العنوان تحتجون- بعدالقصف- وأنتم تعلمون!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1976
مشاهدات 78
نشر في العدد 283
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 20-يناير-1976
هولاكو لبنان... «يفعل«
والحكام العرب... «يتكلمون«!!
نسي الناس- أو كادوا ينسون- أن في لبنان «سلاح طيران» يعرف يطير وينقض ويقصف فقد هاجم العدو الصهيوني لبنان.. غير مرة. جوًا وبرًا وبحرًا، ولم يسمع الناس أن سلاح الطيران اللبناني قد تصدى لهذا الهجوم. أو مارس القصف ضده.
إزاء مخيمات الفلسطينيين تغير الحال، وإذا بالحمائم الموادعة للعدو تتحول إلى صقور وتنقض على مخيمات الفلسطينيين.
ولنكن رجالًا شجعانًا نواجه الموقف بما يقتضيه من أمانة وصراحة وجد.
فإن الإعلام العربي- والزعماء العرب من قبل- قد تعودوا على ترديد اسم الكتائب وحلفائهم وتركيز الاتهام في هؤلاء.
بل إن بعض المسؤولين يواجه الكتائبيين السفاحين بكلام مثل هبات النسيم. أو بما هو أرق من ذلك فيشير إليهم بقوله «بعض الفئات».
بعض الفئات.. بهذا الغموض، واللف والتستر، وكأن ذكرهم بالاسم.. جريمة!
فوزير الدولة هنا يطلق على الكتائبيين مصطلح «بعض الفئات» وهو يعلق على حصار المخيمات الفلسطينية منذ أيام.
وهذا طعن في ظل الفيل.
أما الفيل ذاته فيبدو أنه مصون في نظر أناس.
ولا نعني بالفيل حزبي الكتائب والأحرار، ولا العماد «حنا» قائد الجيش اللبناني.
إن المسؤول الأول هو سليمان فرنجية والبطريرك خريش.
إننا لا نصدق أبدا- ومن الإهانة للوعي أن يطلب منا تصديق ذلك- أن العماد «حنا» قد تمرد من تلقاء نفسه، وأمر طيارين مارونيين بقصف المخيمات الفلسطينية.
إن ذلك لا يحدث إلا في حالة الانقلاب الكامل أي تولي الجيش مقاليد السلطة السياسية في بلد ما.
ثم إن العماد «حنا» يتلقى أوامره من رجلين: رشيد كرامي باعتباره وزيرًا للدفاع، وسليمان فرنجية باعتباره رئيسًا للجمهورية، وإذا كان قائد الجيش قد تجاوز كرامي. فإنه لا يمكن أن يتجاوز سليمان فرنجية وذلك لأسباب طائفية وتنسيقية معروفة.
لكن المارون رأوا أنه من مصلحتهم السياسية أن يتحمل العماد «حنا« مسؤولية القصف الهمجي.
وتوزيع الأدوار أسلوب سياسي مشهور بمعنى أن سليمان فرنجية سيغطي قائد الجيش سياسيًا ويحميه من المؤاخذة.
كما فعل مع إسكندر غانم الذي سمح لليهود بالتوغل في بيروت واغتيال ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينية.
إن قادة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة هم الذين خططوا لإحراق المسجد الأقصى.
وحين أشعلت النار في المسجد قالوا: بسهولة إن الذي فعل ذلك رجل مجنون!! ثم يفرج عن المجنون لأسباب صحية، وتنتهي التمثيلية على هذا النحو الساخر منا ومن عقولنا.
أما البطريرك خريش فهو الذي أمر ويأمر بقرع أجراس الكنائس ويحرض على قتال المسلمين، وأول أمس أمر بقرع أجراس الكنائس في بيروت وقرى جبل لبنان، وهي أجراس تحث مسلحي المارون على إرسال تعزيزات إلى مدينتي الدامور والسعديات المحاصرتين.
وهولاكو لبنان يدير المجزرة وهو يعلم أن الزعماء العرب سيكتفون بالكلام، والفرق واضح بين «القول» «والفعل».
صمت الزعماء العرب طويلًا.. طويلًا.
وبعد نقد لحوح يفسر المواقف السلبية بالتواطؤ، أو الموافقة فتحوا أفواههم بالاحتجاج الخجول.
وماذا يجدي الاحتجاج؟
أليس ذلك شبيهًا بموقف من يرى مجرمًا يذبح إنسانًا بريئًا ثم لا يزيد عن كلمة «عيب».. وينصرف.
ما الفرق بين أن يعتدي الجيش اللبناني على الفلسطينيين في الضبية وتل الزعتر وبين أن يعتدي سكان مصر الجديدة في القاهرة، أو سكان الشرفية في جدة، أو سكان الضاحية في الكويت. أو. أو؟
إن التسلسل المنطقي، أو تتابع الوقائع، أو التداعي السياسي في أحداث لبنان كان يمضي إلى النتيجة الراهنة.. نتيجة تدخل الجيش اللبناني لصالح الطائفة المارونية.
ولا يقبل من حاكم عربي أن يدعى غير ذلك «ولو ألقى معاذيره».
فقد كانت الأحداث تندفع بقوة الى هذا المأزق، ومن هنا ينتفي عنصر «المفاجأة»
ونحن نكتب هذه الكلمة تذيع وكالات الأنباء برقيات عن إتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان.
وينبغي أن يكون الحوار تامًا فالصليبيون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا
ذمة: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾.(الممتحنة:2).
إن اتفاقات وقف إطلاق النار قد توالت وتكاثرت، ومن الملاحظ أن معظمها تم لصالح الصليبيين.
يفيدون من هذه الاتفاقات في الخروج من مأزق ما، أو لإعادة ترتيب جبهاتهم وتوزيع مقاتليهم، وتدارك نقص متوقع في المؤن.
إنهم أفادوا كثيرًا من فرصة وجود بيار الجميل في سوريا. فهذه الرحلة أشاعت استرخاء عامًا في صفوف المسلمين بينما كان المارون قد أعدوا العدة لمذبحة «السبت» التي ذبحوا فيها عشرات المسلمين ومثلوا بجثثهم.
ومن المؤكد أنهم سيفيدون من فرصة تخدير عام قد يتخذ هذه المرة شكل قمم سياسية.
إن لم يفيدوا من هذه الفرصة عسكريًا فإنهم سيستثمرونها سياسيًا بلا شك.
وهنا نرجع إلى الأسباب الأساسية للمشكلة أو الحرب، ونوجزها في سببين جوهريين بارزين.
- الوجود الفلسطيني.
- المطالب الإسلامية.
إن الاستراتيجية الثابتة لصليبيي لبنان هي تصفية الوجود الفلسطيني وإحباط المطالب الإسلامية.
بعد الحرب، والدماء، والخراب سيقولون: نحن نقبل بالتعايش ونقبل بإنهاء القتال، ولكن بشروط.
- أولا: تقليص الوجود الفلسطيني في لبنان أو نزع السلاح من الفلسطينيين فإن وجود السلاح- هكذا يحكي المارون-
تنشأ عنه أزمات أخرى في المستقبل والفلسطينيون إخواننا- هكذا يكذبون- ولا ينبغي أن يخافوا على وجودهم وأمنهم إذا ما ألقوا أسلحتهم!
- إننا- يقول المارون- منذ الاستقلال نعيش متآخين لكن في الآونة الأخيرة أراد البعض«!!» أن يحدثوا شرخًا في التوازن داخل لبنان فطالبوا بإحصاء عام وتعديل الدستور، وإعادة توزيع الوظائف في الجيش والمناصب المهمة. وهذه المطالب سببت شعورًا بالظلم لدى المسيحيين.
وحتى نستطيع أن نهدي الأحوال فمن المصلحة غض النظر عن هذه المطالب!
وبعادة الركون إلى الأعداء، والثقة بهم ستشرك أطرافا عربية -باسم الاعتدال- في الضغط على مسلمي لبنان، وعلى الفلسطينيين بالذات وتقول لهم: إن السياسة كر وفر واليوم خسران. وغدا مكاسب. فلا تتصلبوا أيها المسلمون في مطالبكم، ولا تسرفوا أيها الفلسطينيون في المخاوف على مستقبلكم في لبنان!
لماذا نحن نتوقع ذلك؟
لأن ما يجري في لبنان لا يمكن أن ينفصل عما يجري في المنطقة من حلول متخاذلة تدفن قضايانا وتقبرها.
ومن الخطوط الرئيسية في هذه الحلول إضعاف الجانب الفلسطيني وتدويخه.
أي أن هذا هدف مشترك بين أطراف متعددة.
إن الحل العادل المثمر لأزمة لبنان هو:
- تحقيق المطالب الإسلامية، وهي مطالب موضوعية وعادلة.
- استمرار الوجود الفلسطيني في لبنان بكامل ثقله وفعاليته ووزنه السياسي والنضالي.
فإذا أبى النصارى ذلك فإن موتًا يورث عزًا خير من حياة تورث ذلًا.
إن المطلوب هو التصلب الكامل في شأن المطالب الإسلامية والوجود الفلسطيني.
حتى لا تكون نتيجة الرحلة الدامية.. صفرًا.