; تأملات في هجرة النبي ﷺ(٧) الهجرة من الاستضعاف إلى التمكين | مجلة المجتمع

العنوان تأملات في هجرة النبي ﷺ(٧) الهجرة من الاستضعاف إلى التمكين

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2008

مشاهدات 59

نشر في العدد 1790

نشر في الصفحة 50

السبت 23-فبراير-2008

كانت بعثة النبي ﷺ رحمة للعالمين وكانت هجرته فتحًا مبينًا ونصرًا مؤزرًا على ضلالات الجهل والتخبط في دروبه والتيه في ظلماته، إذ تمكن المؤمنون من خلال وجودهم في دولة الإسلام الناشئة من التفرغ لطلب العلم وتلقيه عن النبي ﷺ مشافهة. فالحال يساعد على ذلك في ظل البعد عن فتنة الإيذاء بمكة وما تبعها من استضعاف، لذا فقد تلقى الصحابة -رضي الله عنهم- من المهاجرين والأنصار كل كلمة من معلمهم العظيم بدقة وعناية، فتعلموا منه القرآن الكريم وهو يتنزل بينهم غضًا طريًا.

لقد كان في هجرة النبي ﷺ ولادة أمة، وظهور وتمكين، وذلة للمشركين وصغار، وها هم أولاء ينفضون عن رؤوسهم التراب بعد أن خرج النبي ﷺ من بينهم وهو يذره على رؤوسهم فلم يبق من المتآمرين رجل إلا وعلى رأسه شيء منه.

إن ولادة أي مخلوق في هذا الكون ووجوده لا بد أن يمر بمراحل عدة يخطوها مرحلة إثر أخرى حتى يقوى ويستوي قائمًا ويصبح له كيان خاص به ووجود على وجه الأرض، وتلك البداية لابد منها في حياة الأمم...

هكذا نشأت الأمة المحمدية.. أمة الإسلام العظيمة، نشأت وولدت يوم أن بذر بذرتها رسول الله ﷺ ، وصنع أفرادها من الرعيل الأول على يديه على منهج فيه ما يقوي الجسد ويزكي الروح، ويصل ذلك الإنسان الفقير الضعيف بواهب القوة والغنى القوي الوهاب..

ولقد مرت الدعوة الإسلامية بمراحل عدة تطلبت عظيم صبر وكثير جهد.

مرحلة الدعوة السرية

واستمرت ثلاث سنوات، وكانت حصيلتها ما يقارب أربعين رجلًا وامرأة دخلوا في الإسلام، عامتهم من الفقراء والأرقاء ومن لا شأن لهم في قريش. وفي بداية هذه المرحلة كان المؤمنون يلتقون برسول الله ﷺ سرًا وإذا أراد أحدهم ممارسة عبادة من العبادات ذهب إلى شعاب مكة يستخفي عن أنظار قريش. 

وليس أصعب من أن يكتم الإنسان مشاعره ويخفي عقيدته ويخبئها في صدره خشية أن تسرق منه لذا فقد كانت مرحلة حرجة على أصحابها من المسلمين الأوائل الذين استحقوا أن يكونوا من السابقين وممن بذروا بذرة الأمة والدعوة إليها مع رسول الله ﷺ وكفاهم ذلك شرفًا وفخرًا، ولذلك لما بدت التباشير وبدأت البذرة في الإنبات أمر الله تعالى رسوله أن يجهر بالدعوة قال تعالي: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (الحجر: 94)، فانتقلت الدعوة بذلك إلى المرحلة الثانية.

مرحلة إعلان الدعوة بمكة

وكانت من بداية السنة الرابعة من النبوة إلى أواخر السنة العاشرة وفيها جهر النبي-صلى الله عليه وسلم- بالدعوة إلى الله عز وجل، ولاقى عنتًا كثيرًا من قومه الذين كانوا أبعد الناس عن قبولها. وقد كان الأولى بأهل مكة عامة وبقريش خاصة أن يسارعوا لاحتضان دعوة النبي الصادق الأمين الذي ما جربوا عليه كذبًا قط، ولو عقلوا لعلموا أن من يصدق مع البشر لا يجرؤ على الكذب على الله، ولو أنصفوا أنفسهم لاستجابوا له وإلا وقفوا منه محايدين كما قال عتبة بن ربيعة لهم ناصحًا: «يا معشر قريش اطيعوني وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم».

لكنهم لم يسمعوا حتى لعتبة وقد كان مشركًا مثلهم وكبيرًا فيهم، ويبدو أنهم استساغوا العناد واستمرأوا التكذيب، وأحبوا الظهور بصورة المنتصر القوي، ولو كان في الحقيقة مغلوبًا، لكنه الكبر والجحود! فكان أن اتخذت قريش أساليب شتى لقمع الدعوة وإرهاب المؤمنين، وتخويف غيرهم من الدخول تحت لوائها، فكانت السخرية والتحقير والاستهزاء تخذيلًا للمسلمين، وتوهينًا لقواهم المعنوية. فرموا النبي ﷺ بتهم لا تصدق عليه، وشتائم هزيلة يتعلق بها المهزوم، فكانوا ينادونه بالجنون: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (الحجر)، ويصفونه بالسحر والكذب {وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (ص).

كما حاولوا تشويه تعاليمه وإثارة الشبهات حوله وبث الدعايات الكاذبة للتضليل وإثارة البلبلة، فقالوا عن القرآن {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الفرقان)، ويبدو أن تلك الاتهامات وسيلة شيطانية في كل زمان للفت الأنظار وتشويه الحق، بإحداث اللغط من حوله، وبث الشكوك في النفوس الضعيفة. 

كان رد الفعل من المشركين أمام دخول الدعوة مرحلة العلن ردًا قاسيًا عنيفًا، إذ جن جنون كبرائهم، حتى بلغ بعمه أبي لهب أن يقول لبني هاشم محرضًا إياهم على النبي ﷺ: «خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم».. ولم يشبع غرور هؤلاء إلا محاربة تلك الدعوة واستضعاف أهلها وإن كانوا قلة وتعذيبهم ولو أدى إلى قتلهم، وجعلهم عبرة للصد عن سبيلها، ومن هنا كان الأذى والإهانة والتجويع والحصار والمقاطعة التامة التي استمرت ثلاث سنوات.

مرحلة الدعوة خارج مكة

وكانت من أواخر السنة العاشرة من النبوة إلى هجرته ﷺ إلى المدينة. ولم تكن تلك المرحلة بأقل مما سبقها، إذ نال ﷺ فيها من الأذى أيضًا ما نال، ولكن من خارج مكة فقد خرج في شوال سنة عشر من النبوة إلى الطائف مشيًا على قدميه ذهابًا وإيابًا، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان عليه الصلاة والسلام كلما مر على قبيلة في الطريق دعاها إلى الإسلام فلم تجب إليه واحدة منها. وأقام بين أهل الطائف عشرة أيام لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، لكنهم ردوه ردًا منكرًا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يرمونه بالحجارة حتى تخضبت قدماه الشريفتان بالدماء، فرجع إلى مكة مرة ثانية ودخلها في جوار المطعم بن عدي الذي كان مشركًا.

وظل رسول الله ﷺ في مكة يدعو القبائل والأفراد خاصة في مواسم الحج حتى من الله تعالى على الأنصار بالإيمان به فكانت البشارة بالعزة والمنعة والنصر والتمكين، وأمر الله تعالى نبيه ﷺ بالهجرة إليهم في يثرب، فهاجر بعد أن هاجر أصحابه، وبذلك انتقل المسلمون إلى مرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية لكنها أحدثت في النهاية تحولًا كبيرًا لهم فانتقلوا من حال الضعف إلى القوة بعد أن صار لهم وطن يسكنونه، ودولة يقيمون بها، وأمة ينتمون لها جميعًا بلا فوارق أو طبقات، وقد استغرق ذلك زمنًا وجهدًا وتضحية وإيثارًا منهم جميعًا، لكنهم قطفوا ثمرة جهادهم الطويل وما زالوا يقطفونها، ويصلهم أجرها وثوابها كلما صلى لله مصل، أو تعبد لله عابد، فقد كانت آخر المراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية في زمن النبي ﷺ مرحلة دخول الناس في دين الله أفواجًا بعد فتح مكة... 

يقول الشيخ الغزالي معقبًا على تلك المرحلة العظيمة بعد كم بلغ النبي ﷺ هذه المرحلة؟ بعد اثنتين وعشرين سنة من الدعاية الحثيثة والتذكير الدائم، وتحمل الأذى وكفاح العدوان. 

درس بليغ: قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 55).

قد استمرت الدعوة الإسلامية في زمن الخلفاء الراشدين، تبليغًا للإسلام وتطبيقًا لأحكامه في حياة المسلمين، حتى توسعت دائرة انتشار الإسلام توسعًا كبيرًا، وامتدت رقعة الدولة الإسلامية.

ثم تابعت انتشارها وامتداداها جغرافيًا وفكريًا على السواء. فكان المسلمون يفتحون كل يوم أرضًا جديدة فيعقبهم العلماء بالفقه والتشريع والحديث والتفسير يشرحون الإسلام ويعلمون الناس قضاياه، فدخلوا فيه عن رضا وطواعية وحب، ولم تتوقف حركة الدعوة إلى عصرنا هذا.

إن لنا في ذلك المثل والعبرة، فلا يغرنك علو الباطل وإن نفش ريشه في دنيا الزوال فهو مثلها إلى زوال واندثار، قضى بذلك الملك العدل الجبار، فلئن مالت الراية بنا ساعة فقد ارتفعت وخفقت ساعات، وستعود لترفرف وتعلو من جديد بإذن الله.

المراجع

الرحيق المختوم: الشيخ المباركفوري

فقه السيرة النبوية: د. البوطي.

فقه السيرة: الشيخ محمد الغزالي 

 

الرابط المختصر :