; بَعُدَ مَنْ أدرك رمضان فلم يُغفر له | مجلة المجتمع

العنوان بَعُدَ مَنْ أدرك رمضان فلم يُغفر له

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1431

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

حدثتك أن رمضان شهر الخير وشهر الإنسانية الفاضلة وشهر الحرية الصحيحة وأحب هنا أن أحدثك بأن رمضان شهر السخاء والجود شهر الكرم والعطاء شهر البذل والإنفاق، وأحب أن تصل معي إلى هذه النتيجة عن طريق البحث العلمي والنظر التحليلي الدقيق فهيا أيها العزيز:

أنت في رمضان ممسك عن طعامك وشرابك محارب للذاتك وشهواتك الجسدية، مقبل على ربك بالصوم والصلاة والعبادة والقرآن، وذلك غذاء شهي تستمر به الروح وتتلذذ به النفس الطيبة وتصفو به الفكرة، ويشرق عنه نور البصيرة فترى الحقائق على صورتها، ونضع كل أمر في نصابه وفي موضعه الذي خلق له، سنرى إذا ما تأثرت بصوم رمضان أن هذه الأعراض الدنيوية وهذه الأموال الفانية وسائل لا تقصد لذاتها ولا قيمة لها في نفسها، ولكنها تشرف وتعلو إذا انفقت في الخبرات وترخص وتنحط إذا ضاعت في السفاسف فيدفعك ذلك إلى الإنفاق وأنت مغتبط مسرور، ولهذا كان رمضان شهر الإنفاق.

وسنرى إذا تأثرت بالصوم أن من ورائك قومًا جاعت بطونهم وظمئت حلوقهم وسبغت أحشاؤهم وأن في وسعك أن تسد جوعهم وتروي ظمأهم وتداوي سغبهم فيدفعك ذلك إلى البذل والإنفاق، ولهذا أيضًا كان رمضان شهر السخاء والجود، وسترى إذا تأثرت بالصوم أن عاطفة رقيقة يتحرك بها قلبك وشعورًا دقيقًا تختلج به نفسك وإحساسًا قويًا يسري في جوانحك هو الذي يسميه الناس الرحمة أو الشفقة أو العطف أو الحنان، وسمه ما شئت فحسبك أنه شعور يدفعك إلى مواساة المنكوبين، وإعطاء المحرومين وكفكفة دموع البؤساء والمساكين بما تحسن به إليهم العطاء والبذل، ومتى هان عليك هذا العرض الفنان الذي يسميه الناس المال وعرفت أنك مستخلف فيه أنفقته في وجوه الخير وليس لك منه إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت وفهمت قول الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ (الحديد: ۷)، فإنك بلا شك ستتقدم إلى الخيرات باذلًا منفقًا وانت باسم الثغر رضي النفس، وذلك ما يؤديك إليه الصوم الشرعي الصحيح.

وأظنك بعد هذا تستطيع أن تدرك أسرار هذا الحديث النبوي الكريم، روى البخاري بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة». 

أرأيت كيف أن علو نفس رسول الله ﷺ في درجات الروحانية مع روحانية لقاء جبريل -عليه السلام- مع روحانية تلاوة القرآن، مع روحانية صوم رمضان كل هذه الروحانيات مجتمعة أثمرت أن يتضاءل سلطان المادة ويختفي أثر فتنة المال فيجود به النبي له كالريح المرسلة لا يبقي على شيء، وكذلك أثر العبادة الخالصة في نفوس العابدين.

ولكأني بك تعترض في هذا الإغراء بالبذل والإنفاق بأن الناس مازومون قد أخذ العسر المالي بخناقهم، فما فائدة التحدث إليهم في هذا الشأن؟ فأقول على رسلك أيها العزيز فأمامك زهرة الحياة الدنيا، ترف ناضرة فينانة على مظاهر كثير من سرواتنا وشباننا أنظر ذلك كله لتعلم أن الأمر ليس فقراً فقط ولا أزمة فقط، ولكنه مع هذا شح عن الخير، وبخل في النفوس وإنفاق للمال في غير وجهه الذي خلقه الله له وتجاف عن طلب العلياء وإسفاف إلى صغائر الأمور ورضاء بهذه المظاهر الدنيا واستمتاع بها.

ولو نما في المسلمين حب الخير وطبعت نفوسهم على الجد في طلب العلياء، وبذل الجهد الصحيح في ذلك لرأيت أن كل مسلم لا يعجزه أن يقتصد فيما ينفقه، ويقتصر في ذلك على ما يحقق الغاية، ثم ينفق ما يوفر من ذلك وهو كثير في مشروعات، فتتحقق آمال، وتقوم أعمال.

فليذكر المسلم ذلك بمناسبة شهر السخاء والجود، وليذكر معه أن اقتصاده لأمواله لتنفق في سبيل المجد والخير يضعف من قوة عدوه الذي يستغني بما يبتز منه ويتمتع بثروته ويرتع في خيرات أرضه عجيب أمر المسلمين اليوم يجود أحدهم في التافه الضار بدم قلبه وعرق جبينه وعصارة روحه ويبخل بالنزر اليسير يحقق به أنفع المقاصد وانبل الغايات، ويعتذر عن ذلك بالأزمة، وإن أشد منها فتكًا سوء التصرف وخطأ التوزيع.

قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير مع الفساد أيها المسلمون: بلادكم مسكينة مهضومة وهي تحاول أن تتخلص من تلك القيود والأغلال التي اثقلت كاهلها وأنهكت قوتها ولا خلاص لها إلا بأموالكم فإن القوة الاقتصادية والمالية أساس القوة الأدبية والاجتماعية، وأمامكم من المشروعات ما يدر عليكم الربح الوفير لو شجعتموه وأنفقتم في سبيله، والإنفاق في هذا السبيل أجدى وأولى من هذا اللهو والعبث الذي ينكب عليه الكثيرون لا يفرقون بين ما يضر بلادهم وما ينفعها، وإن هذه الأموال إنما هي جهود المكدودين البائسين استخرجوها من الأرض بشق الأنفس وتعبوا في تحصيلها تعبًا ما عليه من مزيد.

أيها الأثرياء: إنكم مسؤولون عن هذه الأموال من الله تبارك وتعالى من أين اكتسبتموها، وفيم انفقتموها رضيتم بهذا السؤال أم أبيتم فاعدوا الجواب من الآن واقرأوا سيرة عظماء الأمم وأسلافكم الكرام في أموالهم وبذلهم، فإن تيقظت الضمائر وتأثرت القلوب وانبسطت الأيدي فبشر الشرق بالخلاص والإسلام بالنصر، وإن كان الموت قد امتد إلى ذلك الأمل ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(المائدة: ٥٤).

أما بعد، فهذا شهر رمضان شهر السخاء والإنفاق وأمامنا مشروعات كثيرة تهيب بنا إلى الإنفاق فهل نأخذ على أنفسنا في هذا الموسم بالتدرب والتمرين على البذل في سبيل الله؟

﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (محمد: ٣٨)

وهل نرى اليوم ما يحيط بالمسلمين من كرب في مشارق الأرض ومغاربها ومن عوز وحاجة فنطلق اليد ابتغاء مرضاة الله؟

ولقد أنعم الله على المسلمين بالخيرات الوفيرة بما لم يكن موجودًا عند أسلافهم، فلماذا يظل عندهم فقر في اليد وشح في النفس، وخواء في القلب، وهذا رمضان وها هي أيامه المباركات توشك على الرحيل ونفحاته الطيبات تظلل المؤمنين، فهل تجلو النفوس وتعمر القلوب وتسخو الأيدي، خاصة ونحن في جهاد مع العدو ترخص فيه الأرواح، وتبذل فيه المهج ويربح فيه البيع لله، ستخسر الأمة كثيرًا إذا فاتها هذا الشرف، وتكون قد بعدت من رمضان، وبعد عنها رمضان وخسرت كل شيء نسأل الله السلامة والعون أمين أمين.

الرابط المختصر :