العنوان تاريخ العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي
الكاتب اليكس فاسيليف
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1269
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
يعود تاريخ العلاقات بين روسيا والإسلام إلى أكثر من ألف سنة، ترددت بين تعزيز الروابط تارة وانقطاع العلاقات تارة أخرى، ابتداء من الصدامات الأولى بين الروس القدامى والبلجار وانتهاء بالتطورات الجارية حاليًا بين روسيا الاتحادية والجمهوريات الإسلامية للاتحاد السوفييتي السابق، والعلاقات بين الشعب الروسي وطوائف المسلمين في أراضي روسيا، إضافة إلى العلاقات مع البلدان العربية، وتركيا، وأفغانستان، وإيران، والدول الإسلامية الأخرى.
وكان العالم الروسي ليوجو ميليوف ينطلق من كون روسيا القديمة وما يسمى بالسهوب الكبرى (وهي سهوب تمتد بين روسيا الوسطية والقوقاز الشمالي وشمال آسيا الوسطى)، منطقة جغرافية عرقية واحدة اعتبارًا من القرن الثاني عشر بعد الميلاد، وأن إنشاء الدولة الروسية وتكوين «الشخصية الروسية»، واكب تطوير العلاقات مع الشعوب الشرقية والجنوبية المجاورة، وكان لروسيا مكان متميز في منتصف المسافة بين الشرق والغرب، وكانت المميزات الحضارية الروسية تيسر توطيد العرى بينها وبين الإسلام، مما سمح بمراعاة كافة الاختلافات العرقية والدينية واللغوية، والتغلب عليها في الحياة اليومية المشتركة.
ومن أدلة ذلك وجود أسماء روسية عديدة ذات أصل تركي، وكون الأعيان في العديد من المحافظات الروسية من أصل تركي، وهناك أدلة لا ريب فيها على كون طائفة القوقاز تنحدر من أحد شعوب الأسرة التركية أيضًا، ومن أدلة ذلك أيضًا وضع منطقة فولفا وأورال حيث كون الروس والتتر والبشكير- في وغيرهم من أبناء أكثر من ۱۲۰ شعبًا وطائفة تقيم في هذه الديار، خلال مئات الأعوام من التخالط والمعاشرة- نمطًا واحدًا متميزًا للعادات والأخلاق والحضارة.
ويجوز القول إن روسيا باتت دولة متعددة الأديان والقوميات في القرن التاسع عشر بعد ضم شبه جزيرة القرم والقوقاز وآسيا الوسطى، وكان تعداد المسلمين في الإمبراطورية الروسية في أواخر القرن الماضي يبلغ ١٨ مليوناً، ويكاد يعادل تعدادهم في الدولة العثمانية، وبلغ عدد المساجد في عام ۱۹۱۷م الذي صادف الثورة الاشتراكية، ١٤ ألفًا و ۳۰۰ مسجد.
ومن جهة أخرى، كانت سياسة الحكومة الملكية الروسية على صعيد القوقاز وآسيا الوسطى سياسية استعمارية مليئة بالتعسف الإداري والاضطهاد من قبل الشرطة (مع العلم أن روسيا بأسرها كانت تعاني من هذه الظواهر السلبية)، لكن ماذا عسى أن تفعل أسيا الوسطى التي أطلق عليها العرب «ما وراء النهر»، في حين قد تحررت فيه من هيمنة دولة جنجار «في القرنين 17 و18» وأفلتت من براثن الصين التي أطاحت بالجنجار ولا زالت تطمح في أراضي ما وراء النهر.
وفي حين كانت تواجه خطرًا دائمًا من جانب أفغانستان وإيران اللتين تدعمهما بريطانيا في سعيها إلى توسيع نفوذها في هذه البقاع، كان مسلمو آسيا الوسطى على علم بمصير إخوتهم في ديار «كشكار» التي كانت تحت سيطرة الصين، وبمأساة الأقليات التركية وأهل السنة في إيران في ظل الشاه، وبالنزاعات الطائفية الدائمة في أفغانستان، وفي وجه المنافسة بين روسيا وبريطانيا والطموحات التوسعية لكل من الصين وإيران.
وفي ظل ضعف بلدان ماوراء النهر اقتصاديًّا -مما كان يحول دون إمكانية الاستقلال الحقيقي- ارتمت آسيا الوسطى في أحضان الدولة الروسية لاعتبارها «شرًّا أقل بالمقارنة مع الاحتمالات الأخرى» ونظرًا إلى المميزات والصفات الحضارية الروسية المذكورة التي حالت دون التنازع بين نمطي الحياة الشرقي والغربي، ومكنت من إدراج الطائفة الإسلامية بصورة كاملة إلى حياة الدولة الروسية، ونظرًا لوجود علاقات قديمة وطيدة بين ما وراء النهر وسيبريا التي باتت في القرن الماضي جزءًا لا يتجزء من روسيا.
ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن الإسلام كان موضع احترام في الإمبراطورية الروسية، حيث كان في أوزبكستان قبل عام ۱۹۱۷م زهاء ٤٠٠ مدرسة إسلامية، أما المكتبات (وهي مدارس ريفية) فكانت موجودة في كل قرية، وكان للأئمة ورجال الدين الإسلامي حرية كاملة في أعمالهم وأنشطتهم، وكان «المجددون» يدعون إلى أن يُمنح للأقاليم الإسلامية حكم ذاتي ضمن الإمبراطورية الروسية، وشاركهم في هذه الدعوة عدد كبير من الأئمة.
وفي العديد من مناطق إقامة المسلمين عكفت الإدارة الروسية على تطوير النقل والصناعة وتحسين الري وتطوير التعليم، وقد ذكر الفيلسوف الروسي إيلينن قائلاً: «روسيا موطن العديد من الشعوب، ولم تمارس ضد أحدها سياسة للإبادة أو الترويس أو التعميد عنوة».
وبعد انتصار ثورة ۱۹۱۷م الاشتراكية وجهت الحكومة الشيوعية الفتية في موسكو ضربة قاسية ضد جميع الأديان، فأعلنت الأقاليم الإسلامية في القرم والقوقاز وآسيا الوسطى استقلالها واحدًا تلو الآخر في احتجاج ضد سياسة الشيوعيين المتطرفة إزاء الدين، وضد عزمهم على الإطاحة بأركان الحضارة الروسية الأصلية، وبما كان يربط بين الروس والمسلمين خلال القرون المنصرمة.
ويجب القول في هذا الصدد إن سماء روسيا لم تكن صافية، وأن البلاد لم تخل من مشاكل تتعلق بوضع المسلمين فيها، وكان للأئمة ودور الإفتاء (مع العلم بأن تعيين المفتي كان من صلاحية وزارة الداخلية الروسية) قدر كبير من النفوذ والاستقلال وكانت الحكومة الروسية تأخذه في الحسبان وكانت الأوقاف والمؤسسات الخيرية مثل المستشفيات، ودور رعاية الشيوخ، وأوقاف المساجد قاعدة ملموسة اعتمد عليها رجال الدين، وانطلاقًا من هذا ومن علو سمعتهم لدى جماهير المسلمين، كانت الحكومة الملكية الروسية حريصة على التعاون معهم في كافة الميادين المهمة وعلى استجذاب تأییدهم.
وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى رسالة لقنصل الدولة العثمانية في تفليس (عاصمة جورجيا) حسن حاسب أفندي اشتكى فيها من أن «عقول المسلمين لم تعد مع الخلافة بسبب السلطات الروسية التي سمحت للنبلاء المسلمين بتعليم أطفالهم في المدارس الروسية، حيث يشبهون الأطفال الروس تمامًا باستثناء الاسم»، ودعا «حزب التجديد» الذي نشأ في الثمانينيات من القرن الماضي في قازان (عاصمة تترستان حاليًا) إلى إعادة بناء التعليم على غرار أوروبي، لكنه خرج من أطر الثقافة وطالب لاحقًا بمساواة كافة الأديان في روسيا.
أما «حزب القوميني» ذو النفوذ الواسع والشعار «الأمة دين وشريعة» و«الأخوة والوحدة في دار الإسلام» فكان من أنصار الوحدة الإسلامية، على عكس المجددين الذين سعى بعضهم إلى تحديث المجتمع الإسلامي بواسطة التعاون مع السلطات الروسية.
(*) كاتب ومستشرق روسي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل