; تكنولوجياهم وتكنولوجيانا | مجلة المجتمع

العنوان تكنولوجياهم وتكنولوجيانا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1981

مشاهدات 74

نشر في العدد 520

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 17-مارس-1981

المعروف أن العرب في الجاهلية مغرمون بكلمة «قف»، لذلك كانوا يبدؤون أشعارهم بـ«قف» كقول امرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول فحومل

وكقول طرفة بن العبد:

وقوفا بها صحبي على مطيهم *** يقولون لا تهلك أسى وتجلد

وظل عرب الجاهلية واقفين أمام تراثهم وأطلالهم، إلى أن جاء الإسلام فبدأ دعوته بالأمر ﴿اقْرَأْ﴾ (العلق: 1) وهو أول أمر في الإسلام، والقراءة هي مفتاح الإبداع الفكري، ثم أتبعه بتقرير آخر ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم: 1) وهو أول قسم في الإسلام.. والقلم وما يكتبه هو مفتاح الإنتاج الفكري، لقد جاء الإسلام ليحرك عقل الإنسان العربي من ركوده الآسن بمستنقعات الجاهلية، واستطاع الإسلام أن يعطي العالم أرقى تكنولوجيا في ذاك العصر، حتى إن أبرز مبتكرات التكنولوجيا العصرية وهو القلم الذي أقسم الله به، والذي سجل تراث الدنيا وتكنولوجيا العصر، هذا القلم بصورته الحالية كان من تكنولوجيا الأجداد المسلمين، وأخذته منا أمريكا.

فقد وقفنا على نص في كتاب «المجالس والمسامرات» للقاضي النعمان بن محمد بن منصور عن اختراع هذا القلم، وهذا النص هو قصة طريفة وقد جاء فيه: «قال القاضي النعمان بن محمد رضي الله عنه: ذكر الإمام المعز لدين الله القلم، فوصف فضله، ورمز فيه بباطن العلم، ثم قال نريد أن نعمل قلمًا يكتب به بلا استمداد من دواة يكون مداده من داخله، فمتى شاء الإنسان كتب به، فأمده، وكتب بذلك ما شاء ومتى شاء تركه، فارتفع المداد وكان القلم ناشفًا منه، يجعله الكاتب في كمه أو حيث شاء، فلا يؤثر فيه، ولا يرشح شيء من المداد عنه، ولا يكون ذلك إلا عندما يبتغي منه ويراد الكتابة به، فيكون آلة عجيبة لم نعلم أنا سبقنا إليها، ودليلًا على حكمة بالغة لمن تأملها وعرف وجه المعنى فيها.

«فقلت: ويكون هذا يا مولانا عليك سلام الله؟».

«قلت: يكون إن شاء الله، فما مر بعد ذلك إلا أيام قلائل حتى جاء الصانع الذي وصفت له الصنعة به معمولًا من ذهب، فأودعه المداد، وكتب به، فكتب وزاد شيئًا من المداد عن مقدار الحاجة، فأمر بإصلاح شيء فيه، فأصلحه وجاء به، فإذا هو قلم يقلب في اليد، ويميل إلى كل ناحية، فلا يبدو منه شيء من المداد، فإذا أخذه الكاتب وكتب به، كتب أحسن كتاب ما شاء أن يكتب به، ثم إذا رفعه عن الكتاب أمسك المداد، فرأيت صنعة عجيبة لم أكن أظن أني أرى مثلها، وتبين فيه مثل حسن في أنه لا يسمح بما عنده إلا لمن طلب ذلك منه، ولا يجود لغير مبتغ، ولا يخرج منه ما يضر فيلطخ يد من يمسكه أو ثوبه أو ما لصق به، فهو نفع لا ضرر، وجواد لمن سأل، وممسك عمن لم يسأل».

واليوم عدنا نحن عرب الجاهلية إلى غرامنا بكلمة «قف» فما زلنا نقف أمام آثار الأجداد وتراثهم وتكنولوجياهم.

والفرق بين تكنولوجياهم أنها انطلقت مع كلمة اقرأ، وبين تكنولوجيانا أنها وقفت أمام «قف».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل