; بعد تدخل الولايات المتحدة: تأجيل الحرب التركية.. اليونانية في بحر إيجه | مجلة المجتمع

العنوان بعد تدخل الولايات المتحدة: تأجيل الحرب التركية.. اليونانية في بحر إيجه

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

مشاهدات 81

نشر في العدد 1127

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

•الجنرالات الأتراك يرفضون الطلب الأمريكي بتأجيل المناورات والساسة وافقوا على خيار الحوار.

شهد شهر نوفمبر تشرين ثان الحالي حالة من التوتر والقلق البالغين كادت أن تؤدي إلى اندلاع حرب مدمرة بين تركيا واليونان بسبب المياه الإقليمية في بحر إيجه، ولولا تأجيل اليونان تطبيق المعاهدة الدولية للبحار والتي تعطي لها الحق بعد حدود مياهها الإقليمية لمسافة ١٢ ميلًا- والذي تعتبره أنقرة بمثابة إعلان للحرب- إذ أن ذلك يعني تحويل بحر إيجه إلى بحيرة يونانية تتحكم أثينا من خلالها في مداخل المضايق التركية نفسها التي تربط بين البحرين الأسود والأبيض المتوسط فلولا ذلك التأجيل لاندلعت الحرب المدمرة في البلقان وليس بين تركيا واليونان فقط ولذلك بذلت واشنطن جهودًا كبيرة لاحتواء ذلك التوتر بهدف عدم إحداث شرخ في جدار الأطلنطي وخروج تركيا نهائيًا من الفخ الأوروبي وعودتها إلى عالمها الإسلامي من جديد للانخراط في كيانه الاستراتيجي وتقوية بنيانه السياسي والاقتصادي والعسكري استعدادًا للمواجهة الحضارية المقبلة.

وفي خلال الشهر نفسه أجريت مناورات عسكرية واسعة النطاق ومتزامنة استمرت حتى يوم ۲۳ نوفمبر تشرين ثان، إذ كانت المناورات التركية شمال بحر إيجه بدأت يوم14/11واستمرت حتى يوم 23/11/ ١٩٩٤م، بينما كانت المناورات اليونانية في جنوب بحر إيجه وبدأت من يوم 31/10/١٩٩٤م، وهو الأمر الذي أدى إلى قيام واشنطن بإرسال بارجتين حربيتين لبحر إيجه للوقوف في المياه الدولية للحيلولة دون حدوث صدام قد ينتج عن بعض الاستفزازات، أو الاحتكاكات غير المقصودة التي قد تشعل حربًا ليست مفيدة للمصالح الأمريكية في الوقت الحالي خاصة في ظل تفوق القوى التركية.

وإذا كانت المناورات اليونانية مدرجة في جدول مناورات الحلف الأطلنطي فإن المناورات التركية كانت غير مدرجة وليست في مكانها حيث كانت مقررة في البحر الأسود وليس في شمال بحر إيجه في المناطق المحيطة بجزر ميديلي وساكيز وياسران، ولذلك حاولت واشنطن إثناء تركيا عن عزمها لإلغاء أو تأجيل المناورات، وهو ما رفضته أنقرة رغم إعلان ساستها أنهم لم يتلقوا طلبًا أمريكيًا بالتأجيل وذلك لنفي الأنباء التي نشرتها الصحف التركية حول ذلك، إلا أن المعلومات تؤكد أن قادة الجيش التركي رفضوا الطلب الأمريكي الذي نفاه الساسة من قبيل التجميل السياسي لواشنطن.

ووفقًا للمعلومات التي كانت أجهزة الاستخبارات التركية قد جمعتها فإن اليونان كانت ستمد حدود مياهها الإقليمية في بحر إيجه إلى ۱۲ ميلًا أثناء إجراء المناورات لتسيطر اليونان على نسبة 71,٥٣% مقابل ۸,۷۱% لتركيا، والباقي يظل مياها دولية، بدلًا من النسب الحالية وفقًا لحدود المياه الإقليمية «6 أميال» حيث تبلغ نسبة المياه الإقليمية اليونانية في بحر إيجه ٤٣,٦٨% مقابل ٧,٤٧% لتركيا، و ٤٨,٨٥%مياها دولية، ولذلك قامت اليونان بتحديث قواعدهاوتكديس جزر بحر إيجه بالأسلحة والجنود، خاصة في جزر سيماريك وليمنوس وأمروز وأستانكوي وسيسام وميديللي وساكيز ورودس إلخ، وهو ما أشارت إليه المجتمع في تقرير سابق لمراسلها في إسطنبول.

ولمواجهة احتمالات فرض الأمر الواقع أصبح سمة سياسة العصر قررت القوات التركية القيام بمناورات واسعة النطاق في بحر إيجه أثناء المناورات اليونانية المعروفة باسم نيرس ١٩٩٤م والتي أجريت في الفترة من ۱۰ - ۲۱ نوفمبر الحالي استكمالًا لمناورات 31/10 -5/11 ١٩٩٤م.

ولم يتم دعوة سفن حربية أجنبية للمشاركة كمراقب في المناورات التركية المعروفة باسم د نیز کورد و١٩٩٤م، وإن كانت السفن الحربية البريطانية الفرنسية والإيطالية والأسبانية والأمريكية قد اشتركت كمراقبة في المناورات اليونانية التي أجريت في جزر كريت ورويس وسيمي.

التحرك الأمريكي

وبالطبع تحركت الولايات المتحدة لمنع اندلاع النزاع المتوقع اليوم أو غدًا إذا لم يتم التوصل إلى اتفاقية بين تركيا واليونان لحل مشكلة بحر إيجه بالطرق السلمية، وكانت خطتها الأولى تقضي بتأجيل المناورات التركية فإذا قامت اليونان بعد حدود مياهها الإقليمية أثناء عمل مناوراتها العسكرية فسيكون من الصعب على تركيا منع ذلك، وبالتالي الخضوع للأمر الواقع خاصة وأن اليونان كانت قد وعدت الولايات المتحدة وروسيا بإبقاء ممر داخل بحر إيجه للمرور الحر والآمن لكافة السفن المتجهة للبحر الأسود عبر المضايق التركية أو القادمة إلى البحر المتوسط، وإعطاء للناتو حق حماية الممر إلا أن الرفض الروسي لذلك كان وراء الرفض الأمريكي، كما أرسلت واشنطن فرقاطتين إلى المنطقة لمنع حدوث احتكاكات أثناء المناورات خاصة بعد رفض أنقرة تأجيل مناوراتها، وذلك وسط ادعاءات بأن السفن الأمريكية جاءت إلى بحر إيجه بناء على طلب من أنقرة- وفي رواية أخرى بناء على طلب من أثينا- إلا أن مسئولًا في البنتاجون الأمريكي قال: إن إرسال السفينتين استهدف القيام بدور رمزي لمنع حدوث احتكاكًا بين الأسطولين التركي واليوناني.

ونفى فرحات المان- المتحدث الرسمي باسم الخارجية التركية- أن تكون تركيًا قد طلبت من واشنطن إقامة منطقة عازلة في بحر إيجه بالسفينتين، بل إن ممتاز سويسال- وزیر الخارجية التركي- أبدى عدم أرتياحه لذلك، وأضاف أطمان بأن إرسال السفينتين يأتي في إطار حماية المصالح الأمريكية في المياه الدولية في بحر إيجه مثل أية مياه دولية أخرى.

وقال أفانجليوس فاينزليوس- المتحدث الرسمي باسم الحكومة اليونانية- إن أحدًا لم يعط للولايات المتحدة حق القيام بوظيفة المنطقة العازلة، وأن إرسال السفينتين أدى إلى الشعور بعدم الارتياح إلا أنهما لم يخلا بالتوازن في المناورات.

وطالب كلينتون في رسالتين لأنقرة وأثينا ضبط النفس وحل المشكلة عبر الحوار الثنائي دون اللجوء إلى القوة لحل النزاع.

وعمومًا فإن تراجع اليونان عن تنفيذ خطة مد حدود مياهها الإقليمية يرجع إلى تأكد أثينا من خلال تقارير استخباراتها بأن القوات التركية تجري مناورات شكلية، وليست حقيقية لأن الهدف الحقيقي من المناورات منع السفن اليونانية من مد الحدود الإقليمية في بحر إيجه بالقوة المسلحة.

ولذلك تم الاتفاق بعد يومين من المناورات التركية على تطبيق اتفاق كان قد تم توقيعه بين الجانبين في عام ۱۹۸۸م، يقضي بتبادل المعلومات والوثائق الخاصة بالمناورات العسكرية المتزامنة، وينظم تحركات قوات الجانبين لاحتواء أي توتر قد يحدث بسبب الاحتكاكات غير المقصودة وهو ما يعتبر تراجعًا يونانيًا.

وفي نفس الوقت تقرر إجراء مفاوضات ثنائية لحل المشكلة، وأعلن ليانوس کرایندیتوس- مساعد وزير الخارجية اليوناني- عدم تنازل بلاده عن حقها في مد حدود مياهها الإقليمية، وأنها ستقوم باتخاذ تلك الخطوة في الوقت الذي تراه مناسبًا، وإن كانت لا تنتوي القيام بذلك في الوقت الحالي، كما أنه لن يتم تشكيل مفاجئ للدولالمجاورة، مع ضمان تقديم ممر لجميع الدول الأخرى في البحر الأسود وليس تركيا فقط لضمان المرور الحر الأمن.

وإذا كان التراجع اليوناني عن تنفيذ الاتفاقية الدولية للبحار والتي دخلت حيز التنفيذ في ١٦ نوفمبر تشرين ثان الماضي جاء بسبب المخارف من القوة التركية أولًا، والضغوط الأمريكية ثانيًا، فإن هذا الموقف أدى إلى إحراج حكومة باباندريو حيث تحرك حزب الديمقراطية الجديد المعارض في مواجهة الحكومة لإحراجها، وتقدم باقتراح لإصدار قانون يتضمن الصيغة التنفيذية لتطبيق المعاهدة الدولية للبحار والتي تقضي بعد الحدود الإقليمية ۱۲ ميلًا، واتهم الحزب باباندريو بأنه يعرقل التصديق على المعاهدة الدولية للبحار.

بينما تقدم عدد من الجنرالات اليونانيين وعلى رأسهم نيكوس كوريس- مساعد وزير الدفاع اليوناني- بمذكره لأندرياس باباندريو- رئيس الوزراء اليوناني- يطلبون فيها بعد حدود المياه الإقليمية ۱۲ ميلًا، ووفقًا لما ذكرته صحيفة ملليت التركية في عددها الصادر يوم 20/11/1994م ص ۲۳ بأن العسكر قالوا في رسالتهم سيادة رئيس الوزراء إنكم ستدخلون إلى التاريخ القومي اليوناني باتخاذكم قرار من المياه الإقليمية لمسافة ١٢ ميلًا، فالأتراك لن يأخذوا جزرنا وبالتالي لا يمكن إنكار أن العامل الداخلي في اليونان سيظل أحد عوامل التوتر في العلاقات التركية- اليونانية طالما لم يتم توقيع اتفاقية ثنائية بين الجانبين لحل مشكلة بحر إيجه خاصة وأن تركيا لم توقع على الاتفاقية الدولية للبحار.

بل قد يدفع هذا العامل الجانبين إلى حافة الهاوية خاصة وأنه لا يمكن تجاهل العامل الداخلي في تركيا أيضًا حيث لا يمكن تقديم أي تنازل في هذا الإطار، بل إن الأحزاب التركية مثلها مثل اليونانية توظف ملف إيجه لإثارة المشاعر القومية، وبالتالي ضمان الحصول على نسبة من الأصوات تمكنها من الفوز في الانتخابات.

فإذا كان قد تم احتواء الموقف المتفجر بين تركيا واليونان بفضل المخاوف اليونانية والتدخل الأمريكي فإنه لا يمكن ضمان حدوث ذلك إذا تفاعل العامل الداخلي مع ملف إيجه بشكل زائد عن الحد وهو المتوقع في ظل تنامي الروح القومية في كل من تركيا واليونان، علاوة على تصاعد الحمية الإسلامية في تركيا، وهو الأمر الذي يقضي بإيجاد حل مناسب لمشكلة بحر إيجه التي ستظل نارًا تحت الرماد لن تحرق تركيا واليونان فقط، بل ستمتد إلى البلقان ذلك البرميل الممتلئ ببارود المشكلات والتي أدت إلى الحرب العالمية مرتين مع احتمالات حدوث الثالثة من هناك أيضًا.

وعمومًا فإذا كانت العاصفة الحالية في بحر إيجه قد خفت مع انسحاب وحدات الأسطول اليوناني يوم 20/11/1994فإن الانتقام اليوناني من تركيا التي نجحت في إحراج اليونان وإجبارها على عدم تنفيذ قرار مد حدود مياهها الإقليمية سيكون في بروكسل حيث ستستخدم حق الفيتو على معاهدة الإتحاد الجمركي بين الإتحاد الأوروبي وتركيا، والتي تعتبر أولى الخطوات العملية لاحتمالات ضم تركيا للاتحاد  الأوروبي.

وفي تصريح بـ بي كرانديتسي- الوزير اليوناني المسئول عن شئون الإتحاد الأوروبي- نشره الكاتب الصحفي محمد على بيراند في مقاله اليومي بصحيفة «صباح»، ٢١/ ١١ / ١٩٩٤م قال إنهم لن يوقعوا الاتفاقية في 19 ديسمبر كانون أول المقبل وسيستخدمون حق الفيتو.

وبالطبع فإن الفيتو اليوناني يستهدف قطع الطريق على تركيا من الاستفادة من المكاسب الاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تحرزها أنقرة عن طريق الإتحاد الجمركي، إلا أن ذلك قد ينعكس إيجابيًا على تركيا حيث ستعي دورها المستقبلي في الشرق الأوسط بشكل أوضح، وستعمل في إطاره لتكون القوى الإقليمية الهامة والمهمة وتبرز بشكل أقوى من تواجدها في الإتحاد الأوروبي.

ويمكن أن يكون هدف اليونان من خلال لعبة الإتحاد الجمركي الضغط على تركيا للموافقة على مد المياه الإقليمية لمسافة ١٢ ميلًا أو ١٠ أمیال كحل يرضي تركيا ويحفظ ماء وجهها أمام شعبها إلا أن أنقرة تدرك ذلك جيدًا وتصر على أن تكون المياه الإقليمية في إيجه لمسافة ٦ أميال، وهو ما أشار إليه حسين تشلم- السفير التركي في أثينا- عندما قال: لن تسمح تركيا بعد المياه الإقليمية في بحر إيجه لا لمسافة ١٢ ميلًا ولا عشرة أميال، وذلك في التصريح الصحفي الذي أدلى به لصحيفة «أفجي» اليونانية.

فالصراع التركي- اليوناني الذي تقرر تأجيله في بحر إيجه سينعكس بالتأكيد على اجتماعات بروكسل الشهر المقبل ديسمبر، ومع أثينا هذه المرة سلاح الفيتو التي يمكنها من خلاله إنزال هزيمة سياسية للأحلام التركية الحكومية بالالتحاق بالنادي الأوروبي، إلا أن ذلك سيكون نصرًا للشعب التركي في الوقت نفسه لأنه يرفض أن يكون أوروبيًا.

الرابط المختصر :