العنوان تأملات في نصوص شرعية.. الصحوة بين المشاركة والسلبية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998
مشاهدات 57
نشر في العدد 1300
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 19-مايو-1998
إن من الإيمان الفرح بجماهير الصحوة المعاصرة، ومن الإيمان نقد الذات بغية الوصول بالصحوة إلى التمكين، ومن النقد الموجه السلبية: وضعف المشاركة، وتغييب الذات عن الشهود الحضاري ولذلك أسباب منها:
أولًا : الأنظمة في العالم الإسلامي ربت الشعوب على السلبية وعدم المشاركة، وما جماهير الصحوة إلا من هذه الشعوب.
ثانيًا: تعامل الجهات الرسمية القاسي مع جماهير الصحوة خاصة دون الشعوب أدى بالكثير إلى الانهزام النفسي.
ثالثًا: غياب التنشئة على المشاركة في العالم الثالث بدءًا من البيت إلى المدرسة إلى الجامعة إلى الوظيفة.
رابعًا - الحزبية ساهمت في تحديد المشاركة بما يتوافق مع سياسات كل حزب وأهدافه، فصار العضو الحزبي لا ينطلق بدافعية ذاتية، ولكن وفق أوامر ونواهٍ تنظيمية.
خامسًا: الفهم الخاطئ عند بعض قيادات العمل الإسلامي لمعنى الطاعة والولاء، أدى إلى قتل روح المشاركة والمبادرة لدى الأفراد.
سادسًا: ظروف المعيشة القاسية الداعية إلى دوام السعي للرزق أضعفت المشاركة.
سابعًا: الطفرة المادية والترف أوجدا نفوسًا استهلاكية تعشق التسلية وتتأبى على المشاركة الجادة.
ثامنًا: الغموض الذي يلف بعض طرائق العمل الإسلامي يدعو المؤسسات الرسمية والأهلية إلى الحذر من إشراكها.
إن العاملين للإسلام لهم مشاركة ملحوظة في العمل الخيري بكل صوره، وفي الدور الوطني بمختلف أطواره وألوانه وبالعطاء الشرعي، إلا أن هذه المشاركة يلاحظ عليها التالي:
أولًا: رتب على المشاركة الأجر العظيم ليدفع إليها، من ذلك:
- قولهﷺ: «من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن قيراطان» (1).
- قوله ﷺ: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا» (2).
- قوله ﷺ: «من دعا إلى هدى كان له الأجر مثل أجور من تبعه» (3).
قوله ﷺ: «من رمي بسهم في سبيل الله فهو له عدل رقبة محررة» (4).
قوله ﷺ: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة» (5).
قوله ﷺ: «من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت الجنة نزلًا» (6).
ومثل هذه الشواهد النصية كثير جدًا كلها داعية إلى المشاركة.
ثانيًا: رتب على السلبية عقابًا ليحزر منها من ذلك قوله ﷺ: «والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (7)، وقوله ﷺ: «ومن سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» (8).
ثالثًا: مبادرة القدوات إلى المشاركة من شأنه إحياء الروح الإيجابية من ذلك ما أورده ابن حجر في الفتح قال: ذكر أصحاب المغازي قول سلمان للنبي ﷺ : إنا كنا بفارس إذا حوصرنا، خندقنا علينا، فأمر النبي ﷺ بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبًا للمسلمين، وهذا الشاهد. فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه (9).
رابعًا: سرد قصص المشاركة في سير لأنبياء والصالحين ومشاركتهم المتميزة من شأنه أن يحث على المشاركة، من ذلك قصة سيدنا نوح عليه السلام قال سبحانه: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗاثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا﴾ (نوح5-9) وقال سبحانه ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 164).
- ذكر الله قصة العبد في سورة الكهف الذي أتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علمًا، والمطلع على أبعاد القصة يرى المشاركة المتميزة في المجتمع.
خامسًا: إن الناظر في سيرة النبي ﷺ وصحابته يرى التنشئة على المشاركة حاضرة في واقع المجتمع الإسلامي، من ذلك ما رواه سهل بن . سعد رضي الله عنه قال: أتي النبي ﷺ بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: «وهذا الشاهد» يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ قال: ما كنت لأوثر فضلي منك أحدًا يا رسول ﷺ الله، فأعطاه إياه (10).
وهذا شأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ابنه عبد الله -رضي الله عنه- حين امتنع عن المشاركة فبين له حبه لمشاركة ولده. عن ابن عمر –رضي الله عنه- قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا .. ولا .. ولا ... تؤتي أكلها كل حين قال ابن مر فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر عمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله ﷺ: هي النخلة، فلما قمنا. قلت لعمر يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال ما منعك أن تتكلم؟ قال: لم أركم تتكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا، قال عمر إن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا (11).
ومن حرص عمر رضي الله عنه على التنشئة على المشاركة ما يرويه ابن عباس رضي الله عنه قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكان بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا لنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من حيث علمتم. دعاه ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.
فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي أكذلك تقول يا بن عباس، فقلت: لا، قال: فما تقول قلت هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: إذا جاء نصر الله والفتح، وذلك علامة أجلك، «فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا» فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.
سادسًا: دعوة الإمام إلى أن يشرك الرعية في صياغة القرار، كما في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ﴾ (13)، وسيرة رسول الله ﷺ زاخرة بالاستجابة لهذا الأمر الرباني، ففي غير ما موقف يستشير الرسول ﷺ على صحابته ويحترم آراءهم ويقبل ويستمع إلى الصغير والكبير، والرجل والمرأة.
سابعًا: بينت التربية الإسلامية فوائد المشاركة، من ذلك ما رصدته في سورة الكهف في قصة ذي القرنين، ذلك أنه لما بلغ بين السدين وجد قومًا منهزمين خائفين هم القوم الجماهير ويطلبون العون من رجل واحد هو «ذو القرنين» فكيف عالج انهزامهم النفسي عالجه بأن دفعهم إلى المشاركة. فحقق لهم ما يريدون بجهودهم وقدراتهم، ولكن بإدارته ونفسيته الإيجابية، وقبل هذا وذاك بالاستعانة بالله، فقال لهم:
أولًا «أعينوني بقوة» فأنا لا أقدر على الأداء منفردًا وهنا أول المشاركة، وزرع الثقة بنفوسهم ورتب على عونهم نتائج فوق ما يطمحون و«اجعل ... ردمًا» وقد طلبوا «منا».
ثانيًا: «آتوني زبر الحديد» فلم يأت لهم بمواد البناء، بل حملهم المسؤولية، ولم يكن الحمل خفيفًا بل قطع الحديد الثقيلة.
ثالثًا: «انفخوا» ونفخوا حتى صهر الحديد وذاب.
رابعًا: «آتوني أفرغ عليه قطرًا» ثم حملهم مسؤولية الإتيان بالنحاس وهو ثقيل، وهكذا الشعوب المنهزمة نفسيًا لابد من دفعها إلى المشاركة في اتخاذ القرار والأداء، وإن واقع المشاركة في حياة العاملين للإسلام يحتاج إلى مراجعة ومصارحة إذا أردنا أن نقود أو نسود.
ثامنًا: توزيع الأدوار ومراعاة التخصصات والفروق الفردية: لا يصح أن
يشارك الجميع في الجانب الشرعي، ولا الجميع في العلاقات ولا... بل الصحيح أن توزع الأدوار منطلقين في التوزيع من مراعاة التخصصات والفروق الفردية، وهذا ما نبه إليه الرسول ﷺ كما في قوله: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» وبعد فلابد من مراجعة المواقع المشاركة في حياة العاملين به للإسلام إذا أردنا أن نكون في القافلة.
الهوامش
- و(2) متفق عليه.
- رواه مسلم.
- رواه أبو داود والترمذي، وقالا حسن صحيح.
- رواه مسلم.
- رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ غريب.
- رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
- رواه أبو داود والترمذي، وهو حسن.
- فتح الباري، جـ7، ص 499.
- فتح الباري، 2351.
- فتح الباري 4698.
- فتح الباري 4970.
- الجامع الصحيح 4511.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل