العنوان تأجيل إعلان الدولة الفلسطينية خطوة على طريق الاستسلام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
مشاهدات 66
نشر في العدد 1418
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
تبنى المجلس المركزي الفلسطيني الأسبوع الماضي قراراً بإرجاء إعلان الدولة الفلسطينية التي كان محددًا لها يوم الثالث عشر من سبتمبر الجاري، إلى موعد آخر غير محدد، وكان إعلان الدولة قد تحدد له قبل ذلك يوم الرابع من مايو من العام الماضي، لكنه أرجئ في حينه، وجاء قرار الإرجاء في الحالين بعد تصريحات نارية من رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات حاول فيها دغدغة عواطف الشعب الفلسطيني الذي سلبت حقوقه كافة، وعاني الاحتلال والتشرد واغتصاب الوطن والأرض وأصبحت أكبر أمنياته أن يعيش في دولته الحرة المستقلة.
كان عرفات يكرر دائمًا أنه سيعلن الدولة المستقلة وعاصمتها القدس شاء من شاء وأبى من أبى، لكنه في الحالين أيضاً تراجع أمام الضغوط الأمريكية والصهيونية وقبل التأجيل.
لم يكن قرار تأجيل إعلان الدولة الفلسطينية أمرًا صعبًا على عرفات، وأعضاء المجلس المركزي الذين أقروا معهد بنهج التسوية، فهم يعرفون جميعًا متى تقوم الدولة ولأي غرض.
إن الدولة المعنية ليست كغيرها من الدول المستقلة التي يعرفها العالم والتي تملك سيادتها وقرارها وجيشها وشرطتها والتي تستطيع أن تبسط سيادتها على الحدود والموانئ والمطارات، وأن تنتج ما تشاء وتتعامل مع من تشاء.
لا.. إن الدولة الفلسطينية التي رسم ملامحها اتفاق أوسلو غير ذلك تمامًا.. دولة كارتونية مقيدة السيادة مسلوبة الإرادة، منزوعة السلاح غير مصرح لها بامتلاك الأسلحة الرئيسة كالدبابات والطائرات والمدفعية والصواريخ، ولا الأجهزة القتالية الإلكترونية. دولة لا تنتج السلاح ولا تستخدمه. حدودها مفتوحة يجتاحها الصهاينة متى يشاؤون إذ ليس لحدودها البرية ولا الجوية ولا البحرية أي حرمة ولا يحق لها أن توقع أي اتفاق أو معاهدة عسكرية مع أي دولة عربية أخرى إلا بإذن الكيان الصهيوني.
فلماذا إذن تقوم الدولة؟
إن الهدف من قيام الدولة الفلسطينية المرسومة هو التوقيع على اتفاقات الذل والاستسلام والاعتراف باغتصاب الكيان الصهيوني لأرض فلسطين، وبذلك يكتسب الصهاينة اعترافًا قانونيًا صريحًا من ممثلي الدولة المعلنة بالتنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه ودياره ولا يخفى أن توقيع ممثلي الدولة الجديدة يفوق في حجيته القانونية توقيع رئيس السلطة الفلسطينية أو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي يمكن الطعن بعدم أهليته للتوقيع.
هذا هو الهدف الأساسي الذي من أجله وافق الصهاينة على إعلان الدولة الفلسطينية، وحيث إنه لم يتم بعد التوصل إلى اتفاق حول مشروع التسوية، فلا مجال إذن للحديث عن الدولة المستقلة، ومن هنا جاءت الضغوط الأمريكية والصهيونية لوقف إعلان الدولة مادام الهدف منها لم يتحقق بعد.
هذه المسالة يفهمها رئيس السلطة الفلسطينية جيداً ويفهمها كل من سار معه على طريق التسوية المهين، ولذلك لم يكن غريبًا أن تأتي موافقة المجلس المركزي الفلسطيني على تأجيل إعلان الدولة بأغلبية ٥٨ صوتًا ومعارضة ١٥ فقط، وامتناع ثلاثة آخرين عن التصويت.
ليس من عربي ولا مسلم إلا ويتمنى أن يجيء اليوم الذي ينال فيه الشعب الفلسطيني الصامد المبتلى استقلاله الحقيقي وينعم بدولته الحرة المستقلة لكنها دولة تختلف عن ذلك الكيان الهلامي الذي يبنيه عرفات بأيد صهيونية ومواد بناء أمريكية مغشوشة.
لقد سار عرفات وزمرته على طريق التسوية وكانت حجته أنه سيتمكن في النهاية من تحقيق آمال الفلسطينيين في قيام الدولة المستقلة، وها هو الواقع يؤكد ان عرفات لم يقبض إلا على هواء، وأن ما ينظر إليه على أنه دولة ليس سوى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. ولعل في تأجيل إعلان الدولة فرصة لعرفات أن يعيد حساباته مرة أخرى، ويكتشف سوء عاقبة توجهه.. وأن يدرك أن طريق التفاوض وهو في موقف الضعيف المستسلم للعدو لن يجني من ورائه شيئًا.
إن من الحقائق المسلم بها أن اليهود لا يرعون عهداً ولا ذمة، ولا يوثق بهم وسينقلبون على عرفات وزمرته متى استنفدوا أغراضهم منه وممن معه، كما أن من الحقائق المسلم بها أنه ليس من طريق لردع اليهود عن طغيانهم وتجبرهم ورد أرض المسلمين المغتصبة وعلى رأسها المسجد الأقصى الأسير ليس من طريق لذلك سوى الجهاد الذي وصفه رسول الله له بأنه ذروة سنام الإسلام.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ﴾ (المجادلة: 20-21).
﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ *إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ (الممتحنة: 8-9).