العنوان (المغرب)المؤتمر الخامس لحزب العدالة والتنمية :تجاوز تركة تفجيرات الدار البيضاء والبحث عن التصالح مع النظام
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 01-مايو-2004
مشاهدات 47
نشر في العدد 1599
نشر في الصفحة 42
السبت 01-مايو-2004
Elganbouri2001@yahoo.fr
جاء انعقاد المؤتمر الخامس لحزب العدالة والتنمية المغربي ذي التوجه الإسلامي يومي 10 و11 أبريل الجاري في ظروف سياسية حرجة، سواء على مستوى الحزب نفسه أو على مستوى البلاد ككل. وقد كان أهم حدث سجل في تاريخ الحزب في الفترة الأخيرة هو ابتعاد مؤسسة الدكتور عبد الكريم الخطيب الذي قاده منذ الستينيات من القرن الماضي وحتى دخول إسلاميي حركة الإصلاح والتجديد» فيه عام 1992، قبل أن تسمى هذه الأخيرة «حركة التوحيد والإصلاح بعد اندماج الحركة الأولى التي كان يقودها بنكيران مع رابطة المستقبل الإسلامي العام 1996.
وكان الخطيب رجل المصالحات والتوافقات داخل الحزب، سواء بين هذا الأخير وبين الدولة، حيث كانت الدولة ترى فيه ضمانة ضد سقوط الحزب في قبضة الإسلاميين وأداة لتطبيع علاقتهم بالحكم، أو بين أعضائه الذين ينقسمون إلى إسلاميي الحركة ذوي الأغلبية العددية فيه، وأعضاء الحزب القدامى الذين يشكلون الأقلية، ويعتبر الخطيب مظلتهم داخل الحزب؛ لذا كان ابتعاده في الشهر الماضي قبل المؤتمر كأمين عام واكتفاؤه بمنصب «الرئيس الشرفي المؤسس» بمثابة الإعلان عن إمساك حركة التوحيد والإصلاح بزمام الحزب، الأمر الذي لم يخل من مراشقات صامتة أحيانًا وعلنية أحيانًا أخرى بين أعضاء الحركة وقدماء الحزب الذين رأوا نصيبهم فيه آخذًا في التراجع.
أما على مستوى البلاد ككل فقد كانت هناك مضاعفات تفجيرات الدار البيضاء التي ألقت بظلالها على الحزب خلال العام الماضي، حيث إنه عاش مرحلة مربكة تميزت بالحملة القوية عليه من طرف الدولة والأحزاب اليسارية والتيار العلماني الفرانكفوني الذي حاول إلقاء اللوم فيما جرى على خطابه السياسي والدعوي، بدعوى أنه كان يحرض بشكل غير مباشر على العنف من خلال المعارك السياسية التي خاضها، كالحملة التي قادها ضد مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية عام 2000 والمعركة داخل البرلمان حول قانون القروض الصغيرة الربوي ضد الحكومة السابقة أو تشنيعه على التطبيع مع الصهاينة أو غيرها من المحطات السياسية التي شهدتها البلاد. وتزايد الضغط على الحزب بعد إدلاء رئيس حركة التوحيد والإصلاح سابقًا (أحمد الريسوني) بتصريحات لإحدى الصحف المحلية طالب فيها بتحديث مؤسسة إمارة المؤمنين التي يتصف بها الملك وإحداث هيئة إسلامية قريبة من هذا الأخير يكون بيدها الحل والعقد، ما يعني تهميش الدور الديني للمؤسسة الملكية، وانتهت تلك الزوبعة بتقديم الريسوني استقالته من رئاسة الحركة بعد ضغوط من الدولة وانتقادات عنيفة وجهها زعيم الحزب الدكتور الخطيب إليه.
وفي محاولة منه لامتصاص المضاعفات السلبية لما بعد التفجيرات والانحناء للعاصفة خفف الحزب من خطابه السياسي الانتقادي ضد الحكومة وبعض مظاهر الفساد وقدم تنازلات كبرى في مواقفه إزاء بعض القضايا الداخلية، من ذلك تصويته لصالح قانون مكافحة الإرهاب في السنة الماضية رغم أنه كان من أشد المعارضين له قبيل التفجيرات، وموافقته على مدونة الأسرة الجديدة بالرغم من أن التعديلات التي أدخلت عليها لم تأخذ بعين الاعتبار جميع اقتراحاته التي رفعها إلى اللجنة الملكية الخاصة بتعديل مدونة الأحوال الشخصية، وتأييده لاتفاق التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية الذي تم توقيعه قبل شهرين مستثنيًا نفسه من جبهة الرفض العريضة التي تشكلت ضد الاتفاق، وهي تنازلات أثارت الكثير من التساؤلات بشأن إسلامية الحزب وهويته، وألحقته بسائر الأحزاب الأخرى.
لكن هذه التنازلات لم تحدث تحولاً حقيقيًّا في موقف السلطة من الحزب؛ إذ ظل التوجس منه قائمًا. وفي شهر أكتوبر من العام الماضي تم الكشف عن نية السلطات في توجيه الحزب الوجهة التي تراد له، إذ تدخلت وزارة الداخلية علنًا لدى الدكتور الخطيب أمينه العام من أجل الحؤول دون إعادة انتخاب مصطفى الرميد رئيسًا للفريق البرلماني للحزب باعتباره من تيار «الصقور»، وهو المنصب الذي شغله منذ 1997 تاريخ أول مشاركة برلمانية له، وكان ذلك الحدث بمثابة الفضيحة التي أكدت أن الوزارة لها يد في جميع الأحزاب السياسية، وترفض أن تسير هذه في مسارات غير مرغوب فيها، ومع ذلك فقد انتخب الرميد بالأغلبية رئيسًا لفريق الحزب في البرلمان، لكنه انسحب بإرادته بعد ذلك لتفادي مواجهة بين الحزب النظام، كما قال في تبرير انسحابه.
قنبلة «الرميد»
وقبل أسبوع واحد من عقد مؤتمر الحزب نشر الرميد مقالاً في إحدى الصحف الداخلية يوم 2 أبريل الجاري بعنوان تدقيق المقالة فيما ينبغي أن يكون بين الإسلام والملكية والديمقراطية من علاقة أثار غضب قيادة الحزب، ووضع هذا الأخير في حرج كبير وهو على أبواب المؤتمر الذي كان عليه بالدرجة الأولى أن يمحو آثار تفجيرات الدار البيضاء وأن يعيد تطبيع العلاقة بينه وبين الملكية بعد المعركة التي كان أحمد الريسوني (رئيس حركة التوحيد والإصلاح سابقًا) قد فجّرها بتصريحاته عن إمارة المؤمنين وأن يعيد النظر في التنصيص على المرجعية الإسلامية في قوانينه الداخلية بحيث لا يبدو حزبًا إسلاميًّا متميزًا عن باقي الأحزاب.
وقد دعا الرميد في مقاله إلى تقييد السلطات التي يتمتع بها العاهل المغربي باعتباره أميرًا للمؤمنين بحسب الدستور، وقال: الرميد «إن صفة إمارة المؤمنين لا تمنح صاحبها سلطات مطلقة ولا تجعل منه معصومًا غير قابل للمساءلة في منظور الإسلام إذا تحمل مسؤولية من مسؤوليات التشريع أو التنفيذ أو غيرها؛ فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لم تمنعه هذه الصفة من أن يكون محل جدال ومراجعة من قبل المسلمين رجالهم ونسائهم ما دام قد قرر وأتى بوصفه حاكمًا ما يقتضي التقييم وبالتالي المجادلة والمراجعة كما هو ثابت ثبوتاً لا يحتاج معه إلى دليل».
وطالب الرميد باعتماد الشورى في تحديد طبيعة الحكم والدولة الإسلامية والتوفيق بين الإسلام والملكية، مشيرًا إلى أنه «لا مناص من اعتماد مرجعية الإسلام أحكامًا ومقاصد والاستجابة لمستلزمات الديمقراطية في إطار الشكل الملكي للحكم مع ما يتطلبه ذلك من إعادة صياغة لإمكان المواسعة والانسجام بينهما». وانتقد هيمنة الملك على المؤسسات التابعة للدولة، مرجعًا السبب في ذلك إلى أنها تعتبر مصدر مشروعيتها الأساسي هو الحق الموروث «والنتيجة أنه لا يمكن إعمال آليات المراقبة والمحاسبة تجاه الأفعال الملكية، كما لا يمكن في الوقت ذاته التسليم لها باحتكار أدوات السلطة دون حسيب أو رقيب باعتبار قداستها»، وبناءً على ذلك اقترح تفويض السلط التي لها علاقة بالبرامج والسياسات اليومية إلى الحكومة الممثلة للأغلبية البرلمانية، لأن نظام التفويض «يجد له أصلاً عند فقهاء السياسة الشرعية الذين اعتبروا أن من حق الإمام أن يمارس واجباته بطريق مباشر أو غير مباشر وذلك بواسطة وزارتي التنفيذ والتفويض»، ودعا إلى القيام بإصلاح سياسي وفصل السلطات وتقوية استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية.
خطاب الوداع... وتذكير
وبالنظر إلى الحرج الذي سببه مقال الرميد لقيادة الحزب، فقد أصبح لزامًا عليها أن توجه من خلال المؤتمر رسالة قوية إلى المؤسسة الملكية وإلى الرميد والتيار المتشدد في الحزب على السواء، لذلك ترجمت كلمة الأمين العام للحزب الدكتور الخطيب إصرارًا على التشبث بالملكية وبإمارة المؤمنين كواحدة من ثوابت الحزب الرئيسة ورفضًا لكل خطاب يدعو إلى التقليص من صلاحيات الملك، حيث قال في خطاب افتتاح المؤتمر الذي اعتبره المراقبون بمثابة خطاب الوداع والتصحيح معًا قبل ترك مكانه لخليفته العثماني: «إذا أردنا بناء مجتمع إسلامي يجب أن نحافظ على مكتسباتنا الجوهرية وهي الإمامة والخلافة الإسلامية التي يتمتع بها المغرب ويمتاز بها بين جميع الأمم».. كما عكس التقرير السياسي للمؤتمر الذي تلاه الأمين العام الجديد للحزب الدكتور سعد الدين العثماني استمرار الحزب في التمسك بإسلامية الدولة وبالاختيار الديمقراطي في إطار الملكية الدستورية الديمقراطية والاجتماعية والتعددية السياسية باعتبار ذلك كله الضامن لوحدة المغرب واستقراره، وهو الكفيل بذلك في الحاضر والمستقبل، وباعتباره أيضًا ضمانة لوقاية بلادنا في المستقبل من مختلف أشكال التطرف والإقصاء.. وظهر إصرار المؤتمر على تأكيد التصالح مع المؤسسة الملكية والرد على ورقة الرميد من خلال عدم طرح مسألة الإصلاح الدستوري والاكتفاء بالحديث عن الإصلاحات السياسية التي ترتبط بأداء وتركيبة الحكومة، كما أن الورقة المذهبية للحزب أكدت أهمية إمارة المؤمنين ودورها التاريخي في المحافظة على الدين وفي الإشراف على تدبير الشأن الديني.
وأكدت أيضًا ضرورة إبعاد المساجد عن الدعاية السياسية، وأوضحت أن الحزب «لا يعتبر نفسه وصيًّا على الإسلام أو ناطقاً باسمه»، معتبرة أن «اجتهادات الحزب واختياراته تبقى اجتهادات بشرية نسبية قابلة للصواب والخطأ»، وهو ما يعني أن الحزب أراد من خلال تلك الإشارات الدفع في اتجاه المصالحة مع الملكية وإزالة أي شك يحيط بتمسك الحزب بالثوابت الوطنية أو المقدسات، كما تسمى في المغرب، ودفع التهم عنه بأنه الحزب الإسلامي الوحيد في البلاد أو الناطق باسمه، كما ظهر ذلك في الحملة التي استهدفته بعد تفجيرات 16 مايو.
أما البيان الختامي للمؤتمر فقد زاد في توضيح هذه القضية من خلال تأكيد تشبثه «بالثوابت الدينية والوطنية للبلاد وعلى رأسها الإسلام والوحدة الوطنية والملكية الدستورية»، وأبدى حرص الحزب على «مواصلة نهج الحوار والانفتاح على جميع مكونات المجتمع السياسي والتعاون مع الهيئات والفعاليات الوطنية التي تحدوها الرغبة في الإصلاح».
وأكد أيضًا أولوية الإصلاحات السياسية ومواجهة الفساد الإداري والمالي والأخلاقي ومحاربة مختلف أنواع الامتيازات وإصلاح القضاء.
وهكذا يبدو أن المؤتمر استطاع أن يعبر بالحزب أهم محطة في علاقته بالسلطة والملكية، لكن التساؤلات حول مستقبل تعاطي الدولة معه تبقى مطروحة باستمرار بسبب توجس هذه الأخيرة من كل ما هو إسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل