العنوان تحالف المصالح بين موسكو وواشنطن على حساب القضية الشيشانية
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2002
مشاهدات 57
نشر في العدد 1485
نشر في الصفحة 26
السبت 19-يناير-2002
منذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، برز الدور الروسي كمحور رئيس في التحالف الأمريكي – الأوروبي ضد ما يسمى بـ «الإرهاب»، إذ جمدت موسكو كل خلافاتها وحساسياتها السياسية السابقة مع واشنطن وحلف الأطلسي، لتنضم سريعًا إلى القطار الغربي، وقد وجدت روسيا في هذا التحول العالمي الجديد والتركيز الأوروبي والأمريكي على ظاهرة الإرهاب، مناسبة للالتحاق بالأجندة الأمريكية وعرض التعاون، رغم بعض التصريحات لمسؤولين روس، وعلى رأسهم الرئيس بوتين، التي شككت في النوايا الأمريكية وحدود الضربات على أفغانستان ومستقبل الوجود الأمريكي في منطقة تزخر بالثروة والإمكانيات المستقبلية الواعدة، غير أن تلك التصريحات الممانعة بدت مجرد لعبة روسية لرفع سقف الكسب السياسي والحصول على غنيمة الحرب.
لقد كان التحول المفاجئ في الموقف الروسي أحد أبرز ملامح مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، إذ أبدت روسيا رغبتها في الانضمام إلى النادي الغربي والدخول تحت مظلة حلف الناتو، وأعلن زعماء الكرملين أن روسيا ستقف إلى جانب التحالف الدولي في مواجهة «الخارجين عن طاعة الغرب»، وتصدرت مقولة «محاربة الإرهاب» التصريحات الروسية.
هذا التحول فاجأ الغرب نفسه، لكون روسيا عبرت باستمرار عن تحفظاتها إزاء مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي، وانضمام دول البلطيق إلى حلف الناتو وقصف هذا الأخير ليوغوسلافيا عام 1999م، والمطامع الأمريكية في بحر قزوين.
ونظرًا للحاجة الأمريكية إلى الدور الروسي، سارع البيت الأبيض إلى مغازلة الكرملين، حيث صرح الرئيس بوش بأن هناك حضورًا قويًا لإرهابيين تابعين لشبكة القاعدة في الشيشان، في محاولة لجر موسكو إلى القبول بالخيارات الأمريكية، وفي إشارة واضحة إلى إطلاق يد القوات العسكرية الروسية في الشيشان.
وقد عكس هذا التصريح الأمريكي الأول من نوعه تحولًا جوهريًا في موقف واشنطن تجاه مسألة الشيشان، إذ صدر عن الرئيس الأمريكي مباشرة وليس عن وزارة الخارجية أو الناطق الرسمي باسم بوش، ومعلوم أن قضية حقوق الإنسان في الشيشان والممارسات الوحشية الروسية بحق المسلمين هناك ظلت جزءًا من انتقادات الإدارة الأمريكية للكرملين، بالرغم من أن هذه الانتقادات لم تتضمن اعترافًا أمريكيًا صريحًا بحق مسلمي الشيشان في الاستقلال وتقرير المصير، لأن أزمة الشيشان بالنسبة لواشنطن لم تكن سوى ورقة سياسية للضغط على موسكو لا قضية استقلال وحرية شعب.
غير أن الإدارة الأمريكية هذه المرة عبرت بوضوح عن تصورها لحل الأزمة الشيشانية باقتراح ما سمته كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي بـ «الحل السياسي» ويقضي بالاعتراف بـ «حقوق الأقليات »في الشيشان، هذا التصور الأمريكي لقي ارتياحًا لدى المسؤولين الروس الذين كانوا ينتظرون اعترافًا دوليًا بسياستهم في الإقليم المحتل، ذلك أن التصور الأمريكي أسقط من الحساب جوهر التاريخ الشيشاني، باعتباره تاريخ شعب عاش في استقلال كامل، وحول الإقليم إلى جزء من روسيا، وقلص مطالب الشيشان إلى حقوق ثقافية لأقلية روسية محلية ليس إلا.
موسم جني الثمار
لقد سعت موسكو إلى الوقوف من الأحداث موقفًا يوفر لها الغطاء والسند الدوليين لتصفية قضية الشعب الشيشاني المسلم، وحاولت توظيف دورها في الحملة الأمريكية ليكون رصيدًا سياسيًا في حربها ضد المقاومة الشيشانية رغم الإخفاقات والخسائر المتوالية التي منيت بها طوال السنوات الماضية، باعتراف مسؤولين روس ومراقبين دوليين، وللوصول إلى هذا الغرض عرضت كل إمكانياتها اللوجيستية على الولايات المتحدة والناتو حتى تظهر في صورة الدولة التي تواجه إرهابًا في الداخل.
ونجحت روسيا في كسب التأييد الدولي المساند لحربها العدوانية ضمن لعبة تبادل المنافع والمصالح التي تتقنها الدوائر الغربية بامتياز، وفي آخر شهر سبتمبر صرح وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف بإمكانية تعاون واشنطن مع موسكو لمواجهة من تسميهم «بالإرهابيين الشيشانيين»، وأكد بوتين عزمه تصفية وجود المقاومة الشيشانية، وساهم الوضع الدولي بعد تفجيرات سبتمبر وخلال القصف الأمريكي على أفغانستان في إطلاق يد الجيش الروسي في الشيشان، إذ استغلت روسيا انشغال العالم بالحملة الأمريكية وزادت من انتهاكاتها داخل الإقليم، فارتفعت أعداد القتلى والسجناء والمخطوفين مجهولي المصير، ولم يسلم من البطش الروسي حتى نشطاء المؤسسات الإنسانية والإغاثية العاملة في الشيشان، حيث تعرض عدد من هؤلاء للتصفية والقتل!
حدث ذلك في سياق التقارب الذي بدأ يتنامى بين روسيا ودول الناتو والاتحاد الأوروبي، وأصدر هذا الأخير مع الرئيس الروسي بيانًا مشتركًا في قمة بروكسل أكتوبر «2001م» حول التعاون بين موسكو والاتحاد الأوروبي، ووعد البيان بالقيام بعمل مشترك يتم فيه تطوير التنسيق لمقاومة الإرهاب، واقترحت موسكو على لسان وزير خارجيتها إيجور إيفانوف – من على منبر الأمم المتحدة - تصورًا يقضي بتشكيل منظومة أمنية عالمية لمكافحة الإرهاب تحت إشراف الأمم المتحدة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اتخذت الجمعية البرلمانية الأوروبية في ستراسبورج موقفًا يؤيد تصرفات روسيا في الشيشان، مما دفع الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف إلى التعبير عن الاحتجاج وإعلان انسحابه.
وصرح المستشار الألماني جيرهارد شرودر لدى استقباله للرئيس الروسي في بون بأن روسيا يمكن أن تفعل ما تشاء في الشيشان في إطار حربها ضد الإرهاب، وأثمرت زيارة بوتين لبريطانيا في 21 ديسمبر الماضي عن اتفاق على تعاون استخباري بين لندن وموسكو كخطوة أولى في طريق التعاون الروسي مع حلف الناتو، وبدأت تتوارد التصريحات واللقاءات بين المسؤولين الروس ومسؤولي الحلف للدفع بالتقارب بين الجانبين، كما تم تحديد شهر مارس المقبل أجلًا لوضع جدول زمني لإقامة آليات التعاون الأمني المشترك.
وبدا من خلال هذه التطورات المتسارعة أن موسكو نجحت في تضييق الخناق على المقاومة الشيشانية وفرض قوانين اللعبة حسب الاستراتيجية التي رسمتها، كما أنها نجحت في فرض تحولات إقليمية لصالحها، إذ التحقت جورجيا بالتحالف وهي التي ظلت تقاوم التحرشات الروسية واتهامات موسكو بإيواء عناصر المقاومة المسلحة في الشيشان بعد المطالب الأمريكية لرئيسها إدوارد شيفرنادزة بضرورة دعم موسكو باتخاذ عمل محدد ضد المقاتلين الشيشان الموجودين في جورجيا، وسلمت الإدارة الأمريكية رسالة شديدة اللهجة لوزير خارجية الشيشان في المنفى تطالب الحكومة الشيشانية بقطع علاقتها باثنين من قادة الشيشان الإسلاميين، ودلت هذه التطورات على انطلاق التعاون بين المخابرات الأمريكية والروسية للتصدي للمقاومة في الشيشان.
العرض الروسي.. الطعم!
إزاء هذه المكاسب التي جنتها روسيا من وراء الاصطفاف مع واشنطن والناتو، حاول بوتين استثمار عنصر الوقت للانتهاء من الكابوس الشيشاني بطرح مبادرة سلمية خادعة للتفاوض مع المقاومة وأعطى المقاتلين 72 ساعة للاستسلام وإلقاء الأسلحة، لكن المقاومة أربكت الحسابات الروسية برفض العرض حتى بعد انتهاء المهلة فقد أكدت أن المبادرة الروسية خدعة عسكرية لاستدراج المقاومة وشن حرب عدوانية ضدها، خصوصًا أن المبادرة المذكورة جاءت عقب خسائر جسيمة تكبدها الجيش الروسي قبل أسبوع من طرح المبادرة، ومصرع اثنين من كبار ضباط الجيش في هجوم على مدينة جودرميس ثاني أكبر مدينة شيشانية بعد العاصمة جروزني، وسيطرة المقاتلين الشيشان عليها، مما أكد أن المبادرة الروسية لم تكن بعيدة عن دافع الانتقام من المقاومة، هذا علاوة على أن المبادرة الروسية لم تكن تلبي المطالب الشيشانية، ولم تتعرض لمطلب الاستقلال، إذ ركزت على ثلاثة بنود: نزع أسلحة المقاومة، تسليم بعض القادة الميدانيين الذين تتهمهم موسكو بالتورط في أعمال ضدها، والالتزام بالدستور الفيدرالي الروسي الذي ينظم العلاقة بين موسكو والجمهوريات التي تتمتع بالحكم الذاتي بما في ذلك الشيشان، ولم تكن هذه المطالب سوى ذريعة لإظهار روسيا بمظهر الساعي إلى الحل لتبرير سيناريو الحرب المقبلة، مستندة إلى تأييد دولي وظروف إقليمية مساعدة.
مستقبل المقاومة
والسؤال هو: هل حقًا انفردت روسيا بالشيشان في هذا الظرف الدولي والإقليمي الدقيق؟ وهل أطبقت الكماشة على المقاومة الشيشانية؟
معالم الوضع لن تتضح على الأقل في الأسابيع القادمة، ويظل ذلك رهينًا بالأوضاع العامة في المنطقة، لكن المؤكد أن المقاومة الشيشانية التي صمدت كل هذه الأعوام تبقى قادرة على تغيير استراتيجيتها وآليات عملها في المرحلة المقبلة، إن التحولات العالمية والإقليمية التي أتينا على ذكرها في السطور السابقة يمكن أن تعطي قوة دفع قوية لروسيا لتوسيع نطاق هجومها ضد الشيشان والإفادة من الصمت العالمي والتواطؤ الغربي المكشوف إلى جانبها، إلا أن الحسم يبقى في يد المقاومة كما أكدت ذلك الأحداث الميدانية الأخيرة، ويبدو أن أبناء الشيوعيين في الكرملين لم يستفيدوا من أخطاء آبائهم في أفغانستان، وسيمضي وقت طويل قبل أن يكتشفوا أنهم غارقون في مستنقع اسمه الشيشان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل