; بين «محند» و « محمد»... قصة حب أمازيغية | مجلة المجتمع

العنوان بين «محند» و « محمد»... قصة حب أمازيغية

الكاتب محمد الطيبي

تاريخ النشر السبت 08-يوليو-2006

مشاهدات 115

نشر في العدد 1709

نشر في الصفحة 46

السبت 08-يوليو-2006

رغم كوني جزائريًّا، فقد كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أتوجه فيها إلى منطقة القبائل لاستكشافها!

وحين اقترب موعد الرحيل شعرت بمدى ثقل المهمة الملقاة على عاتقي، أمام ما كنت أسمع به دائمًا عن الثورة الدائمة لسكان المنطقة ومعاداتهم لكل ما هو عربي، بالإضافة إلى انعدام الأمن وتراجع سلطة الدولة عقب حادثة مقتل الشاب قرماح ماسينيسا في أبريل ٢٠٠٢م في ثكنة للدرك الوطني بـ «بني دوالة»، بولاية تيزي ووزو شرقي العاصمة الجزائرية، حيث اعتقل برفقة مجموعة من الشباب أثناء مظاهرات احتفالية بذكرى الربيع الأمازيغي.

المهم أنني حملت تخوفاتي والكثير من الأسئلة التي تشغل بال الرأي العام العربي والإسلامي وقررت خوض «المغامرة».

كان الوقت ظهرًا عندما استقللت سيارة أجرة جماعية كانت رابضة بمحطة نقل المسافرين «تافورة» في الجزائر العاصمة، وكان عليّ أن أنتظر حتى تُحجز جميع المقاعد الشاغرة، وما هي إلا نصف ساعة حتى اكتمل عدد الركاب، وانطلقت بنا السيارة متجهة نحو «بلاد زواوة» كما يطلق على المنطقة.

كان الركاب يتجاذبون أطراف الحديث بلغة قبائلية ممزوجة بلكنة فرنسية، وحتى لا «ينفضح» أمري بجهل اللغة القبائلية، ولا أضطر إلى دفع أجرة السيارة مضاعفة، هكذا أخبرني صديقي «محمد الأمين»، حتى إنه نصحنا بتكلم الفرنسية وتجنب العربية، فقد قررت اصطناع النوم طوال الرحلة حتى لا يكتشف الأمر!

وصلت بنا السيارة إلى مدينة تيزي ووزو بعدما مرورنا على حاجزين أمنيين وضعا أمام مدخل المدينة «الأسطورة»، لاحظت ابتسامة عريضة على وجه السائق وهو يمر على الحاجزين دون تفتيش، كانت الأمور تبدو عادية والمدينة هادئة، ما إن نزلنا من السيارة حتى ارتفع صوت أذان العصر، كان الأذان تسلية لي وأنيسًا، فأتجهت إلى مسجد يحمل اسم الشيخ أرزقي الشرفاوي، وهو أحد علماء منطقة القبائل، درس في الأزهر الشريف.

المسجد عبارة عن تحفة معمارية جمعت بين الفن المعماري الحديث والأصالة العربية الإسلامية ويتوسط حديقة غناء.

داخل المسجد، أخبرني شيخ يدعى سي حاج محمد أن المسجد كان كنيسة إبان فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر «١٨٣٠-١٩٦٢»، وبعد الاستقلال تنازل عنه أحد القساوسة الفرنسيين ليتحول إلى مسجد.

كان المسجد ممتلئًا بالمصلين وغالبيتهم من الشباب، وهو ما كان أول مؤشر لي يؤكد أن ما تردده مختلف وسائل الإعلام عن غياب الإسلام عن المنطقة يحمل الكثير من المبالغة والتهويل.

مساجد عامرة

العلم الجزائري كان دائمًا حاضرًا أثناء الاحتجاجات بمنطقة القبائل بعد الصلاة, سألت شابًا - عرفت فيما بعد أن اسمه محند «محمد» كان يجلس بجانبي وتبدو عليه علامات التدين، ويلبس قميصًا عربيًّا، وله لحية خفيفة - عن سر إقبال الشباب على المساجد في «تيزي ووزو» الذي ربما يفوق حجمه بعض مساجد العاصمة، فرد قائلًا: «المساجد عامرة بالمصلين والحمد لله»، 

سألته ثانيًّا: «لكن وسائل الإعلام تروج لعكس ما تقول»، فأجاب: «هؤلاء يريدون أن يميزوا بيننا وبين بقية الجزائريين حتى يسهل عليهم تقسيم الجزائر، بينما طبيعة المجتمع هنا لا تختلف عن باقي الجزائر، فهناك الملتزمون وهناك غير الملتزمين».

وأضاف: «يا أخي، احتجاجات سكان المنطقة هنا ليست نابعة من رفض للدين الحنيف - لا سمح الله - ولكنها نابعة أساسًا من الحقرة - ويعني به الظلم - التي يتعرض لها سكان المنطقة».

ويضيف: «الفقر منتشر, والبطالة بين الشباب في اتساع مستمر»، وتساءل بمرارة: «ماذا تنتظر من شباب في مقتبل العمر لا يجد ما يلبي احتياجاته؟».

ويضيف محند: «هناك بالفعل أطراف داخل المنطقة كالحركة التي يتزعمها فرحات مهني «مطرب جزائري مقيم بفرنسا»، والتي تسعى جاهدة لتحويل مطالب الشباب المشروعة إلى مطالب مشبوهة كالحكم الذاتي».

وبلهجة حاسمة يؤكد: «لو سألت الشباب ستتأكد أن المنطقة ترفض هذا الطرح، والدليل على ذلك أن الشباب المتظاهر كان دائمًا يحمل خلال احتجاجاته العلم الجزائري».

 لكن محمد يلح في الوقت نفسه على الدولة الجزائرية أن «تسارع إلى دراسة ومعالجة المشكلات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تعيشها المنطقة، حتى يسد الباب أمام دعاة الفتنة والتفرقة».

تركت «محند» بعدما أخبرني أنه من متصفحي موقع إسلام أون لاين نت، ومن المداومين عليه, وبعيد الانتهاء من الصلاة كانت لي جلسة قصيرة مع الشيخ رشيد.. إمام المسجد الذي قال والابتسامة العريضة تضيء وجهه: «بيوت الله هنا عامرة .. وغالبية مرتاديها من الشباب».

بين محمد ومحند

مسجد الشيخ أرزقي الشرفاوي الأزهري المغزى نفسه أكده المسؤول الأول عن قطاع الشؤون الدينية في ولاية تيزي ووزو، صايب محند أويدير، من خلال «المعنى الجميل» لقصة القبائل مع اسم محمد .

ويروي أويدير القصة فيقول: «لا تجد بيتًا قبائليًّا إلا ويوجد فيه اسم محمد كدليل ظاهر على حب النبي ﷺ بين أهل القبائل، ويقال إن سبب تحريف التسمية في القبائل من محمد إلى محند أن صاحب الاسم إذا ارتكب منكرًا- أو خالف شرعًا لا يصح أن ينسب عمله إلى اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقبائلي ينزه اسم النبي صلى الله عليه وسلم عن كل نقيصة لذلك يسمى محند بدلًا من محمد».

وعما يتداول من انتشار ظاهرة التنصير بين سكان المنطقة ينفى مدير الشؤون الدينية ذلك نفيًّا قاطعًا، معتبرًا ذلك مجرد «تشهير إعلامي بالمنطقة له أبعاد غير بريئة».

غير أنه يستدرك قائلًا: «هناك نقص دعوي تعمل على تداركه عبر تنظيم فعاليات دينية؛ كالمحاضرات, والدروس, وإقامة المعارض الإسلامية في كل قرى ومداشر تيزي ووزو», مذكرًا في الوقت ذاته بمناقب الأمازيغ في الدفاع عن الإسلام، وإسهامهم في الفتوحات الإسلامية التي أشار إليها الشيخ يوسف القرضاوي خلال زيارته للمنطقة أواخر مارس الماضي».

 ويلفت نظري إلى أنه حتى في الوقت الحاضر، تعد منطقة القبائل أكثر المناطق التي تحتوي على أكبر عدد من المساجد في الجزائر، حيث يوجد بها حوالي ۷۲۲ مسجدًا، و۱۹ زاوية لتحفيظ القرآن وتعليم اللغة العربية لأكثر من ٥٠٠ طالب يفدون إليها من مختلف أنحاء الوطن.

ويذكر أويدير أن منطقة القبائل «قبل الاحتلال وجد بها ٦٤ زاوية، وأشهرها زاوية أحمد بن يدريس «شيخ ابن خلدون» وعبد الرحمن اليلولي فقيه الشيوخ متخصص في القراءات السبع، والشيخ أرزقي الشرفاوي الذي درس في الأزهر.

ويختتم حديثه قائلًا: «المنطقة تعج بالزوايا والمساجد التي كانت سببًا في الحفاظ على الهوية الوطنية والإسلامية، وحافزًا على مقاومة الاحتلال الفرنسي».

من إسلام أون لاين     

الرابط المختصر :