العنوان *«جوستاف لوبون » يفضح.. وَهْم الحضارة «الإسرائيلية - اليهودية»
الكاتب سعد سعيد الديوه جي
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2012
مشاهدات 57
نشر في العدد 2010
نشر في الصفحة 42
السبت 07-يوليو-2012
*«لوبون»: لم يكن لليهود فنون ولا علوم ولا صناعة ولا أي شيء تقوم به حضارة.. ولم يجاوزوا قط مرحلة الأمم شبه المتوحشة التي ليس لها تاريخ
*بعد سبعة قرون من ذهابهم إلى مصر ورجوعهم منها لم يتعلم بنو إسرائيل حتى مهنة قطع الأخشاب وقد استعان سليمان عليه السلام بأهل صيدا لبناء الهيكل
*لا يوجد أثر واحد لحضارة بني إسرائيل المزعومة مما يدل على حضارة أو مدنية ذات جذور متميزة.. لم يتركوا موقعاً واحداً في حضارة وهمية عمرها أربعون قرناً وهي مدة كافية لترك ألوف الشواخص الحضارية إن كانت قد قامت فعلاً
*يدعي «رينان » الكاثوليكي المتعصب أن داود عليه السلام هو مؤسس القدس.. بينما تشير نصوص كثيرة في العهد القديم إلى استيلاء داود على المدينة من سكانها «اليبوسيين»
*كان «يهوه » إلهاً «قومياً » خالصاً لبني إسرائيل يفضلهم على غيرهم ويسعى دائماً للانتقام من الشعوب الأخرى!
يعيش بعض الشعوب والأمم على أوهام تاريخية مزعومة؛ مما يولِّد لديهم عُقَداً مزمنة في تكوينهم الشخصي والنفسي، يعبرون عنها بترويج الأساطير والخرافات التي تنطلي على العامة، ثم تصبح جزءاً من ثقافة مصطنعة يستغلها السياسيون لترويج برامج مفتعلة لا تجرُّ على شعوبهم إلا المزيد من النكبات.
سنحاول عرض أسطورة أو وَهْم الحضارة «الإسرائيلية - اليهودية »، التي ادعى رئيس الوزراء الصهيوني «بنيامين نتنياهو » في خطاب له أمام الجمعية العامة أن عمرها 4000 سنة، ليضعها في مصاف الحضارات الفرعونية والآشورية والبابلية وغيرها.. من هذه العقد ما أشاعوه عن بنائهم للأهرام في مصر، بينما أي طالب يدرس الحضارات القديمة يعلم أن تاريخ بعض الأهرامات سابق لدخول بني إسرائيل لمصر بعدة قرون!
الآثار العمرانية لهذه الحضارات لا تزال شاخصة إلى اليوم، كآثار مصر وبابل وآشور، وما تبع ذلك مما خلفه الرومان والإغريق عند حكمهم لهذه البلاد، بينما لا يوجد أثر واحد على أرضهم المزعومة بين النيل والفرات يدل على حضارة أو مدنية ذات جذور متميزة، ولم يتركوا موقعاً واحداً يُشار له بالبنان في حضارة وهمية عمرها أربعون قرناً، وهي مدة كافية لترك ألوف الشواخص الحضارية إن كانت قد قامت فعلاً، كما قامت الأهرام وزقورة بابل ومكتبة آشور بانيبال.. إلخ.
بدوٌ رحَّل
ولو سلمنا بأن «الإسرائيليين » هم أحفاد يعقوب عليه السم، فإن عشرة قرون ا ل ستسقط تلقائياً، لأنهم كانوا بدواً رُحَّلاً لا يقرُّ لهم قرار، وإلى عام 1010 ق.م بقوا ذوي نزعة عشائرية بدوية، حين أسس داود عليه السلم بداية مملكة متواضعة بعد ا استيلائه على أورشليم القدس عاصمة اليبوسيين، ثم جاء بعده سليمان عليه السلام نحو 971 - 931 ق.م لتنقسم هذه المملكة الصغيرة بوفاته إلى قسمين: شمالي إسرائيل التي زالت على يد الآشوريين عام 721 ق.م، وجنوبي يهوذا وقد زالت على يد البابليين عام 586 ق.م، ولم تقم لهم قائمة سياسية مستقلة في المنطقة التي ظلت في حالة نزاع بين القوى العظمى كالفراعنة والآشوريين والبابليين والفرس ومن بعدهم الإغريق والرومان حتى الفتح الإسلامي للقدس عام 638 م في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
في التوراة أو العهد القديم بشكله الحالي تاريخ «الإسرائيليين » منذ بدء ن الخليقة استناداً لأساطير وخرافات لا سند لها، مروراً بتهودهم على يد موسى عليه السلام، وإلى قبل الميلاد بقرنين، ولا توجد في أسفار هذا العهد ما يدل على حضارة متميزة سوى قصة بناء هيكل سليمان على يد أهل صيدا كما سنرى. درس «جوستاف لوبون 1841 » - 1931م، وهو مؤرخ فرنسي وطبيب، الحضارات الشرقية كحضارات بابل وآشور، وحضارة العرب وتاريخ الإسلام، وحضارات الهند، كما كتب رسالة عن اليهود في تاريخ الحضارات نقتبس بعض نصوصها مع التعليق والشرح رجوعاً لأصل النص كما ورد بالعهد القديم.
كان «لوبون» جريئاً وواضحاً، وكانت كتاباته تتسم بالموضوعية والعلمية والعقلانية المستندة للتوثيق التاريخي.
لقد خلقت ولادة النصرانية من الرحم اليهودي نوعاً من التعاطف الديني اللاشعوري لدى الأوروبيين تجاه ما كتبه مؤرخو اليهود بالروح التي أرادوها، فارتضاه «نيوتن » و «أوجستين » و «باسكال » و «شاتو بريان » وغيرهم، انطلاقاً من روح تعصبية أساسها خرافة «الشعب المختار » التي آمنوا بها كما وردت بالعهد القديم.
أممٌ شبه متوحشة
يستهل «لوبون » كتابه «اليهود في تاريخ الحضارات الأولى»: لم يكن لليهود فنون ولا علوم ولا صناعة ولا أي شيء تقوم به حضارة، واليهود لم يأتوا قط بأي مساعدة مهما صغرت في تشييد المعارف البشرية، ولم يجاوزا قط مرحلة الأمم شبه المتوحشة التي ليس لها تاريخ».
كرينان الساذج
ينتقد «لوبون » بعض الكتَّاب، منهم «كرينان 1823 » - 1892 م ويصفه بالسذاجة لقوله: «لا يجد صاحب الروح الفلسفية غير ثلاثة تواريخ ذات نفع في تاريخ البشرية، وهي تاريخ اليونان وبني إسرائيل والرومان »، هذا رغم أن «رينان » كان يدعي أن كتاباته تقوم على أساس نقد المصادر الدينية نقداً تاريخياً وعلمياً، وهذا محض افتراء وكذب، والحقيقة أن «لوبون » كان مهذباً عندما وصف «رينان» بالسذاجة، فأين علمه بالتاريخ الفرعوني والآشوري والبابلي، وهي كلها سابقة لتواريخ اليونان والرومان والذي تم حشر تاريخ بني إسرائيل بينهما لدوافع عنصرية وعقائدية؟ لقد اشتهر «رينان » بكراهيته للإسلام والمسلمين، وكان على علاقة مبهمة مع الأفغاني ووصفه بابن سينا العصر!
ويعقِّب «لوبون » بقوله: «وإذا عدوت العهد القديم وجدت بني إسرائيل لم يؤلفوا كتاباً، والعهد القديم لم يشتمل على شيء يستحق الذكر.. وأما ما احتواه من أمور أخرى فيتألف من رؤى أناس متهوسين، ومن أخبار باردة وأقاصيص داعرة ضارية» .
ويقول: «والآن يمكننا أن نلخص هذا الفصل بأن نقول: إن تأثير اليهود في تاريخ الحضارة صفر. أهل صيدا هم بناة «هيكل سليمان » وأما من الناحية المدنية، فإن «لوبون » كان قارئاً متعمقاً للعهد القديم الذي يشير بدون مواربة إلى أن «هيكل سليمان » بناه الأغراب.
يقول «سليمان لحيرام » ملك صور: «فأْمُرْ رجالك أن يقطعوا لي أرزاً من لبنان ورجالي يعاونونهم، وأجرة رجالك أدفعها إليك بالمقدار الذي تريد، فأنت تعلم أن لا أحد من شعبنا خبير بقطع الخشب مثل الصيدونيين» 19 - 20 ، 5 ملوك أول، أي بعد سبعة قرون من ذهابهم إلى مصر ورجوعهم منها، فإنهم لم يتعلموا حتى مهنة قطع الأخشاب، فأين تلك الحضارة المزعومة؟
ويتكلم «لوبون » عن العِرق فيقول: «كان بنو إسرائيل من الساميين؛ أي من العِرق الذي كان ينتسب إليه الآشوريون والعرب».
ورغم كون المصطلح «السامي » مصطلحاً توراتياً بحتاً لا يمت للعلمية بشيء، وأفرزته الثقافة الغربية استناداً إلى أساطير التوراة لا غير، فإنه من المتعارف عليه أن الآشوريين والبابليين والفينيقيين والآراميين.. إلخ، هم من الموجات التي خرجت من شبه الجزيرة العربية على مدار قرون متعاقبة، فالأصل واحد، ثم حدثت التفرعات لأسباب لغوية ودينية على مدار هذه القرون، ومن هذا الخليط يقرُّ «لوبون » بأن العرب الساميين جاؤوا بالدين التوحيدي الوثيق الوحيد الخالي من أي أثر وثني، وهو الدين الذي يرفض الأنصاب رفضاً تاماً. من هذا الأساس، فإنه ينطلق لنقد فكر التوحيد اليهودي بشدة، حيث إن الإسرائيليين الذين يوحدون «يهوه » قد عبدوا آلهة كل الأقوام المجاورة لهم، وحتى اتهموا أنبياءهم وملوكهم بذلك، حيث جاء: «واقترف بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم ونبذوا الرب إله آبائهم الذي من ديار مصر وغووا وراء آلهة أخرى من أوثان الشعوب المحيطة بهم وسجدوا لها» 12 ، 2 القضاة.
إله يتعصب لليهود! حاشا لله
والنصوص في هذا المجال كثيرة، ناهيك عن أن «يهوه » كان إلهاً - قومياً - خالصا لبني إسرائيل، يفضلهم على غيرهم ويسعى دائماً للانتقام من الشعوب الأخرى، مما يسقط عنه الجانب الروحي والأخلاقي في فكر التوحيد.
إن انحدار الإسرائيليين إلى هذه المستويات سببها - كما يرى «لوبون» - أنهم ظلوا قوماً من الزرَّاع والرعاة حتى بعد صلتهم الطويلة بالحضارة الكلدانية وإقامتهم الطويلة في مصر.
إن بيئة فلسطين كانت مختلفة عما تعوَّدوه من مساكن بدوية وحياة غليظة جافة، وكان يسكنها أناس على درجة عالية من التحضر والرقي، ولكن كل ممارساتهم وأفكارهم تدل - كما يقول «لوبون » - على بقائهم بدويين أفَّاقين وسفاكين للدماء، ومولعين بقطعانهم ومندفعين في الخصام الوحشي، فإذا ما بلغ الجهد منهم ركنوا إلى خيال رخيص لتبرير أفعالهم.
استند «لوبون » إلى مئات النصوص في هذا المجال، منها: «وعندما تم القضاء على جيش عايْ رجع المحاربون الإسرائيليون إلى عايْ، وقتلوا كل من فيها، فكان جميع من قتل في ذلك اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفاً، وظل يوشع ماداً يده بالحربة نحو المدينة حتى تم القضاء على جميع أهل عايْ 24 » - 26 ، 8 يوشع.
و «عايْ » مدينة فلسطينية دخلها يوشع بن نون تابع موسى عليه السلم على ما تدعيه التوراة، وقد أكدت دراسات جادة في هذا المجال، أن الموجود بسفر يوشع مجرد خرافات اخترعتها عقلية مريضة مهووسة بالانتقام والأخذ بالثأر.
ويؤكد «لوبون » على ما ذهبنا إليه آنفاً بقوله: «لم يكن هنالك فتح بالمعنى الصحيح على الرغم من أقاصيص مؤرخيهم المملوءة انتفاخاً، ومن تعداد الانتصارات وتقتيل الأهالي وانهيار أسوار أريحا في النواقير، ووقوف الشمس في السماء حتى يطول النهار ليكمل يوشع عملية القتل والذبح» .
ومن هذه العبارات وغيرها الكثير، فإن تاريخ بني إسرائيل المسطر في العهد القديم عبارة عن تفاصيل مزوّرة لأحداث رئيسة تمت كتابتها بعدة قرون بعد وقوعها، ولا يدري أحد اللغة الأصلية التي كتبت بها، ولا هوية كَتبتها، ولكن الذي لا نقاش حوله أن الذين قاموا بالكتابة كانوا تحت عقدة «الشعب المختار » وعقد الاضطهاد والسبي والشتات.
تقديس النص المحرّف
ويلوم «لوبون » بصورة غير مباشرة النصارى الذين يقدسون هذه النصوص المحرفة، ويروجون في نفس الوقت لفكرة التسامح والعفو عند المقدرة والمحبة بقوله: «وما أتى به مؤرخو اليهود من تدوين لتلك الحوادث عقب وقوعها مع تجسّم عظيم هو دون ما صنعته الكنيسة النصرانية بعد ذلك».
ويلوم «لوبون» كذلك مؤرخي اليهود الذين أعطوا لداود عليه السلام صورتين متناقضتين؛ إحداهما صورة الملك المقاتل المتعطش للدماء والقتل، والثانية صورة النبي التقي من خلال مزاميره.
فعن الصورة الأولى جاء: «وهاجم داود سكان الأرض فلم يستبق نفساً واحدة، واستولى على الغنم والبقر والحمير والثياب» 9، 27 صموئيل الأول، وجاء: «ولم يكن داود يستبقي رجلاً أو امرأة على قيد الحياة.. هكذا كان داود يفعل طول مدة إقامته في بلاد فلسطين» 11 ، 27 صموئيل الأول.
بينما في الصورة الثانية يبدو زاهداً متعبداً.. فيقول: «أما أنا فعلى الرب توكلت، أفرح وأبتهج برحمتك لأنك قد نظرت إلى مذلتي وعرفت ألم نفسي المبرح.. ارحمني يارب فأنا في ضيق وكلّت عيناي غماً، واعتلّت نفسي ودخيلتي أيضاً وحياتي قد فنيت بالحزن» 10-6 ، 31 المزمور. فهل يمكن أن يجمع نبي بي هاتين ن الصورتين؟ ومن كتب سيرة حروبه ومن كتب مزاميره؟ هذه الأسئلة لا يستطيع التاريخ اليهودي الإجابة عنها.
وينتقد «لوبون» « رينان » الذي كان كاثوليكياً متعصباً، لقوله في كتابه «تاريخ بني إسرائيل»، حيث يبدو أن «رينان » كان سطحياً ومتعصباً لقوله: إن داود هو مؤسس القدس، ذلك أن نصوصاً كثيرة في العهد القديم تشير إلى استيلاء داود على المدينة من سكانها اليبوسيين، «وتوجه داود على رأس الإسرائيليين إلى أورشليم، أي يبوس الآهلة بسكانها اليبوسيين، فقال اليبوسيون لداود: لا يمكنك أن تدخل إلى هنا، فاستولى داود على قلعة صهيون التي دعيت فيما بعد مدينة داود 5-4 » ، 11 أخبار الأيام الأول.
هذا النص يدل دلالة قاطعة على عقلية «رينان » وغيره من المطبلين الزاعمين بأن أورشليم إسرائيلية، وأن داود بانيها، بينما كتابهم المقدس ترد فيه هذه الجمل، وذلك للتسويق لفكرة حضارة موهومة لا وجود لها، مندفعين أساساً بكراهيتهم للعرب والمسلمين ولترسيخ فكرة «الشعب المختار » وسط هذا المحيط الكبير من العرب والمسلمين.
هذه الخرافة لا تقل هشاشة عن خرافة مُلك سليمان الذي امتد بين النيل والفرات، في عصر كانت فيه مصر وبلاد الرافدين في أوج ازدهارهما الحضاري والعسكري، وغيرها من الخرافات الأسطورية حول مجد زائف وحضارة مزعومة ليس لها أساس في مخيلات مريضة وحاقدة.