; من مواجهة إريتريا إلى «شرطي المنطقة.. تجمع صنعاء. بين تعقيدات الواقع.. وأوهام السياسة | مجلة المجتمع

العنوان من مواجهة إريتريا إلى «شرطي المنطقة.. تجمع صنعاء. بين تعقيدات الواقع.. وأوهام السياسة

الكاتب نبيل البكيري

تاريخ النشر السبت 08-يناير-2005

مشاهدات 43

نشر في العدد 1634

نشر في الصفحة 36

السبت 08-يناير-2005

● رئيس المركز الإريتري للدراسات: التجمع يسعى لعزلة النظام الإريتري وإسقاطه

● الدور الصهيوني المتنامي في المنطقة والوجود

العسكري في إريتريا يهددان استمرار التجمع

(تجمع صنعاء ) كما يطلق عليه مؤسسوه و«حلف صنعاء» أو (تجمع الفقراء) كما يحلو للمراقبين والسياسيين أن يطلقوا عليه، هو تكتل سياسي اقتصادي إقليمي يضم في عضويته ثلاث دول هي اليمن وإثيوبيا والسودان، حيث ولدت فكرة هذا التجمع في قمة جمعت كلا من الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ونظيره السوداني عمر حسن البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي مليس زيناوي في العاصمة اليمنية صنعاء في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٢م، ومن هنا عرف باسم تجمع صنعاء الثلاثي.

ولا يمكن النظر إلى هذا الحلف - كما يقول الدكتور جلال الدين محمد صالح السياسي الإريتري المقيم في لندن - بمعزل عن المؤثرات السياسية في منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر، وهي كثيرة منها ما هو موضوعي كالوجود الأمريكي في المنطقة، أو ذاتي كالصراعات الناشبة بين أنظمة دول التجمع الثلاث، كقاسم مشترك بينها من جهة والنظام الإريتري من جهة أخرى.

ويرى المراقبون أن فكرة التجمع لا تخرج عن هدفين رئيسين: الأول معلن وهو إقامة تعاون بناء بين دول القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر وتعزيز الأمن والسلام في هذه المنطقة الحيوية من العالم. والآخر غير معلن وهو ما يراه الإريتريون حيث يعلنون أن هذا التجمع يستهدف نظامهم ويعمق عزلتهم الإقليمية على كافة المستويات، ومن ثم يسعى إلى إسقاط نظام الجبهة الشعبية الحاكمة في اسمرا، وهذا ما ذكره رئيس المركز الإريتري للدراسات الإستراتيجية الدكتور أحمد دخلي في ثلاث دراسات له في هذا الشأن تحت عنوان محور صنعاء محور تآمر تاريخي وقمة صنعاء الثلاثية، قمة تعاون أم تآمر ؟ وثالثة بعنوان محور صنعاء على خطى حلف عدن.

وقد ظهر هذا الرأي جلياً في تصريحات القيادة الإريترية وعلى رأسهم الرئيس أفورقي الذي قال عن قيادة التجمع (إنهم يعملون على إسقاط نظامنا. ولكن سنتغلب عليهم بالتعاون مع حلفائنا). وكذا وزير خارجيته على سيد عبد الله الذي وصف التجمع - في مقابلة له مع صحيفة الشرق الأوسط في ١٤ ديسمبر ٢٠٠٣ م - بقوله : هذا مولود مشوه وكسيح ولا خوف منه أبداً، وهو في المقام الأول لا يقوى على شيء..

وفي الطرف المقابل تنفي قيادة التجمع هذه المخاوف الإريترية نفياً قاطعاً، مؤكدة في الوقت نفسه أن التجمع لا يستهدف أحداً. وإنما هو تجمع اقتصادي للتعاون المشترك بين دول التجمع وتلك التي ترغب في الانضمام إليه ...

أهداف الشركاء الدول الثلاث التي تشكل التجمع كان لكل منها ظروفها ومنطلقاتها الخاصة للانضمام للتجمع، فاليمن يحكمه في ذلك تطورات علاقته بإريتريا من جهة وبالقرن الإفريقي من جهة ثانية.

فالعلاقات اليمنية الإريترية شهدت توتراً منذ الخلاف الثنائي بين البلدين على أرخبيل جزر حنيش عام ١٩٩٦م وقرار محكمة العدل الدولية عام ۱۹۹۸م بأحقية اليمن فيها، وهو القرار الذي مازال النظام الإريتري يتعامل معه بريبة، خاصة حول مناطق الصيد الإقليمية بين البلدين.

أما القرن الإفريقي فإن اليمن عانت كثيرا ولا تزال مما يدور في الطرف المقابل لها، باعتبار أن بلدان القرن الإفريقي امتداد جغرافي لليمن والعكس صحيح. ومن الطبيعي إذن أن تتأثر اليمن سلباً وإيجاباً مما يدور في هذه الدول، لذا فإن عدم الاستقرار الأمني والسياسي في هذه المنطقة يولد لليمن مزيداً من الأزمات التي هي في غنى عنها أصلاً.

ويرى سياسيون أن استمرار نزوح اللاجئين الأفارقة إلى اليمن يعد مشكلة كبيرة تتحمل تبعاتها الحكومة اليمنية غالياً : حيث وصل عدد اللاجئين الأجانب في اليمن إلى ربع مليون لاجيء - طبقاً لأرقام غير رسمية . واستمرار عدم الاستقرار مستقبلاً في المنطقة سيؤدي إلى مزيد من تدفق اللاجئين إلى اليمن الذي يعاني أزمات اقتصادية خانقة.

ومن ثم فإن القيادة اليمنية ومن خلال تبنيها وتحمسها الكبير لهذا التجمع الوليد قد يكون بمثابة طوق نجاة لحل هذه المعضلة.

 الدوافع الأمنية أيضاً كان لها دور في اشتراك اليمن في تجمع صنعاء منذ عمليتي تفجير المدمرة الأمريكية يو إس كول والتداعيات الأمنية، أما السودان فدخوله هذا التجمع كان إحدى وسائل الخروج من حالة الانعزال المفروضة عليه، وكذا الضغط على النظام الإريتري الذي يدعم المتمردين في السودان سواء في الجنوب أو الغرب. والطرف الثالث هو إثيوبيا، فإن علاقاتها المتوترة وتداخلات ذلك المشهد بالإثني والديني والعرقي مع جارتها إريتريا كان أحد أهم الدوافع للالتحاق بركب تجمع صنعاء، حيث تسبب النظام الحاكم في إريتريا وخلافاته مع إثيوبيا منذ الاستقلال عنها عام ۱۹۹۳م في أزمة سياسية ثقيلة لنظام ميليس زيناوي يجب أن يضع كل إمكانياته في سبيل إنهائها، ولو على أقل تقدير إيجاد نظام موال له في أسمرة.

وكان أهم الأهداف التي تسعى إثيوبيا إلى تحقيقها من خلال هذا التجمع محاصرة نظام أفورقي من قبل دول الجوار. وكما يؤكد مراقبون فإن هذا الهدف يعد قاسماً مشتركاً لدى دول التجمع الثلاث.

ثم تأمل إثيوبيا - من خلال تأثيرات هذا التجمع - خضوع نظام أسمرة لإرادتها وشروطها التي لن تقبل بأقل من قبول نظام أفورقي لتعددية سياسية حقيقية، يتم من خلالها مشاركة حلفائها في المعارضة الإريترية في صناعة القرار السياسي في أسمرة، هذا إذا لم تطالب بمنفذ بحري على البحر الأحمر وإعادة ترسيم الحدود.

● تطورات الموقف الإريتري

ومن خلال تطورات الأحداث السريعة في الآونة الأخيرة والمتمثلة في القمة اليمنية الإريترية والتي جمعت الرئيسين اليمني والإريتري في بداية ديسمبر الماضي ٢٠٠٤ م في العاصمة اليمنية صنعاء، نجد أن أهداف التجمع غير المعلنة قد أتت أكلها، وذلك من خلال استسلام النظام الإريتري للضغوط التي فرضها عليه قيام التجمع والتي فرضت عليه نوعاً من العزلة السياسية والحصار الاقتصادي من قبل دول الجوار، فأجبره ذلك لمهادنة هذا التجمع والعمل على كسب وده بدلاً من مجابهته. ومن خلال تصريحات الرئيس الإريتري سياسي أفورقي يرى المراقبون أن هناك تغيراً مفاجئاً في موقف النظام الإريتري من تجمع صنعاء، والذي أتضح خلال زيارته الأخيرة لصنعاء حيث قال أفورقي: إن موقف القيادة الإريترية من تجمع صنعاء ثابت في هذا الاتجاه، وهو أنه هذا المحور لم ولن يكون موجهاً ضد إرتيريا، وهذا التغيير الواضح في الموقف من قبل النظام الإريتري يعد بمثابة محاولة لاختراق الحلف والالتفاف على الدبلوماسية الإثيوبية التي مثل تجمع صنعاء نصراً سياسياً لها استطاعت أن تجعل منه تكتلاً موالياً لها. ومن ثم محاصرة عدوتها اللدود إريتريا.

● تحديات مستقبلية

قبل أن نلج في قراءة تحليلية لعوامل النجاح والفشل التي قد تنتظر تجمع صنعاء هذا، نقف قليلاً لقراءة المشهد الجيوبوليتيكي التي ولد فيها هذا التجمع.

فالقرن الإفريقي يكتسب أهميته الحيوية من الناحية الجغرافية نظراً، لأن دوله تطل على المحيط الهندي من ناحية وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية. كما تزخر بعض دول هذه المنطقة بالموارد الطبيعية الهائلة كتلك التي بدأت تظهر في كل من السودان والصومال من ثروات نفطية واعدة. ويرى المراقبون أيضاً أن الاهتمام الدولي بمنطقة القرن الإفريقي برز كثيراً عقب أحداث 11 سبتمبر لمحاصرة التيارات الإسلامية في تلك المنطقة المهمة، ومن هنا ندرك سر المباركة الأمريكية لقيام تجمع صنعاء منذ بداية تكوينه خاصة إذا علمنا أن هذه التجمع قد جعل من أهم بنود تأسيسه مكافحة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية في هذه المنطقة والتي يقصد بها هنا الحركات الإسلامية تحديداً.ولا يستبعد مراقبون هنا أن تعمل الإدارة الأمريكية على تحوير الهدف المعلن من قيام هذا التجمع، وهو التعاون الاقتصادي وتعزيز العلاقات بين بلدان المنطقة، وإحلال الأمن والسلام فيها خاصة بعد توسيع عضوية التجمع في قمة الخرطوم الأخيرة ٢١/١٢/٢٠٠٤م ليشمل كل دول القرن الإفريقي ودول جنوب البحر الأحمر، بحيث يضم إليه الصومال وجيبوتي وإريتريا، لتجعله منصباً على الجانب الأمني فقط، ومن ثم جعله أداة أمنية. حيث يقوم بدور الشرطي الأمريكي في المنطقة بالنيابة لتتبع ما تسميه بالتنظيمات الإرهابية، وذلك على غرار مجلس وزراء الداخلية العرب الذي يعد المشروع العربي الوحيد الناجح من بين مشاريع الجامعة العربية. ولا نغفل في النهاية، ذلك الدور الصهيوني المتنامي بقوه في المنطقة والذي سيكون له تأثيره على احتمالات نجاح أو فشل التجمع، من خلال العلاقات الدبلوماسية القوية التي تربط الكيان بكل من الجارتين. المتخاصمتين إريتريا وإثيوبيا، من خلال استراتيجية سياسية تقوم عليها هذا العلاقة ، والتي من أهم أهدافها جعل البحر الأحمر بحيرة غير عربية، والعمل على عدم استقرار الأوضاع في هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم، خاصة إذا كان هذا الاستقرار سيعود بالنفع على العرب.ولا يخفي أيضاً أن للكيان الصهيوني وجوداً عسكرياً كبيراً في هذا المنطقة من خلال قواعد عسكرية دائمة على أراضي الجزر الإريترية، ومن هنا فإن كل ما ذكرناه سابقاً من أسباب النجاح والفشل لهذا التجمع تتركز كلها في مصفوفة شائكة من العوامل التي تغلب فيها عوامل الفشل على النجاح خاصة إذا ما غابت الرغبة الصادقة والحقيقية التي تقف وراء إنشاء مثل هذا التجمع .

 

 

الرابط المختصر :