العنوان تأملات في سورة «غافر»
الكاتب د. نورالله كورت
تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2013
مشاهدات 71
نشر في العدد 2050
نشر في الصفحة 48
السبت 27-أبريل-2013
تأملات في سورة «غافر»
مؤمن آل فرعون يدافع عن موسى عليه السلام
د. نور الله كورت (*)[1]
لا عذر للناس في تكذيب الرسل والكفر بهم بعد أن يأتوهم بالمعجزات والأدلة الواضحة على صدقهم
حين عزم فرعون على قتل موسى عليه السلام قيض الله له رجلا يدافع عنه.. لتسكين الفتنة وإزالة الشر
مكذبو الرسل منطقهم أعوج وتفكيرهم أخرق
﴿وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ (28) يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ (29) وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ (30) مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ (31) وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ (32) يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ (33) وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ (34) ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ (35)﴾ (غافر: ٢٨-٣٥).
بعد أن حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد -في دفع شر فرعون الذي عزم على قتله- على الاستعاذة بالله أبان الله تعالى أنه قيض له رجلًا من آل فرعون يدافع عنه، لتسكين الفتنة وإزالة الشر، واشتمل دفاعه على أمور ثلاثة كبرى هي:
أولًا: استنكار قتل موسى المؤمن بربه المستضعف مع قومه في مواجهة قوم فرعون.
ثانيًا: التحذير من بأس الله في الدنيا والآخرة في المكذبين للرسل، وهم جماعات الأحزاب كقوم نوح وعاد وثمود.
ثالثًا: تذكيرهم بما فعل آباؤهم الأولون مع يوسف عليه السلام من تكذيب رسالته ورسالة من بعده (۱).
وما زال السياق في الحديث عما دار في قصر فرعون، فقد أبدى فرعون رغبته في إعدام موسى، مدعيًا أنه يريد أن يبدل دين الدولة والشعب، ويظهر الشغب في البلاد ويسبب التعب للدولة والمواطنين معًا.
وها هو ذا رجل مؤمن من رجالات القصر يكتم إيمانه بموسى وبما جاء به من التوحيد؛ خوفًا من فرعون وملئه، قال المفسرون هو ابن عم فرعون، واسمه «شمعان كسلمان» وكان قبطيًا يخفي إيمانه عن فرعون، فلما توعد فرعون موسى بالقتل أنكر عليهم ذلك ويستنبط من الآيات:
- لقد كان دفاع هذا الرجل المؤمن الصالح من آل فرعون في مجلس فرعون وسلطانه غاية في القوة والجرأة والعقل والمنطق.
- لا مسوغ لإنسان مهما كان أن يعتدي على الحرية الدينية ويصادرها فكيف يصح أن يقتل رجل لا جرم له إلا أنه يقول: «ربي الله»؟
- أن يتركوه، فإن كان صادقًا نفعهم صدقه وسلموا من الآفات وألوان العذاب الذي يهدد به.
- وقد استخدم المؤمن هذا الأسلوب: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ ﴾ (غافر: 28) لا لشك منه في صحة رسالة موسى وصدقه، ولكن تلطفًا في الدفاع، وبعدًا عن الأذى وإظهارًا للتجرد والموضوعية.
- أن الله تعالى لا يهدي أبدًا إلى الحق أهل الإسراف في المعاصي والكذب، وأنه تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه الله إلى ذلك لا يكون مسرفًا كذابًا، وهذا يدل على أن موسى عليه السلام ليس من الكاذبين.
- أن من المستغرب حقًا أن يخشى أصحاب السلطان والقهر المعتمدون على الجند والجيش أو العسكر المدجج بأنواع الأسلحة الفتاكة، من الأنبياء والرسل والقادة المصلحين الذين ليس لهم إلا البيان القوي، والحجة الهادفة، والكلمة المؤثرة وما ذاك إلا لأن الحق فوق القوة وأثبت منها وأنفذ. فهذا فرعون الطاغية ملك مصر يحذر رجلًا عاديًا هو موسى عليه السلام لا سند له من قوة مادية أو سلاح أو عسكر.
- كذلك لقد خوف هذا الرجل المؤمن قومه بهلاك معجل في الدنيا، ثم خوفهم أيضًا بهلاك الآخرة بقوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36) فاهتز قلب فرعون.
- زاد هذا المؤمن في الوعظ والتخويف، وأفصح عن إيمانه، إما مستسلمًا موطنًا نفسه على القتل، أو واثقًا بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله الحق: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 45)، وصرح بالخوف من عذاب يوم القيامة، يوم التناد، يوم ينادي الناس بعضهم بعضًا للاستغاثة، وينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار.
- وذكرهم أيضًا بالماضي السحيق حيث جاء أسلافهم نبي الله يوسف بن يعقوب عليهما السلام، وذكرهم قديم عتوهم على الأنبياء فجاءهم يوسف بالشواهد القطعة الدالة على صدقه، فكفروا به وكذبوه في حياته، وكفروا بالأنبياء من بعده فأضلهم الله بعدئذ عن الحق والصواب.
- ثم ختم المؤمن كلامه بالتحذير من بقاء قومه بالشك والإسراف بسبب الجدال في حجج الله الظاهرة بغير حجة وبرهان، إما بناءً على التقليد المجرد، وإما بناءً على شبهات واهية، وهؤلاء المجادلون يغضب الله عليهم ويعذبهم في جهنم، ويبغضهم المؤمنون أشد البغض، وتصبح قلوبهم مغلقة لا ينفذ إليها الخير.
- ما أروع تلك الكلمات التي كان مؤمن آل فرعون يختم بها حججه وبراهينه، فهي كما حكاها تعالى مع إقرارها دستور الحق، وسنة الله وسبيل إقامة العدل، وأساس الحساب في الدار الآخرة، وتلك هي:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28)؛ إشارة إلى علو شأن موسى عليه السلام على طريق الرمز والتعريض، أو إلى أن فرعون مسرف بعزمه على قتل موسى، كذاب في إقدامه على ادعاء الألوهية، والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يدمره ويهدم بنيانه.
ب ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلعِبَادِ﴾ (غافر: ٣١)؛ يعني أن تدمير الأحزاب الذين تحزبوا على الرسل، فكذبوهم وكفروا بهم، كان عدلًا، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء.
ج- ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادِ﴾ (غافر: ٣٣)، تنبيه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم بعد أن أكد التهديد بقوله: ﴿مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ﴾ (غافر: 33).
د- ﴿كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ (غافر: 34)، أي مثل ذلك الضلال في الآباء والأجداد يضل الله من هو مشرك شاك في وحدانية الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ (إبراهيم: ۲۷)، وقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ (البقرة: 26).
ه- ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35)، أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين في آيات الله بالباطل من غير حجة ولا برهان، كذلك يختم الله على جميع قلوب المتكبرين الجبارين، حتى لا تعقل الرشاد ولا تقبل الحق (٢).
الهامشان
- د. وهبة الزحيلي، التفسير المنير، ٢٤/ ۱۱۲.
- المرجع السابق، ٢٤/ ١١٩- ١٢١.
[1] (*) أستاذ بكلية الحضارة الإسلامية- جامعة التكنولوجيا الماليزية
أولادنا.. والأدب الحسن (۳)
حافظ على جوهرتك
إيمان مغازي الشرقاوي (*)
الوالدان هما النبع الذي يستقي منه الطفل الدين والعادات والأخلاق صالحها وسيئها
الإمام الغزالي: الصبي أمانة عند والديه.. وقلبه جوهرة نفيسة قابلة لكل ما ينقش فيها
إن أول خطوة للتغيير الإيجابي في حياة الأمم هو تغيير ما في النفوس من أخلاق دنيئة وأدواء سامة، إنه التغيير الذي يعيد للأمة عزتها ونهضتها ويجعلها شامة بين غيرها من الأمم، إنه تغيير الظاهر والباطن تغييرًا حقيقيًا إيجابيًا صحيحًا، تغييرًا يحفظ معه الدين ويميزه ويؤكد الهوية ويثبتها، وقد قال النبي ﷺ لأصحابه: « إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» «الجامع الصغير، صححه السيوطي» والشامة علامة في البدن يخالف لونها لون سائره.. يقال: كَأَنَّهُمْ شَامَةٌ في الناس: أي هم ظاهرون.
ومن عوامل هذا التغيير التربية على أسس إيمانية سليمة، ومن أسباب ذلك وعي الوالدين وفقه كل منهما دوره في هذا الجانب المهم الذي هو مقياس التقدم الحقيقي للأمم وعلامة من علامات رقيها ونهضنها، فتغيير الحال إلى الأحسن لن يتأتى بغير معرفة الوالدين ما يجب عليهما تجاه الأولاد، ولن يتحقق ذلك دون تطوير طرق التربية وتعزيز جانب الأخلاق الصالحة في نفوس الناشئة، ولن يثمر إلا بتكاتف الجميع من بيت ومدرسة ومسجد وشارع ومجتمع في تحقيق هذا الهدف، حتى تتعانق الأخلاق مع العلم والتربية مع التعليم، والعلم مع العمل، وتتناسق في منظومة متكاملة لا يطغى فرع منها على الآخر أو بمحوه، ويثمر ذلك التكامل المنشود في أفراد المجتمع الذي يمثل كل فرد فيه لبنة من لبناته.
دور الوالدين
ودور الوالدين هو الدور الرئيس في مدرسة التربية، فهما حجر الأساس فيها، وعلى عاتقهما المسؤولية الكبرى لأنهما أول محضن للولد، وأول حضانة وحاضنة وأول مدرسة ومدرس، وفي جامعة الحياة ينشئانه، يقول الأستاذ محمد قطب: «وإذا كان البيت والشارع والمدرسة والمجتمع هي ركائز التربية الأساسية؛ فإن البيت هو المؤثر الأول وهو أقوى هذه الركائز جميعا لأنه يتسلم الطفل من أول مرحلة، ولأن الزمن الذي يقضيه الطفل في البيت أكبر من أي زمن آخر ولأن الوالدين أكثر الناس تأثيرًا في الطفل».
نعم.. فالوالدان هما النبع الذي يستقي منه المعرفة والعادات والأخلاق صالحها وسيئها، بل والدين والعقيدة، وقد بين النبي ﷺ ذلك وقال: «كل إنسان تلده أمه على الفطرة، وأبواه، بعد، يهودانه وينصرانه ويمجسانه، فإن كانا مسلمين فمسلم..» «رواه مسلم».
القرآن.. وحسن التربية
ومن هنا اهتم القرآن الكريم بذلك ولفت أنظارنا إلى حماية أولادنا وأهلينا بحسن الرعاية وصحة التنشئة وسلامة الاعتقاد، قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6)، قال بعض العلماء: لما قال: «قوا أنفسكم» دخل فيه الأولاد لأن الولد بعض منه فيعلمه الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي والآثام إلى غير ذلك من الأحكام، وذكر القشيري أن عمر رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية يا رسول الله، نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا ؟ فقال: «تنهونهم عما نهاكم الله وتأمرونهم بما أمر الله»، وقال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه. «تفسير القرطبي».
فوقاية النفس أولا تعطي القدوة الطيبة من الوالدين للأولاد فيتم الاقتداء الصحيح، وأول ما يقدم الوالدين من النصح للولد هو النصيحة العملية منهما المتمثلة في تمام العبودية لله في كل عمل وقول.. وهذا يؤخذ مما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: «قوا أنفسكم وأهليكم نارًا»، يقول: اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار.. وقول مجاهد: اتقوا الله واوصوا أهليكم بتقوى الله.
تربية متكاملة
ويدخل في طاعة الله التي يُربى ويُؤدب الولد عليها كل عمل طيب فيه خير ونفع له ولغيره، وكل علم نافع يتعلمه، وكل خلق حسن يتخلق به، وكل إصلاح في المجتمع يصلحه، وكل سعي للكسب الحلال يسعاه، وكل قوة مشروعة يطلبها لسلامة جسده وروحه وعقله، مادية أو روحية علمية كانت أو رياضية، وهذا مما يتوجب على الوالدين تنشئة الولد عليه حتى لا يفصل الدين عن حياته العملية أو عن سلوكه وأخلاقه وحتى يعرف أن الدين ليس محصورا في صلوات أو طقوس تؤدى بشكل روتيني بحكم العادة، كما أنه ليس رهبانية وعزلة أو تسيبًا وانفلاتًا أو عبادات عينية لا يقوم بها غيره، بل هو شامل لكل مناحي الحياة، ومن سمات هذا الدين الوسطية السمحة وأخذه بقوة من جميع جوانبه بلا تفريط أو إفراط وكذلك هو عمل وجد وأخوة وعشرة وتحمل وصبر ومجاهدة، ولا تناقض بين الذكر والتقوى وبين هذه الأعمال، فقد كان النبي خير الناس، وقد جمع بين هذا كله في أكمل صورة، فكان قرآنا يمشي على الأرض تراه عابدًا، عاملًا، داعيًا صابرًا، سياسيًا، قائدًا ومجاهداً، يعاشر من حوله ويصبر عليهم، وكان زوجًا وأبًا وإنسانًا، وقد أمره الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162): يعني أن ذلك كله لله خالصًا، وذلك هو ما ينبغي أن نربي عليه أولادنا ليحملوا أمانة الدين معنا ومن بعدنا وينقلوه لأبنائهم ولمن بعدهم، وينشروا نوره في قلوب الناس في أرجاء المعمورة.
الكل راع.. والكل مسؤول: فالمسؤولية كبيرة، والمسؤول محاسب، ومن هنا كان قول النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عَن رَعِيَّتِه الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها» «رواه البخاري». وقال: «إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ أم ضيع حتى يسأل الرجل على أهل بيته» «صححه الألباني، صحيح الترغيب».
قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته.
وقال الخطابي: ورعاية الرجل أهله: سياسته لأمرهم وإيصالهم حقوقهم، ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والأولاد والخدم.
سؤال الوالد
قال ابن عمر رضي الله عنهما لرجل: «أدب ولدك فإنك مسؤول عن ولدك؛ ماذا أدبته؟ وماذا علمته؟ وإنه المسؤول عن برك وطواعيته لك».
وأكد ابن القيم يرحمه الله هذه المسؤولية فقال: قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقا فللابن على أبيه حق فكما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (العنكبوت: ۸)، وقال عز وجل: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، قال علي بن أبي طالب علموهم وأدبوهم، وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء: ٣٦)، فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ (الإسراء: ۳۱)، فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، كما عاتب بعضهم ولده علي العقوق، فقال: «يا أبت إنك عققتني صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدا فأضعتك شيخًا» «تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم» «شبكة مشكاة الإسلامية».
حافظ على جوهرتك
يقول الإمام الغزالي: «إن الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش فيه، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة مربيه والقيم عليه». «فيض القدير، شرح الجامع الصغير للإمام المناوي الجزء الثالث».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل