; بين مسيرة الثوار وبعض الأخطار حولها.. ثورة شعب سورية على مفترق طرق | مجلة المجتمع

العنوان بين مسيرة الثوار وبعض الأخطار حولها.. ثورة شعب سورية على مفترق طرق

الكاتب نبيل شبیب

تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2011

مشاهدات 53

نشر في العدد 1967

نشر في الصفحة 16

السبت 27-أغسطس-2011

  • حكم الاستبداد القمعي انتهى إلى غير رجعة.. ولم يبق سوى الفصل الأخير قبل إسدال الستار عليه
  • أكبر الأخطار الراهنة على الثورة أن تتعرض للاقتناص.. وهو ما لا ينفصل عن استهدافها خارجيًا
  • العمل الميداني سجل تصعيدًا ثوريًا بطوليًا وانتشارًا نوعيًا وجغرافيًا متواصلًا جعل انتصار الثورة أمرا مؤكدًا

مع كل التأكيد أن المخططات والمؤامرات الأجنبية العلنية والخفية تستهدف كافة بلادنا العربية والإسلامية باستمرار وليس سورية فحسب، لا يفيد الانشغال بطرح الحكم الاستبدادي لدعوى المؤامرة لتسويغ قمعه الهمجي لثورة شعبية، طاهرة الأهداف، عفوية الانطلاق، عميقة الانتشار.. ولكن طرحه هذا يقلب المشهد رأسًا على عقب، ويشغل عن التفكير بما هو أهم بكثير، بواقع استهداف الثورة الموشكة على تحقيق هدفها الأول - إسقاط النظام - استهدافًا ينطوي على التآمر العلني والخفي، وليس مجهولًا أن تحرير الإرادة الشعبية من خلال الثورات - كثورة شعب سورية - وبالتالي استرداد الشعب سيادته على اختيار مرجعيته، وصنع مستقبله، وممارسة سياساته الداخلية والخارجية، هو في مقدمة ما تستهدفه الجهات المعادية، ولا ينبغي أن ينزلق المخلصون للثورة إلى إغفاله ناهيك عن المشاركة فيه دون قصد.

إن أكبر الأخطار الراهنة على الثورة في سورية - مما يجب طرحه رغم آلام المشهد - أن تتعرض للاقتناص في هذه المرحلة، وهو ما لا ينفصل عن استهدافها خارجيًا، فقد يشمل دعم قوى دولية لجهات قريبة منها فكرًا ونهجًا، وبالتالي سياسة مستقبلية.

ثوار يتحدون ومعارضون يفترقون

حكم الاستبداد القمعي الفاسد في سورية انتهى إلى غير رجعة، ولم يبق سوى الفصل الأخير قبل إسدال الستار عليه، وقد يكون سقوطًا دمويًا همجيًا أو مدويًا مفاجئًا وبدأت - قبل هذه اللحظة الفاصلة بين حقبتين - تحركات متتابعة، محورها أطراف من الساحة السورية، لم تنهكها الثورة نفسها لعدم مشاركتها المباشرة فيها، ولكن تسعى أن تكون - بعد انتصارها الأول - في موقع الاحتكار للحصيلة، وليس طرفًا من الأطراف فحسب، ضمن ما يقول جميع الأطراف به تحت عنوان التعددية!

أولى الملاحظات التي تستحق التأمل للإحاطة بالوضع الراهن، ما يمكن تسجيله في مشهدين:

المشهد الأول: المعارضة «التقليدية» بجناحيها الرئيسيين - الإسلامي والعلماني - كانت لديها فرصة زمنية تجاوزت خمسة شهور، لم يكن مطلوبًا منها خلالها سوى أمرين:
دعم الثورة الشعبية.. وحصل جزئيًا بدرجات متفاوتة.

التقارب والتنسيق لطرح صيغة مستقبلية على أرضية قواسم مشتركة.. وهنا كان الإخفاق ذريعا.

انعقدت مؤتمرات وصدرت مبادرات أولًا بمشاركة أطراف متعددة شكليًا، ثم تراجعت لتحل مكانها مؤتمرات ومبادرات أخرى، ولكنها إقصائية في الدرجة الأولى.

وليس أمرًا بسيطًا أن تواكب المرحلة الأخيرة قبل انتصار الثورة تحركات سياسية معارضة خارج سورية، تطرح في وقت واحد «خمس» مبادرات منفصلة عن بعضها بعضًا، وتحمل جميعًا عناوين متشابهة تدور حول مجلس وطني ووحدة وطنية ومجلس انتقالي.
 

لمشهد الثاني: تجلت عفوية الثورة الشعبية في ظهور عدد كبير من التنسيقيات والتجمعات واللجان ثم اتحادات وائتلافات بين بعضها، وكان بعضها «افتراضيًا في الشبكة العالمية»، ولهذا تفسيره، فالعمل الميداني يجري غالبا على مستوى «الحي الواحد» في مدينة ما أو بلدة، والوسيلة الشبكية تخدم أغراض الثورة، بل ساهم هذا التعدد الكبير دون قيادة مركزية، في عجز الأجهزة القمعية ذات الخبرة طوال العقود السابقة، عن «حصار» الثورة ومنع تصعيدها، فلم يكن التعدد مفاجئاً ولا معيبًا، لا سيما وأن العمل الميداني سجل تصعيدا ثوريًا بطوليًا وانتشارًا نوعيًا وجغرافيًا متواصلًا، جعل انتصار الثورة أمرًا مؤكدًا.

بيت القصيد في هذا المشهد مقابل المشهد الأول حول تفتت المعارضة التقليدية، هو أن هؤلاء الثوار العاملين وسط أقسى الظروف وأصعبها تمكنوا أخيرًا  من تشكيل ما أسموه «الهيئة العامة للثورة السورية» لتضم العدد الأكبر من ممثليها على الأرض وعبر الإعلام، والتي ترجح المعلومات المتوافرة أنها ستنجح في «جمع الصفوف» وسينبثق عنها تصوّر مشترك وعمل ميداني فعال يواكب الخطوات التالية على طريق الثورة.

الملاحظة الثانية التي تستحق الوقوف عندها، أن الإشكالية في« تفتت المعارضة التقليدية» لا تكمن في حقيقة تعددها وتباين منطلقاتها ومناهجها، ذلك أن «التعددية» بحد ذاتها واقع اعتيادي مفروغ منه، بل إن المحور الأهم في أهداف الثورة على الحكم «البائد» ذي اللون القمعي الواحد، والحزب الاستبدادي الواحد، والنهج الفاسد الواحد، هو الوصول إلى وضع سياسي واجتماعي يعتمد التعددية واقعًا، ويتخذ من «النهج القويم للتعامل بين أطراف التعددية» قاعدة للاستقرار الحقيقي.
ولكن عندما يتخذ بعض أطراف المعارضة - منذ الآن - من «إقصاء الآخر» عنوانًا ونهجًا، فهؤلاء لا يخرجون واقعيًا - وإن اختلفت المسميات - عما صنعه «الحكم البائد» وعما اندلعت الثورة من أجل «تأبينه و دفنه»!

لقد تكرر التصريح بإقصاء الآخر، وبلغ درجة لا يستهان بقابلية أن تسبب عقبة من العقبات العديدة، في نطاق أخطار داخلية وخارجية جسيمة، على طريق ما يتطلع إليه الثوار على طريق صناعة مستقبل سورية.

ولا يصح في المرحلة الحالية الانزلاق إلى ما يسمى «معارك جانبية» من خلال الانزلاق للرد على من تصدر عنهم أطروحات استفزازية بشأن ما ينبغي أن تكون عليه سورية بعد الثورة، لا سيما وأن مثل هذه المعارك الجانبية تدور - إن دارت - بين أطراف ممن يوصفون بالمعارضة التقليدية، التي لم تصنع الثورة، بغض النظر عن تفاوت أدوارهم التاريخية أثناء فترة الاستبداد الطويلة، وكذلك عن تفاوت درجة دعمهم للشعب الثائر داخل الحدود.

والحرص على تجنب «المعارك الجانبية» ينعكس في الحرص على تجنب الإشارة بالبنان لفلان أو فلان، أو لهذه التشكيلة من المعارضة أو تلك.. ولكن ينبغي أن يكون الحرص على الثورة وحصيلتها هو الأكبر، وهو المعيار، عند الحديث عن ممارسات الإقصاء بحد ذاتها، وتأكيد رفضها جملة وتفصيلًا.

من المنطلق الإسلامي

من منطلق الإسلام، نقول بإيجاز شديد:

يقول الباحثون: إن أعمدة الديمقراطية هي: الشعب مصدر الحكم، والفصل بين السلطات، والتداول على السلطة، ويؤرخون لميلادها بديمقراطية «أثينا»، أي عندما كانت في ظل منظومة قيم طبقية - كما ينظر أفلاطون في مدينته الفاضلة - ثم كانت في ظل إنهاء الطبقية عبر عصر التنوير الأوروبي، بغض النظر عن اقتصار ذلك على «المركزية الأوروبية» مقابل التعامل« الطبقي» مع شعوب العالم عبر الاستعمار القديم ثم الحديث.

ووجدت الديمقراطية طريقها إلى التطبيق وفق مرجعيات قيم غربية وقيم يابانية وقيم هندية كأمثلة، والشاهد إذن هو استحالة ربط آلية الحكم الديمقراطية ربطًا احتكاريًا بمنظومة قيم بعينها، ومن يفعل ذلك يحوّل الديمقراطية إلى آلة حكم استبدادية تقصي الآخر.

تتميز منظومة السياسة الإسلامية بأنها جزء لا ينفصم من الإسلام، فلا يمكن لمن يمارسها فصل نفسها عن شموليته، وبالتالي عن منظومة القيم فيه، وفي مقدمة محاورها: الكرامة لكل إنسان، والعدالة في كل ميدان، وحرية الإرادة من لحظة بلوغ الرشد حتى ساعة الموت.

لا ينبثق التزام السياسة الإسلامية بالتعددية عن التعامل مع ظروف طارئة متبدلة، بل هو جزء جوهري من المنظومة الإسلامية القائمة على: «وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا»، وعلى اختلاف الألسنة والألوان وعلى حظر الإكراه في شؤون العقيدة، وعلى ثبات الحقوق المادية لكل إنسان ﴿كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا (20)﴾ (الإسراء).. وغير ذلك مما يضيق المجال بسرده.

الرابط المختصر :