، المرابطين في أكنافها، لا يخرج عن حال الجماعة المسلمة في ظل الظروف التي كانوا يرتقبون فيها فتح مكة تحريرها من دنس الشرك والطغيان تلكم الظروف التي تنزلت فيها على النبي ﷺ وصحبه الكرام الآيات البينات في سورة الفتح:

وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)  (الفتح: 20 - 21)

فقوله تعالى:  (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ)ۦ أي فتح خيبر، قاله ابن عباس ومجاهد (تفسير الطبري (26/89)  وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ  تتناول الآية جميع من هم بالنيل من الجماعة المؤمنة سواء أكانت قريش حين رامت قتال المسلمين، أم يهود حين هموا باغتيال من بالمدينة بعد خروج الرسول ﷺ وصحبه منها، أم أهل خيبر وحلفاءهم الذين أرادوا نصرهم من أسد وغطفان (انظر ابن القيم زاد المعاد (2/218) .

وكان من مغازي هذا الفتح والكف  (وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ)  قال الشوكاني - رحمه الله تعالى - سنة لمن بعدكم (فتح القدير (6/65)، سنة تحمل في ثناياها عظة وعبرة، ومن شأنها أن تولد في نفوس الأجيال المتعاقبة المدافعة عن حقوق الأمة وحرماتها ومقدساتها ثمرات عديدة، منها:

ثمرات فكرية: فيعلمون أن الله تعالى هو يتولى حياتهم وكلاءتهم في مشهدهم ومغيبهم. تفسير الطبري (26/90) ترجمة واضحة لقوله تعالى:

 (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) (الحج: 38) ومصداقًا لقوله ﷺ «تكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي الإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة» (متفق عليه).

وثمرة نفسية تشحذ عزائمهم وتلهب نفوسهم، فيوقنون أن الله تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم وعددهم فتقر بذا عيونهم وتطمئن قلوبهم وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العليم بعواقب الأمور وأن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين، وإن كرهوه في الظاهر، وعليه فما عليهم إلا أن يعضوا بالنواجذ على الخيار الذي ارتضاه الله لهم، فتنشرح له صدورهم.

(وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ) (البقرة: 216)  (انظر تفسير ابن كثير (7/341).

وثمرة حركية تمتد إلى من جاء بعدهم فتابع دربهم واقتفى أثرهم، وأنحاز لخيارهم بعزيمة لا تلين، نابعة من ثقة بالله ويقين، لذا قال الرازي - رحمه الله تعالى «وليجعلها لمن بعدكم آية تدلهم على أن ما وعدهم الله تعالى يصل إليهم كما وصل إليكم (تفسير الرازي 14/97) 

قوله تعالى:  (وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) (الفتح: 20) أي: ويسددكم أيها المؤمنون طريقًا واضحًا لا اعوجاج فيه» (تفسير الطبري (26/99).

أما كنه هذا الطريق وحقيقته - في ظل تلك الظروف - فهو التوكل عليه والتفويض إليه والاعتزاز به» (تفسير الرازي 4/97)، وأنعم به من طريق من هديه هدي إلى خير كثير .  (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3) أي كافيه (تفسير الطبري 28/139).

«ونحن معشر المسلمين أضحينا نرى رأي العين كيف أن المولى جل شأنه يعجل لإخواننا المرابطين في بيت المقدس، وأكنافه بفتوحات خيرة تحمل في طياتها عبرًا نيرة، فتكون أية للمؤمنين المرابطين المدافعين عن حوزة الأمة وحياضها وحرماتها ومقدساتها، وتكون سنة للذين يجيئون من بعدهم فيقتفون آثارهم وينحازون لخيارهم، وتكون في الوقت نفسه مبعث أرق ومصدر قلق للغاصبين المعتدين فحياطة الله تعالى للمرابطين المدافعين عن حقوق الأمة وكلاءته إياهم باتت واضحة للعيان شاخصة لا تحتاج لبرهان، فكم من مرة يأخذ الله تعالى عنهم العيون والأبصار وكم من مرة يكف عنهم أيدي الظالمين الأشرار فيحقن بذا دماءهم ويبلغهم مأمنهم، ويرد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالو خيرًا. 

فكل هذا مع عملة العدد والعدة من شأنه أن يهدي إخواننا المرابطين على ثرى بيت المقدس صراطًا مستقيمًا قوامه التوكل على الله، والثقة به واللجوء إليه والاستنصار به في وقت عز فيه النصير، وانعدم فيه المجير.

أما قوله تعالى: (وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا) (الفتح: 21) فقد قال الحسن وقتادة «هي مكة» (تفسير الطبري 26/92)، ومعنى قد أحاط الله بها أي حبسها لكم . لا عنكم . وعليه فإن لم تقدروا. عليها في الحال، فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم. (تفسير القرطبي 16/184)، إذًا فهي موقوفة على المؤمنين محفوظة لهم. لذا قال الرازي «حفظها للمسلمين» (تفسير الرازي 14/98)، «وفي معنى الإحاطة إيماء إلى أنها كالشيء المحاط به من جميع جوانبه فلا يفوتهم مكانه، فجعلت كالمخبوء لهم» (تفسير ابن عاشور (٢٦/ ١٨٠).

من أجل ذلك قصم الله تعالى ظهر أبرهة وجنده لما أرادوا مكة بسوء، وهموا أن يبسطوا عليها هيمنتهم ونفوذهم، فلم يتأت لهم ذلك لأنها محفوظة لقوم آخرين، فقد أحاط بها رب العالمين لمحمد ﷺ وصحبه المجاهدين.

إذا كان ذلك كذلك فإن آلية نيل هذا الوقف وحيازته وامتلاكه بينها القراء بقوله: «أحاط الله بها لكم حتى تفتحوها وتأخذوها»، (تفسير الشوكاني 5/93) :  إنه الفتح وما يتطلبه من إعداد وعدة وجد واجتهاد وكد وتشمير وتضحيات في خضم المسير، وإنما حبس الله تعالى مكة ولم يعجلها لهم كفتح خيبر، وذلك أن مكة خير البلدان عند الله تعالى وقد حرمها الله يوم خلق السموات والأرض، وفيها أول بيت وضع للناس، فامتلاكها يتطلب مهرًا كبيرًا، من طاعات مزيدة استنفار طاقات مديدة، واستيفاء ضرائب عديدة من الأنفس والأموال والدماء والجراح والأرواح على طريق بلوغ هذه المرام. وفى النبي ﷺ وصحبه باستحقاقات هذا النصر، ومتطلبات هذا التحرير، أوتوه فأثابهم الله فتح مكة ووهبهم إياه، فقد دخلها الجيش الإسلامي قائمًا بقيادة النبي ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة وفي هذا يقول المولى جل شأنه:

(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) النصر)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2108

132

الخميس 01-يونيو-2017

رمضان.. شهر الانتصارات

نشر في العدد 329

126

الثلاثاء 21-ديسمبر-1976

معطيات الهجرة النبوية