العنوان الإسلام والتغيير السياسي في مصر اليوم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
مشاهدات 60
نشر في العدد 1166
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
بقلم: كاري روسفسكي ويكهام (*)
إن التغير السياسي الذي عاشته مصر منذ منتصف السبعينيات، غالبًا ما يوصف بأنه عملية تغيير ليبرالي أي تحول من حكم الحزب الواحد إلى التعددية السياسية، ويرى المراقبون أن هذا التحول يضمن إضفاء الشرعية على أحزاب المعارضة، وانتعاش حرية الصحافة، وتكيف بعض الجماعات والحركات والاتحادات بدرجة محدودة من الاستقلالية عن سلطة الدولة (1)، إن تغيرات هامة كهذه ولدت اهتمامًا جديدًا بمستقبل التحول الديمقراطي للدولة ولمجتمع المصريين، وبالتحديد فإن أعدادًا متزايدة من الأساتذة والباحثين قد رأوا في هذه التغييرات دليلًا على بروز مجتمع مدني مستقل، والذي قد يكون في يوم من الأيام قاعدة لليبرالية الديمقراطية في مصر، تمامًا كما حدث في الغرب (۲).
بدون شك، فإن انفتاحًا سياسيًا حذرًا من أعلى قد أفسح المجال في مصر للتعبير الاجتماعي والسياسي المستقل خلال العقدين الماضيين، ومع ذلك يمكنني القول إن هذا الانفتاح لم يكن بالأحرى ليبراليًا في مقصده أو عواقبه، إن ما نره اليوم في مصر، هو نوع من التعايش الصعب لصيغ شرعية، ومؤسسات، وممارسات متعددة، ومتنافسة، وبالرغم من ذلك، فإن هذا التنوع لا يمكن اعتباره مساويًا أو مرادفًا لتطور مجتمع مدني مستقل، ولا يعني بالضرورة تقدما نحو الديمقراطية، كما سأقترح لاحقًا.
* أستاذة العلوم السياسية في جامعة إموري في أتلانتا جورجيا في الولايات المتحدة الأمريكية، وباحثة متخصصة في شئون الحركات الإسلامية، وقد أقامت بمصر لعدة سنوات أثناء تحضيرها الرسالة الدكتوراه عن أنماط التعبئة الإسلامية في مصر.
** نقله إلى العربية د. رمضان عبد الله مدير مركز دراسات الإسلام والعالم فلوريدا.
أولويات النظام لم تتغير
إن كون التغير السياسي في مصر، لا يتحرك إراديًا في اتجاه ليبرالي، يعكس حقيقة أن الدافع لهذا التغيير هو استنفاذ الدولة لقدراتها على الاستيعاب والتحكم أكثر من كونه تغيرًا في أولويات النظام، إن مصر تبقى واحدة من بلدان العالم النامي المتميزة بثقل دور الدولة ومع ذلك، ففي السنوات الأخيرة تراجعت التنمية التي تقودها الدولة لتشرع الأخيرة في محاولات إصلاح حذرة، وبتوظيف ما يقرب من خمسة ملايين شخص أو حوال نصف القوة العاملة المصرية خارج قطاع الزراعة (۳)، فإن القطاع الحكومي المثقل والمكبل ماليًا، لا يستطيع ضمان وظائف أو خدمات أساسية إلى المجموعات الحضرية الإستراتيجية، فيما الحزب السياسي الحاكم غير قادر على بناء روابط فعالة بين الجماهير والنخبة السياسية، وبالتالي فإن الدولة المصرية تقلصت ليس في الحجم، بل في قدرتها على استيعاب الجماهير التي تتكلم باسمها، وفي ظل برامج الليبرالية واليسارية الفاقدة للمصداقية، وتنظيماتهم التي تعاني من التفكك والفوضى، فإن المجموعات والمؤسسات التي تشكل الحركة الإسلامية المصرية تبقى في النهاية القوة الوحيدة التي تتحرك في الفضاء العام الذي خلفه انسحاب الدولة.
شبكة موازية من المؤسسات
وفي ظل الدولة السلطوية، بدأ الإسلاميون بتطوير شبكة موازية من المؤسسات التي غرست فيها قيم جديدة وصيغت أساليب جديدة للمشاركة، ففي السنوات الأخيرة، شيدت آلاف المساجد المستقلة، والعيادات الإسلامية ودور النشر والمدارس والبنوك والمؤسسات التجارية والمالية، ورغم أنها منفصلة عن بعضها تنظيميا، فإن الروابط المتعددة والمتداخلة بين هذه المؤسسات يوحي بقيام «مجتمع إسلامي مواز» خارج مجال الدولة (٤)، بالإضافة إلى تقديم الخدمات في مجالات فشلت فيها الدولة، فإن هذا المجتمع الموازي يمارس دوره كساحة للدعوة ونشر الأيديولوجية الإسلامية.
يمارس النشطاء الإسلاميون عملهم بالانخراط في مشروع ضخم لتوعية الشباب المصري، من خلال الحوارات الخاصة والخطب والدروس الدينية، وأيضًا من خلال توزيع الكتيبات والمنشورات الإسلامية والكتب، وأشرطة الكاسيت، وغير ذلك، وعلى خلفية السلبية تجاه العمل السياسي وعدم الانخراط فيه، روج الإسلاميون فكرة أن الإصلاح الإسلامي للمجتمع واجب ديني و فرض عين على كل مسلم (٥)، وبدلًا من أن يتركوا مرتعًا للإحباط والسخط يقدم إسلاميو التيار العام للخريجين العاطلين أدوارًا بناءة كمدرسين، وأطباء، ودعاة في بناء أشكال جديدة للمجتمع الإسلامي من القاعدة إلى القمة.
يعتبر النشطاء الإسلاميون من الخطباء والوعاظ والعاملين في العيادات والمدارس الإسلامية مهمتهم بعيدة عن مجال السياسة الرسمية، ومع ذلك، بدلًا من تهوين شأن الدلالة السياسية للأنشطة الإسلامية الشعبية فإننا نحتاج إلى توسيع مفهومنا ل«السياسي»، ليشمل فاعليات ومؤسسات خارج مجال البُني والنخب السياسية الرسمية، كي يستوعب أهدافًا لا تتلاءم بسهولة مع الفئات السائدة في مصر، وكما في نظم سلطوية أخرى، تحدث أهم التغييرات السياسية الهامة أحيانًا كثيرة خارج نطاق السياسة الحزبية، وفي ميادين يحتمل بها النظام الحاكم النشاط السياسي المستقل، أو يكون غير قادر على احتوائه، ومثل هذه الميادين في مصر، تشمل المؤسسات الإسلامية الموازية في المدن الكبرى ومدن المحافظات، وكذلك مؤسسات الطبقة الوسطى الحضرية مثل الاتحادات الطلابية، ونوادي هيئات التدريس الجامعية والنقابات المهنية التي بدأ الإسلاميون باختراقها في السنوات الأخيرة، ضمن هذه المعطيات، فإن جيلًا جديدًا من الإسلاميين يغرس اليوم نماذج جديدة للقيادة والجماعة السياسيتين، والتي تناقض سياسات وممارسات النخبة الحاكمة وكما قال الأمين العام المساعد النقابة المهندسين التي يديرها الإسلاميون: «نحن نقيم جزرًا من الديمقراطية وسط بحر من الديكتاتورية» (٦)، وقد يعترض البعض على استخدام مصطلح «الديمقراطية»، على الأقل في معناها الليبرالي، وحقيقة فإن النموذج الإسلامي المطروح لا يتمثل «أثينا» اليونانية ولكن يتمثل «المدينة» النموذج الأصلي للمجتمع الإسلامي، والذي فيه يتحد الحاكم والمحكوم من خلال الإيمان والالتزام بالشريعة الإسلامية، ومن أكثر الأمثلة الملفتة لهذه التجربة السياسية المبادرات الإسلامية الراهنة في النقابات المهنية.
الإخوان المسلمون في النقابات يقيمون جزرًا من الديمقراطية وسط بحر من الديكتاتورية
الإسلاميون في النقابات
فمنذ منتصف الثمانينيات، فاز التيار الإسلامي الموالي له الإخوان المسلمون بقيادة عدة نقابات مهنية رئيسة في مصر عبر انتخابات حرة وتنافسية، لقد دخلوا الانتخابات النقابية ككتلة منظمة لأول مرة عام ١٩٨٤م، عندما نزلوا بقائمة مستقلة من المرشحين في انتخابات نقابة الأطباء، ومنذ ذلك الحين شاركوا في انتخابات نقابات المهندسين، وأطباء الأسنان، والعلميين والصيادلة، والمحامين، والصحافيين والتجاريين، وفي نقابات عدة تفوق الاتجاه الإسلامي على القوائم المنافسة له، والمعدة على أساس قطاعي أو أيديولوجي، وبفارق متصاعد أكسبهم أغلبية المقاعد في المجالس التنفيذية (7).
إن تصدر مرشحي التيار الإسلامي القيادة عدة نقابات مهنية رئيسة في مصر، أثار قلقًا بأنهم سيهمشون الأقباط، والمرأة والمهنيين العلمانيين الذين يقفون خارج الإجماع الإسلامي (۸)، ومع ذلك، فقد برهنوا على حسن تدبيرهم واستجابتهم لتدهور مستويات المعيشة للأعضاء الأصغر سنًا، وقدرتهم وفعاليتهم في تطوير برامج المساعدة (۹)، ومع أن مجال البرامج والخدمات الجديدة يبقى صغيرًا، إلا أنها ذات قيمة رمزية عالية عند مقارنتها بالإهمال المرتبط بالقيادات النقابية السابقة.
وبسيطرتها على مجالس النقابات، تضفي قيادة التيار الإسلامي طابعًا إسلاميًا، على الأعمال اليومية الروتينية للنقابات فتعقد المحاضرات والندوات والمسرحيات ذات المحتوى الإسلامي، وتأخذ دورا فعالا في موضوعات الاهتمام الإسلامي، مثل التحقيق في تعذيب بعض الإسلاميين في السجون المصرية، ولكن بدلًا من أن يطرحوا أنفسهم كتعبير عن أهداف سياسية ضيقة، فقد قدموا أنفسهم كممثلين لتحالف إصلاحي واسع بخطاب يدافع عن حقوق الإنسان، وحرية الانتخابات، وحتم القانون.
عمومًا، فإن طرح الاتجاه الإسلامي قاصر في البرامج التفصيلية، وغني في الدعوة للعودة إلى الأخلاق ومحاسبة المسئولين في الحياة المصرية العامة، وتدل المقابلات التي أجريت مع الناخبين في مقر نقابة المهندسين في عشية انتخابات فبراير «شباط» ۱۹۹۱م، على أن الاستجابة لمرشحي التيار الإسلامي تنبع في معظمها من الإحساس بتفوقهم الأخلاقي على كل من الحكومات والمعارضة العلمانية- في جو ارتبطت فيه السياسة في أذهان العامة ولفترة طويلة بالمصلحة الذاتية والسعي نحو السلطة، والصراع والانقسام الحزبي، فإن مرشحي التيار الإسلامي قدموا أنفسهم للناشئين من المهنيين بأنهم فوق السياسة، وينفذون أمرًا إلهيًا بإصلاح المجتمع المصري من القاعدة إلى القمة (۱۰)
في ظل عجز الدولة المستمر عن استيعاب الجماهير تظل الحركة الإسلامية القوة الوحيدة المرشحة لجذبها
علاقة النظام مع الإسلاميين
إن من المغري تفسير التجارب الإسلامية في النقابات المهنية، وفي المؤسسات الموازية على المستوى الشعبي، كدليل على ظهور «مجتمع مدني» في مصر، لكن هذا التفسير ينطوي على عدة إشكالات، وكما لاحظ سامي زبيدة، فإن «المجتمع المدني» ليس مجرد ميدان خارج سيطرة الحكومة، بل هو يحظى باستقلال معزز قانونيًا، يتضمن حقوقًا شرعية وحماية مدعومة بـدولة القانون (۱۱) وعلى العكس، فإن الدولة في مصر تحتفظ لنفسها وبطريقة منتقاة قدرتها على تجاوز الحق الدستوري لحماية مصالحها الخاصة في هذا السياق، تبقى الجماعات والمؤسسات غير الحكومية عرضة للتدخلات الاعتباطية لسلطة الدولة.
من جانبهم، فإن تيار الجماعات الإسلامية الرئيسة يتحرك وفق قواعد للنظام الاجتماعي والسياسي الراهن، مع ذلك فإن هدفهم هو تغيير ذلك النظام من القاعدة إلى القمة، ويفهمهم للإسلام على أنه «دين ودولة»، فإن هدفهم ليس خلق حيز مدني منفصل عن الدولة العلمانية ومتعايش معًا، بل توسيع المجال الإسلامي تدريجيًا، حتى يشمل الدولة نفسها.
وفي مفهومها الليبرالي التقليدي، فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني يمكن وصفها بأنها اعتراف متبادل على اقتسام السلطة بين الدولة ومجموعات متعددة من القوى الاجتماعية، يتضمن إجماعًا حول حقوق وواجبات كل طرف، وعلى النقيض من ذلك، فإن العلاقة بين الدولة السلطوية في مصر ومجتمعها الإسلامي الموازي تبقى عرضة للتغير ومحددة بالاستراتيجية وليست موجهة بالقانون، ومتسمة بالصراع والتكيف.
إن الدولة في مصر كما في أي مكان آخر، ليست كيانًا موحدًا، بل إطار يضم عدة فئات أو شرائح، وتعكس تصرفاتها التوجيهات العليا جزئيًا فقط، وتظهر الدراسات الراهنة أن هناك حالات تعاون بين الإسلاميين وموظفي الخدمة المدنية في المكاتب المحلية، كما في مجال تأمين رخص للمساجد الخاصة أو الحصول على تصريحات لجمع التبرعات (۱۳)، على غرار ذلك، وحتى بداية التسعينيات، بدا أن هناك اتفاقًا ضمنيًا بين الحكومة والإسلاميين في عدة نقابات مهنية والتي يسعى فيه الإسلاميون للسيطرة على مجلس الإدارة تاركين منصب النقيب إلى عضو بارز في حزب الحكومة الحزب الوطني الدولة الديمقراطي باختصار، فإن مجال الدولة والمجال الإسلامي غير منفصلين تمامًا، ولكنهما يتسمان بنوع من الاختراق المتبادل إن الأنماط الجديدة للتعاون والروابط المالية والوظيفية المستجدة، واشتراك الحكومة في أسلمة التعليم العام، ووسائل الإعلام والفنون يوحي بصلات شتى بين الإسلاميين المسيسين والنخب المتعاطفة في الدولة والقطاع الخاص.
النظام يحاصر الإسلاميين
وبالرغم من ذلك، فإن الأحداث الأخيرة تظهر في الوقت نفسه، إمكانية ازدياد المواجهة بين النظام والجماعات الإسلامية وعلى مدى السنتين الأخيرتين، فإن هجوم الجماعات الإسلامية المسلحة على قيادات حكومية، ومثقفين يساريين، وأقباط، وسياح وحد المؤسسات العلمانية في حرب غير محصورة الحدود ضد التطرف الديني، وبين الضغوطات من أجل احترام «العقد الاجتماعي» الناصري وعدم استعداده للشروع في انفتاح ديمقراطي حقيقي، يؤكد النظام دوره كضامن لتحقيق الاستقرار، وأنه القوة الوحيدة القادرة على إنقاذ مصر من الوقوع فريسة لدولة إسلامية متعصبة متسلحًا بهذا الهدف الجديد، ولم يكتف النظام بالتأكيد على الحاجة إلى سلطاته القائمة ولكنه بدأ يمس باستقلال المؤسسات القليلة التي سمح فيها بالنشاط السياسي المستقل وحرية التعبير، ومن أوضح الأمثلة على هذا التوجه، هو إقرار البرلمان القانون النقابات الجديد في ١٦ فبراير «شباط» ۱۹۹۳ فالقانون يضع حدًا أدنى لنسبة المشاركة في انتخابات النقابة، وإذا لم تتحقق، تلغى نتيجة الانتخابات وتوضع النقابة تحت رقابة هيئة من القضاة المعينين يزعم المؤيدون لهذا القانون على أن المستويات الأعلى من المشاركة ستمنع الأقلية المنظمة في النقابة من السيطرة على الأغلبية الصامتة، أما المعارضون للقانون ومنهم صحفيون، وقادة معارضة، ومسئولون نقابيون على اختلاف ألوانهم، فقد أدانوا القانون بأنه محاولة واضحة لإزاحة القيادة الإسلامية المنتخبة للنقابات، وإعادة إخضاعها لسيطرة الدولة (۱۳).
الانتكاسة المستمرة للحريات في مصر
يكشف إصدار قانون النقابات الجديد هشاشة وإمكانية انتكاس الإصلاح الليبرالي في مصر، ويؤكد من شأن ما تتعرض له المؤسسات المدنية من تدخل الحكومة في ظل نظام سلطوي، ويقدر ما تغدو النقابات مجالًا يضيق فيه على النشاط الإسلامي، فإن الحركة الإسلامية ستبحث عن قنوات أخرى للعمل أقرب إلى حافة دائرة القانون، ومع نمو الأقلية الإسلامية النشطة حجمًا وظهورًا، فإن ملامح سياستها بما فيه العمل من داخل النظام أو ضده تتوقف إلى حد كبير على ردود فعل النظام نفسه.
في المحصلة أريد التوكيد على أن التحول الليبرالي في مصر، كان محدودًا، وفي مجالات معينة، وهو حاليًا في تراجع، ومع ذلك، فإنه خارج البُنى والنخب الرسمية، بدأت عمليات بناء المؤسسات الإسلامية والتعبئة الشعبية في إعادة تشكيل صورة الحياة المصرية العامة، إن المجتمع الإسلامي والذي نشأ في ثغرات النظام السلطوي لا يطابق بسهولة نموذج «المجتمع المدني»، وكما أشرت هنا، فإن المجتمع المدني ليس مجرد ميدانًا خارج الدولة، بل هو مجال يحظى بحماية وضمانات قانونية غائبة في مصر الآن.
كذلك فإنه بدلًا من أن تجادل حول دور الإسلاميين، في بناء حكم ليبرالي مماثل كالذي نشأ في الغرب، لابد أن نحاول فهم رسالتهم ضمن غاياتها وتطلعاتها، وفي ظل نظام بيروقراطي - عسكري يبدو معزولًا، قدم الاتجاه الإسلامي نفسه كبديل بتقاليد سياسية أكثر إنسانية واستجابة تعود في أصولها إلى الحكم النموذجي للخلفاء الراشدين في الدولة الإسلامية الأولى، وبدلًا من منازعة الدولة سلطتها في القمة يؤسس إسلاميو التيار العام واقعًا سياسيًا بديلًا في التأكيد على حقوق الأفراد ضد الدولة، فهم يعدون بمجتمع سياسي أخلاقي دار الهجرة منفصلًا عن النظام القائم ماديًا ومعنويًا (١٤)، ولا يمكن لهذا المجال البديل أن يستقل تمامًا عن الدولة، وهو بالتأكيد يعتمد عليها في نواح عدة، ولكن فالتأكيد على هذا الفصل الواعي قد أتاح فهمًا أفضل للتغيير السياسي الآخذ طريقه في مصر.
الهوامش
1- لمناقشة مثل هذه الإصلاحات في مصر وأماكن أخرى في العالم العربي «انظر»:
Michael Hudson, "Afater The Gulf War: Prospects For Democratization «In The Arab World» Middle East Journal. Vol. 45, No. 3, 1991.
وانظر أيضًا:
Mona Makam-Ebeid, "From Sin- gle Party Rule To One Party Domina- tion: Some Aspects Of Pluralism Without Democracy" In Civil Society, No. 3, March 1992.
2- هناك كتابات عديدة حول قيام المجتمع المدني في العالم العربي ودوره في التحول الديمقراطي والحياة السياسية في المنطقة، انظر مثلا:
August Richard Norton (ed.) Civil Society In The Middle East, Vol. 1,2, .1994 ,Leiden : E.J Birll
وافتتاحيات ومقالات في الدورية المصرية الشهرية «المجتمع المدني: التحول الديمقراطي في العالم العربي»، وخاصة العدد الافتتاحي المنشور في يناير «كانون الثاني» ۱۹۹۲م في الصفحة الثانية من هذا العدد، لاحظ المحرر سعد الدين إبراهيم «أن أحد أهم آليات التحول الديمقراطي في العالم العربي هو توفير الدعم المؤسسات المجتمع المدني المستقلة».
3- في عام ۱۹۹۱، توظف ٣.١٦ مليون عامل في الحكومة و١.٤٦ مليون في مشروعات عامة بمجموع ٤.٦٢ مليون من أصل ٩.٤٩ مليون عامل خارج قطاع الزراعة، بمعنى أنه في عام ١٩٩١، فإن 48.7% من القوة العاملة المصرية خارج قطاع الزراعة عملت في الدولة، والمصدر CAPMAS مسح عينة القوة العاملة لسنة ١٩٩١م نقلا عن:
Ragui Assaad, "The Employment Crisis In Egypt. Trends and Issues, Table 6, Unpublished Paper.
4- إن الملاحظات التالية الخاصة بتطور مجتمع موازي، إسلامي، من يناير (كانون الثاني) ۱۹۹۰م إلى يونيو «حزيران» ۱۹۹۱م، يتضمن هذا البحث مناقشات وحوارات مع النشطاء الإسلاميين في الجمعيات والجامعات والنقابات المهنية لتحليل أوسع انظر أطروحتي للدكتوراه قيد الإعداد حول.
The Islamic Mobilization Of Egypt's New Middle Class.
5. يؤكد الدعاة الإسلاميون في مواعظهم الشفوية وأدبياتهم المكتوبة للشباب المسلم أن الانخراط النشط في الحياة العامة هو واجب فردي أو فرض عين انظر فتحي يكن كيف ندعو إلى الإسلام، بيروت، مؤسسة الرسالة، ۱۹۸۷م، ومجدي الهلالي واجبات الشاب المسلم، شبرا، دار المنار ۱۹۸۷م.
6. مقابلة شخصية، في مقر نقابة المهندسين القاهرة ١٧ ديسمبر «كانون أول» ۱۹۹۰م.
7- بداية من منتصف الثمانينيات، فاز مرشحو التيار الإسلامي بأغلبية مقاعد الهيئات الإدارية النقابات الأطباء والمهندسين والصيادلة، والعلميين وفي انتخابات سبتمبر «أيلول» ۱۹۹۲م، فازوا بنقابة المحامين أيضًا.
8- هذه المخاوف أثيرت علنًا، من قبل نشطاء النقابات في اجتماعات ومؤتمرات النقابات مؤخرًا، على سبيل المثال جرت مناقشة حامية حول الموضوع بعد تقديم النقابية، أماني قنديل ورقة حول الانتماء والمال النقابية، خلال المؤتمر السنوي الثاني للنقابات المهنية ٢ يناير «كانون الثاني»۱۹۹۱م، في مقر نقابة المهندسين.
9- تشتمل برامج النقابات التي تم إحياؤها أو إيجادها من قبل نشطاء التيار الإسلامي على برامج للصحة والتأمين دورات تدريب متقدمة «دورات علمية» بيع السلع الاستهلاكية المعمرة والأثاث بالتقسيط طويل الأجل: إجراء النقابة أبحاثًا عن ظروف العمل ومدخولات الأعضاء، وعقد ندوات ومؤتمرات في مواضيع تخص المهنة أو البلد، وهذه الأنشطة يتم نشرها في مجلات النقابات «انظر كمثال، مجلة نقابة الأطباء، ومجلة نقابة المهندسين» انظر أيضًا إصدارات نقابية أخرى، مثل نقابة المهندسين ۱۹۸۷۰ - ۱۹۹۱م، إنجازات وإحصائيات ونقابة الأطباء ۱۹٤٠٠، ۱۹۹۰، اليوبيل الذهبي التغطية مستقلة لأداء النقابات انظر الجزء الخاص بجماعات المصالح في التقرير الاستراتيجي العربي السنوي، طارق البشري «محرر»، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، خاصة السنوات ۱۹۸۷ - ۱۹۹۱م.
10- وجهة النظر هذه لمرشحي التيار الإسلامي، عبر عنها عدة ناخبين شبان تمت مقابلتهم في مقر نقابة المهندسين في القاهرة، خلال انتخابات النقابة في فبراير «شباط» ۱۹۹۱م
11 - Sami Zubaida, "Islam the State, and Democrascy: Contrasting Conceptions of Society in Egypt", Middle East Report, No.179 November - December, 1992,p.4.
12- انظر على سبيل المثال آخر ساعة 2 ديسمبر 1992
Sarah Ben-Nefissa Paris "Le Mouvement Associatif Egyptien et L'Islam; Monde Arabe: Maghreb- macherk, No. 135; January March 1992.
13- يحمل قانون النقابات الجديد العنوان قانون الضمان الديمقراطية في اتحادات النقابات المهنية، كل من القانون وردود الفعل حوله قد غطيا بالتفصيل في صحيفة الحياة اللبنانية الصادرة في لندن «انظر أعداد ۱۰، ۱۷ و۲۲ فبراير «شباط» ۱۹۹۳م» ومجلة أكتوبر المصرية الأسبوعية عدد ٨٥٣، وصحف المعارضة المصرية، بالإضافة إلى ذلك، انظر المجتمع العربي «النسخة العربية عدد ۱۰ مارس «آذار» ومجلة الأطباء إبريل «نيسان»، ومجلة المهندسين، مايو «آيار» ۱۹۹۳.
١٤ - وفي هذا الصدد لازلت أفكر في مصطلح أو وصف أنسب للتعبير عن جوهر المجتمع الإسلامي الموازي تعبير دار الهجرة اقترحته زميلتي سمية حمدان، وهي مرشحة للدكتوراة في جامعة برنستون خلال مناقشة بحثي معها أرحب بأية تعليقات حول مدى ملاحة هذا المصطلح دار الهجرة، لهذا الغرض، أو أية اقتراحات أخرى.