العنوان بّعُدَ من أدرك رمضان ولم يُغفَر له
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2005
مشاهدات 96
نشر في العدد 1673
نشر في الصفحة 41
السبت 15-أكتوبر-2005
حدثتك أن رمضان شهر الخير، وشهر الإنسانية الفاضلة، وشهر الحرية الصحيحة، وأحب هنا أن أحدثك بأن رمضان شهر السخاء والجود، شهر الكرم والعطاء، شهر البذل والإنفاق، وأحب أن تصل معي إلى هذه النتيجة عن طريق البحث العلمي والنظر التحليلي الدقيق، فتعالَ نستمع إلى فضيلة الشيخ حسن البنا وهو يضعنا أمام مشروعين: الأول: الاستفادة من رمضان للنابهين، والثاني: التحذير من ضياع رمضان للفاشلين. فيقول: أنت في رمضان ممسك عن طعامك وشرابك محارب للذاتك وشهواتك الجسدية، مقبل على ربك بالصوم والصلاة والعبادة والقرآن، وذلك غذاء شهي تستمرئه الروح وتتلذذ به النفس الطيبة وتصفو به الفكرة، ويشرق منه نور البصيرة فترى الحقائق على صورتها وتضع كل أمر في نصابه وفي موضعه الذي خلق له.
سترى إذا تأثرت بصوم رمضان أن هذه الأعراض الدنيوية وهذه الأموال الفانية وسائل لا تقصد لذاتها ولا قيمة لها في نفسها، ولكنها تشرف وتعلو إذا أنفقت في الخيرات، وترخص وتنحط إذا ضاعت في السفاسف فيدفعك ذلك إلى الإنفاق وأنت مغتبط مسرور.
ولهذا كان رمضان شهر الإنفاق وسترى إذا تأثرت بالصوم أن من ورائك قومًا جاعت بطونهم وظمئت حلوقهم وسغبت أحشاؤهم وأن في وسعك أن تسد جوعهم وتروي ظمأهم وتداوي مسغبتهم فيدفعك ذلك إلى البذل والإنفاق، ولهذا أيضًا كان رمضان شهر السخاء والجود.
وسترى إذا تأثرت بالصوم أن عاطفة رقيقة يتحرك بها قلبك وشعورًا دقيقًا تختلج به نفسك، وإحساسًا قويًّا يسري في جوانحك هو الذي يسميه الناس الرحمة أو الشفقة أو العطف أو الحنان، وسمه ما شئت.. فحسبك أنه شعور يدفعك إلى مواساة المنكوبين وإعطاء المحرومين وكفكفة دموع البؤساء والمساكين بما تحسن به إليهم من العطاء والبذل، ومتى هان عليك هذا العَرَض الفتان الذي يسميه الناس المال وعرفت أنك مستخلف فيه لتنفقه في وجوه الخير، وليس لك منه إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت، وفهمت قول الله تعالى: ﴿ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ﴾ (الحديد: 7) فإنك بلا شك ستتقدم إلى الخيرات باذلًا منفقًا وأنت باسم الثغر رضي النفس، وذلك ما يؤديك إليه الصوم الشرعي الصحيح.
وأظنك بعد هذا تستطيع أن تدرك أسرار هذا الحديث النبوي الكريم، روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة...
أرأيت كيف أن علو نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم في درجات الروحانية مع روحانية لقاء جبريل عليه السلام مع روحانية تلاوة القرآن، مع روحانية صوم رمضان، كل هذه الروحانيات مجتمعة أثمرت أن يتضاءل سلطان المادة ويختفي أثر فتنة المال فيجود به النبي كالريح المرسلة، لا يبقي على شيء! وكذلك أثر العبادة الخالصة في نفوس العابدين.
ولكأني بك تعترض في هذا الإغراء بالبذل والإنفاق بأن الناس مأزومون قد أخذ العسر المالي بخناقهم فما فائدة التحدث إليهم في هذا الشأن؟! فأقول على رسلك أيها العزيز وأمامك دور اللهو... والسيارات الفخمة الوثيرة والدور العالية المشيدة، وأمامك زهرة الحياة الدنيا ترف ناضرة فينانة. انظر ذلك كله لتعلم أن الأمر ليس فقرًا فقط ولا أزمة فقط، ولكنه مع هذا شح على الخير وبخل في النفوس وإنفاق للمال في غير وجهه الذي خلقه الله له، وتجاف عن طلب العلياء وإسفاف إلى صغائر الأمور، ورضاء بهذه المظاهر الدنيا واستمتاع بها. ولو نما في المسلمين حب الخير وطبعت نفوسهم على الجد في طلب العلياء وبذل الجهد الصحيح في ذلك لرأيت أن كل مسلم لا يعجزه أن يقتصد قرشًا واحدًا أو نصف قرش مما ينفقه في الدخان، أو يدخر ثمن أسطوانة غنائية أو مصروف ليلي في مقهى أو نفقة وليمة شواء يقيمها رياء وسمعة، أو يترك التعالي في رباط الرقبة ومنديل اليد وشراب الرجل وزجاجة العطر، ويقتصر في ذلك على ما يحقق الغاية، ثم ينفق ما يوفره من ذلك وهو كثير في مشروعات وتتحقق آمال وتقوم أعمال.
فليذكر المسلم ذلك بمناسبة شهر السخاء والجود، وليذكر معه أن اقتصاده لأمواله لتنفق في سبيل المجد والخير يضعف من قوة عدوه الذي يستغني بما يبتز منه ويتمتع بثروته ويرتع في خيرات أرضه، ولو سرت هذه الروح الطيبة وشعرنا بأن في أموالنا حقًّا للسائل والمحروم ولواجب الرقي والنهوض المحتوم لرأينا أنفسنا في غنى عن خمرة مانولي وعن دخان ماتوسيان وعن زخرف البون مارشيه، عجيب أمر المسلمين اليوم! يجود أحدهم في التافه الضار بدم قلبه وعرق جبينه وعصارة روحه ويبخل بالنزر اليسير يحقق به أنفع المقاصد وأنبل الغايات، ويعتذر عن ذلك بالأزمة، وإن أشد منها فتكًا سوء التصرف وخطأ التوزيع.
قليل المال تصلحه فيبقى *** ولا يبقى الكثير مع الفساد
أيها المسلمون بلادكم مسكينة مهضومة وهي تحاول أن تتخلص من تلك القيود والأغلال التي أثقلت كاهلها وأنهكت قوتها، ولا خلاص لها إلا بأموالكم، فإن القوة الاقتصادية والمالية أساس القوة الأدبية والاجتماعية، وأمامكم من مشروعات الوطن ما يدر عليكم الربح الوفير لو شجعتموه وأنفقتم في سبيله، والإنفاق في هذا السبيل أجدى وأولى من هذا اللهو والعبث الذي ينكب عليه الكثيرون لا يفرقون بين ما يضر بلادهم وما ينفعها. وإن هذه الأموال إنما هي جهود المكدودين البائسين استخرجوها من الأرض بشق الأنفس وتعبوا في تحصيلها تعبًا ما عليه من مزيد، وليتمثل من يبذر في اللهو والعبث مستأجري أرضه وكيف يحيون حياة البؤس والنصب لا يصيب أحدهم من الغذاء والراحة والمتعة إلا الحقير التافه ممزوجًا بالشقاء والعناء، وسيرى أن ما ينفقه في ليلة واحدة من ليالي أنسه ولهوه إنما هو جهد هؤلاء العاملين -إخوانه في الإنسانية والوطن- أيامًا غير قليلة.
أيها الأثرياء، إنكم مسؤولون عن هذه الأموال من الله تبارك وتعالى من أين اكتسبتموها وفيم أنفقتموها؟ رضيتم هذا السؤال أم أبيتم! فأعدوا الجواب من الآن واقرأوا سيرة عظماء الأمم وأسلافكم الكرام في أموالهم وبذلهم، فإن تيقظت الضمائر وتأثرت القلوب وانبسطت الأيدي فبشر الأمة بالخلاص والنصر، وإن كانت الأخرى فسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه يرتشفون زاد رمضان، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين.