; تاريخ التعليم الإسلامي في الصين | مجلة المجتمع

العنوان تاريخ التعليم الإسلامي في الصين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-1977

مشاهدات 82

نشر في العدد 361

نشر في الصفحة 16

السبت 06-أغسطس-1977

 

هذا البحث القيم عن التعليم الإسلامي في الصين كتبه السيد بدر الدين و. ل. جي مستشار سفارة الصين الوطنية لدى المملكة العربية السعودية، وقدمه إلى مؤتمر التعليم الإسلامي الذي عُقد بمكة المكرمة ننشره تباعًا من هذا العدد:

إن الحديث عن التعليم الإسلامي في الصين كانت فيه حكمة عالية ولها تاريخ مجيد ليسرني كثيرًا ويؤلمني أكثر ويحزنني ويبكيني ليلًا ونهارًا هذه الأيام. لماذا؟ لأن التعليم الإسلامي فيها فيما مضى كان على أحسن ما يرام، وأما الآن فأصبح في وضع يرثى عليه يستدعي النجدة ويستغيث: يا من يريد صوت الإسلام يدوي عاليًا في تلك الأرض من أرض الله هبُّوا إلى النجدة وإلى إنقاذ المسلمين من الاختناق والفناء من حيث لا تعلمون ولا تشعرون.

لقد مسهم شيطان شيوعي مارد وأصيبوا بشلل لا يُرجى منه شفاء إلا بتشخيص ناجع من خير عقول الرجال في التضامن الإسلامي وقادة الفكر المخلصين لنشر التعاليم القرآنية والثقافة الإسلامية في أنحاء العالم أيّدهم الله بنصره وحكمته ورضوانه.

سادتي: نظرًا لطول المقال عن التعليم الإسلامي في الصين الذي يتضمن أربعة أقسام:

أولًا- العصور الإمبراطورية الصينية التي تمتد من وصول أول داعية إلى الصين بحرًا في عام 651 ميلادية- 34 هجرية بوصول أول مبعوث عربي برًّا في سنة 715 ميلادية- 96 هجرية إلى انقراض العهد الإمبراطوري في الصين في عام 1911م ...

ثانيًا- منذ تأسيس الجمهورية الصينية عام 1911 إلى استيلاء الشيوعيين عليها في 1949م.

ثالثًا- تعليم المسلمين في الصين الشيوعية اليوم وأخيرًا.

رابعًا- التعليم الإسلامي في جزيرة تايوان من الجمهورية الصينية اليوم.

نظرًا لطول الكلام عن هذه الأقسام كلها أود أن أختصرها وأكتفي بإشارة موجزة إلى القسم الأول والثاني، كما أود أن أختصر في القسم الثالث والرابع إلى حد، حيث تظهر صورة واضحة عن القسم الثالث والرابع أمامكم، والله الموفق ...

1- التعليم الإسلامي في الصين في العصور الإمبراطورية:

بعد وصول أول داعية لدين الإسلام إلى الصين بحرًا في سنة 34 هجرية (651م) كان التعليم الإسلامي فيها منحصرًا في بيوت الدعاة، ثم اتسعت إلى الزوايا التي أسسها بعض علماء الدين الذين قدموا الصين لأجل الدعوة الإسلامية بين أبناء الصينيين، ثم في المساجد التي بنيت لإعلاء كلمة الله ونشر تعليم القرآن بين الوثنيين واللادينيين في المدن التي فيها مستوطنات كوّنها المسلمون من تجار العرب والعجم الذين جاءوا إلى الصين في القرون المتعاقبة.

من المدن التي كانت فيها مستوطنة إسلامية مدينة كانتون (الخانفو في سلسلة التواريخ لسيلمان السيرافي) وهانج تشو وتشوان تشو وشانج تشو بمواني جنوب الصين و"تشانج – أن" عاصمة الصين القديمة بشمال الصين وهي التي وصل إليها برًّا أول داعية موفدًا من قبل قائد الجيش العربي قتيبة بن مسلم الباهلي الذي نزل بكاشغر سنة 96 هجرية (715م) وهو هبيرة بن مشرج الكلابي الذي عرض على إمبراطور الصين دين الإسلام وطلبه أن يقبله أو يدفع الجزية وألا يجبن ويدوس تراب الصين قائد الجيش العربي الذي ما زال في كاشغر منتظرًا الجواب من الإمبراطور.

تفاصيل القصة في تاريخ الطبري أرجو أن يراجعها المهتمون بتاريخ انتشار الإسلام في الصين).

ويوجد في مدينة "تشانج أن" من شمال الصين أحد المسجدين الأقدمين اللذين بنيا في أوائل القرن الثامن الميلادي ولو أن بانييهما غير معلومين حتى اليوم. وأما ثاني أقدم المساجد في الصين فما زال قائمًا في مدينة كانتو اليوم وهو معروف عند المسلمين الصينيين باسم مسجد الذكرى للنبي صلى الله عليه وسلم وعند أهل الصين بجامع المنارة، ولقد كان هذان المسجدان مركزين رئيسيين لنشر التعليم الإسلامي والدروس الدينية في جنوب الصين وشمالها في القرون الوسطى ومنها انتشر الإسلام إلى داخل البلاد وأنحائها.

لقد زار سليمان التاجر السيرافي (الذي ترك لنا كتابًا باللغة العربية) غير مرة في النصف الأول من القرن التاسع الميلادي مدينة كانتو التي سمّاها في كتابه باسم (الخانفو)، وقال مما قال عن هذه المدينة في الوقت الذي زارها إنه وجد بها كثيرًا من المسلمين ولي عليهم القاضي منهم ومأمور من صاحب الصين، فإذا كان بالعيد صلى بالمسلمين وخطب ودعا لسلطان المسلمين (ومن هنا نعرف شيئًا عن المجهودات التي بذلها أسلافنا الأجلاء في نشر التعليم الإسلامي في الصين في تلك الأيام الغابرة).

كما وجدت في مدينة تشوان تشو مستوطنة مسلمة كبيرة وبها مسجد كبير قديم بني على يد تاجر مسلم كريم يُسمّى باسم مجيب مظهر الدين في القرن الثاني عشر الميلادي وألحقه بمدرسة عظيمة؛ فأوقف عليهما العقارات لينفق ريعها على القائمين بشئون المسجد والمدرسة، ولما وصل السياح العربي الشهير ابن بطوطة هذه المدينة في أوائل الرابع عشر الميلادي لقي بها عددًا كبيرًا من المسلمين ومنهم شيخ الإسلام والقاضي وذكر خاصة شرف الدين التبريزي وبرهان الدين الكازروني يشرفون على الدعوة الإسلامية والتعليم الديني في تلك المدينة.

كانت من المدن الكبرى التي انتشر فيها التعليم الإسلامي والعربي مدينة هانج تشو (الخنساء في رحلة ابن بطوطة التي زارها في أواخر عصر المغول 1277-1367م)، وقال عنها: «إن الخنساء مكونة من ست مدن تحيط إحداها الأخرى والملك يقيم بداخل المدينة السادسة، والمسلمون يسكنون في المدينة الثالثة، ومدينتهم جميلة لهم فيها أسواق مرتبة على شاكلة الأسواق التي نراها في جميع البلدان الإسلامية ولهم الإمام والمؤذن. ولقد سمعنا الأذان لصلاة الظهر حين كنت زائرًا لأحد التجار العرب في السوق ... وقد نزلت عند عثمان بن العفان المصري، إنه تاجر ثري وقد بنى جامعًا وزاوية وأوقف عليهما العقارات.

والحقيقة أن عصر المغول ولو أنه لم يستمر إلا أقل من مائة سنة من الحكم في الصين (1277-1367م) يعتبر أقوى عهد بالنسبة للمسلمين في الصين وأرفعهم شأنًا وأكثرهم نفوذًا في أنحاء البلاد؛ لأن في الإمبراطورية التي أسسها قبلاي خان عددًا كبيرًا من الشخصيات البارزة المسلمة التي تولت المناصب العالية من بين الوزراء والولاة والمستشارين السياسيين. لقد قام جلهم بنشر العلوم الإسلامية والتعليم الديني والعربي في المناطق والولايات التي كانوا يتولون زمام أمورها. وكان أشهر هذه الشخصيات هو السيد الأجل شمس الدين عمر وقد كان مسلمًا غيورًا ولد ببخارى ودخل في خدمة الجيش المغولي وامتاز بالخدمة فرُقي إلى منصب الحاكم ثم منصب القاضي ثم حاكمًا عامًا على ينكينج (بكين اليوم).

فلما نودي قبلاي خان إمبراطورًا على الصين واختار ينكينج عاصمة لإمبراطوريته الواسعة عيّن السيد الأجل مستشارًا سياسيًّا في القصر ثم حاكمًا عامًا على ولاية سيتشوان ثم حاكمًا عامًا على ولاية يوننان بجنوب الصين (المتاخمة لبورما اليوم)، وهو الذي أجرى نظام التعليم والتهذيب على سكان ولاية يوننان وأدخل الإصلاحات في الأوضاع الاجتماعية بها؛ فعلم الأهالي الآداب والأخلاق والسلوك الحسنة ووضع الترتيبات للزواج ونظامًا لدفن الموتى، كما بنى المدارس لأبناء المسلمين وشجّع نشر الثقافة الإسلامية وعمل على تهذيب الأخلاق وحسن السلوك في الحياة الإسلامية في ولاية يوننان كلها. وقد توفي إلى رحمة الله عن 69 عامًا من العمر تاركًا وراءه خمسة بنين هم ناصر الدين وحسن وحسين وشمس الدين عمر الثاني ومسعود، وكلهم قد تولوا مناصب عالية في الإمبراطورية المغولية بالصين. كما كان هناك عدد من المسلمين البارزين قد تولوا المناصب الحساسة بين حكام الولايات ووكلائها والمستشارين السياسيين ونواب رئيس الوزراء، وقد ذكر رشيد الدين فضل الله في كتابه (جامع التواريخ) باللغة الفارسية خمسة عشر اسمًا لامعًا في عصر المغول في الصين، وبناء على تحقيق الأستاذ ووتينج شيوه كان هناك 30 مسلمًا تولوا المناصب العالية في الإمبراطورية المغولية. ومن هنا نفهم نفوذ المسلمين في عصر المغول وأثرهم البالغ في نشر التعليم الإسلامي والعلوم الدينية والعربية في أنحاء الصين حينذاك.

في عصر منج (1368-1642م) ولما نجيء إلى عصر منج نرى أن العلوم الإسلامية كانت تنتشر على نطاق واسع في الصين، منها ما يتعلق بالدين ومنها ما يتعلق بعلم الفلك ومنها ما يتعلق بالطب النباتي، وكانت العوامل التي ساعدت على ذلك هي كما يلي:

1- وجود الشخصيات المسلمة البارزة المحبوبة لدى إمبراطور منج تاي تسو من أمثال القائد المسلم تشانج يوتشونج الذي ساعد الإمبراطور المشار إليه على إسقاط الحكم المغولي في الصين وتثبيته على عرش الصين، والحاج جيهان (جينهو كما سمّاه الصينيون) وهو يعتبر أكبر بحارة الصين الذي قام بسبع رحلات بحرية إلى البلدان المنتشرة في جنوبي شرق آسيا وسواحل الهند والخليج العربي والبحر الأحمر. لقد زار هرمز وعمان وظفار ومقدشو وعدن وجدة وفي رحلته السابعة حج إلى بيت الحرام بمكة المكرمة فلذلك لقب بالحاج جيهان، وله شخصية محبوبة محترمة عند البحارة الصينيين وهم يجلونه كأب للبحارة الصينيين ويقيمون له حفل الذكرى السنوية حتى اليوم.

2- وجود علماء الإسلام الأجلاء في بلاط الإمبراطور منج من أمثال الشيخ خضر وعبد الله وجمال الدين من علماء الفلك والرياضيات، وقد قاموا بترجمة الكتب العربية والإسلامية الكثيرة إلى اللغة الصينية.

3- وجود العلاقات الطيبة المتينة بين الأسرة الحاكمة في الصين من جهة وبين تيمور غورغان في سمرقند وشاهرخ في هرات من جهة أخرى، لقد بعث شاهرخ بوفد إلى بلاط إمبراطور منج تاي تسو يحمل رسالة منه يدعوه بها إلى اعتناق الإسلام وكانت الرسالة التي وجه شاهرخ بها إلى الإمبراطور منج تاي تسو مكتوبة باللغتين العربية والفارسية وهي محفوظة في مطلع السعدين لعبد الرازق السمرقندي.

الرابط المختصر :