; تحت ضوء الإسلام لم يتنبه المسلمون إلاّ ضحى الغد | مجلة المجتمع

العنوان تحت ضوء الإسلام لم يتنبه المسلمون إلاّ ضحى الغد

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1987

مشاهدات 60

نشر في العدد 811

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 31-مارس-1987

إن المسلمين يجب أن يكونوا قد وصلوا بعد هذه التجربة الطويلة المريرة مع الغرب إلى حقيقة أساسية، هي أن لا ينتظروا من الغرب أن يعطيهم منطلقًا إلى امتلاك إرادتهم، أو إقامة مجتمعهم، أو استئناف عطاء حضارتهم؛ فإن هذا الأمل لم يكن موجودًا أصلًا، طوال فترة الاتصال بهم، ولكن كانت هناك خدعة اتفق عليها الغربيون مع أوليائهم الذين شكلوهم في إرسالياتهم، واتخذوهم أداة لتنفيذ مخططهم الذي كان يرمي أساسًا إلى «تغريب» هذه الأمة، وإخراجها من فطرتها وإسلامها، وعقيدتها وعقليتها الإسلامية ووجدانها بعد ثلاثة عشر قرنًا، حيث أوقف الغرب المتسلط بالسُلطان العسكري والسياسي نظام الحكم السياسي الإسلامي شريعة واقتصادًا وتعليمًا، وقد مضى في طريقه يعد كوادر مغربة سنوات طويلة، وقد أحس بأنه قد استطاع فعلًا السيطرة على هذه الأمة، وقد كشف ذلك هاملتون جب في كتابه «وجهة الإسلام» حيث تحدث عن تجربة التغريب التي تحركت قواتهم فيها عن طريق إرساليات التبشير من المغرب إلى أندونيسيا، وما حققت، «وكان ذلك عام ١٩٣٠»، العام الذي قالت فرنسا: إن الجزائر بعد مائة عام قد أصبحت اسمها فرنسا الجنوبية، ولكن اليقظة الإسلامية استطاعت أن تغير ذلك كله، وأن تفتح الأبواب أمام الأصالة والعودة إلى المنابع. 

لقد فرض على المسلمين منهج لم يستشاروا فيه، ولم يشكلوه، ولم يقبلوه، وإنما نفذ بسلطة سلطان الاستعمار العسكري والسياسي، فأوقفوا منهج الإسلام لأول مرة بعد ثلاثة عشر قرنًا، وقررت مناهج القانون الوضعي ونظام الربا الاقتصادي وأسلوب الليبرالية السياسية، وأسقط منهج التربية الإسلامي، وفرض منهج الغرب العلماني المفرغ من العقيدة والأخلاق.

فما نحن فيه الآن ليس أمرًا قد قبلناه أو ارتضيناه، ولكنه أسلوب فُرِض بنفوذ الغرب، ولو كانت لنا حرية الإرادة لأخذنا ورفضنا وفعلنا وعدلنا، وما كنا قد أستسلمنا على هذا النحو الذي وسع شقة الخلاف، حتى جاء اليوم الذي أصبح واضحًا أن التجربة الغربية لم تنجح، بل سقطت سقوطًا شديدًا، وتركت مجتمعًا مضطربًا، مليئًا بالثغرات، من خلال هذه الموجة العنيفة المضطربة التي قذفنا بها الغرب- من خلال الإباحة والتحلل والخمر وعلب الليل والسموم- بهدف تدمير شبابنا المسلم؛ حتى يقضي على الذخيرة الإسلامية المرتجاة، لقد بدأ الغرب ما امتلكه من قدرات علمية وتقنية حين رفض الطريق الصحيح للعلم على طريق الله- تبارك وتعالى- فأصبحت هذه الحضارة على نفس الطريق الذي انهارت فيه حضارة الرومان والفُرس.

لقد حال الغرب- ولا يزال يحول- بيننا وبين امتلاك إرادتنا، أو بناء مجتمعنا وحضارتنا على أساس منهج القرآن الذي عشنا في أحضانه أربعة عشر قرنًا؛ فدفعونا عن طريق تزييف منهج التعليم إلى أن نكون أولياء للثقافة الغربية، أو يكون ولاؤنا لأيدلوجيات ومناهج تختلف عن الأصولية الإسلامية، ولقد جربنا هذه المناهج الوافدة فلم نجد فيها إلا الهزيمة والنكسة والنكبة، فكان علينا أن نعود مرة أخرى إلى المنابع.

لم يعد هناك سبيل لإحياء أمة الإسلام إلا أن تعود إلى أصالتها، وأن تلتمس منهجها

الأصيل، ومن هنا فإن الدعوة الإسلامية في أصالتها كانت تؤمن بالإصلاح من نقطة الواقع القائم بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي من المنكر، وإقامة المفهوم الإسلامي الأصيل، وتصحيح العُرف القائم المنحرف في مختلف مجالات الفكر والاجتماع، وأن يقوم الإصلاح على أساس المنابع الإسلامية نفسها دون تأويل أو مغالاة، وأن يقدر فيه حساب الزمن وتغير الظروف والأوضاع، والاعتراف بأن أسلوب التربية الجامع «نفسًا وعقلًا وجسدًا» هو أمضى الأساليب.

كذلك فقد آمن المسلمون بأن لهم أسلوب حياتهم الخاص، ومفاهيمهم الخاصة التي تتلاءم مع عقيدتهم، ومن الخطأ أن يقتبسوا كل شيء بالنسبة لما هو سائد في الغرب، أو يحكموا عليه تلك المعايير الغربية التي لا تتناسب مع الثقافة الإسلامية ككل.

وقد تأكد المسلمون- بعد هذه التجربة الطويلة العميقة مع الغرب- أنه لا سبيل لهم لاستعادة مجدهم دنيا ونظام مجتمع، واستئناف حضارتهم إلا بالعودة إلى المنابع، والتماس مفهوم الإسلام الأصيل الجامع، ونفض اليد من كل هذه المعوقات والأكاذيب الخادعة التي خدعهم بها جيل من الرواد المغربين غشوا أمتهم، من أمثال طه حسين، وعلي عبد الرزاق، وسعد زغلول، ولطفي السيد، وغيرهم، الذين حاولوا إقناعهم بأن أسلوب العيش الغربي هو الذي يحقق لهم امتلاك الإرادة، وأن الغرب لا يريد لهم إلا أن يظلوا موردًا للخامات، وسوقًا للاستهلاك دون أن يمكنهم من امتلاك التقنية، أو إقامة الصناعات الثقيلة، أو بناء قواعد الحضارة المادية على النمط الإسلامي الذي يودون أن يقيموا على أساسه مجتمعهم وحضارتهم.

ولقد تبين أن اليقظة الإسلامية إنما بدأت بتصحيح المفاهيم، والتحرر من تلك الفاشية التي تمثلت في سحابة سوداء من الفكر اليوناني والفارسي والهندي الوثني الإباحي، التي عمت أفق الإسلام، وأنشأت تلك الجيوب- من الزنادقة والملاحدة ذوي الأسماء اللامعة الذين حملوا هذه السموم، وزينوها للناس، وأفسدوا بها أجيالًا، حتى حررهم الله- تبارك وتعالى- منها بظهور المجددين من أمثال الغزالي وابن تيمية وابن القيم وابن حزم.

وكان لا بد من العودة أولًا إلى قاعدة أساسية فولاذية رصينة، هي أن الإسلام منهج حياة ونظام مجتمع، وعليها ينبني الأساس المكين.

ولقد كان تاريخ الإسلام مفعمًا بالحيوية والحركة، ولم يتوقف يومًا عن تصحيح نفسه، وتصحيح مفاهيم العقلانية، أو الصوفية، أو الفلسفية التي حاولت أن تسيطر، وأن تستعلي وتمثل الإسلام.

فقد كان معروفًا في كل هذه المراحل من تاريخ الإسلام: أن الإسلام «ليس مجرد دين، أو عقيدة بالمعنى العام الشائع البسيط، كما أنه ليس مجرد مجموعة من القواعد السلوكية التي تنظم حياة الإنسان والمجتمع، إنما هو أسلوب كامل للحياة، يصل تأثيره إلى كل جوانب الوجود الإنساني، ويصبغها بصبغة خاصة متميزة، إنه يقود حركات الإنسان، ويوجهها في كل مضارب الحياة الفردية منها والاجتماعية، المادية منها والمعنوية، الأخلاقية منها والاقتصادية، والقانون والثقافة والقومية منها والدولية على السواء «دانيل عسير». 

فالإسلام نسق من المعتقدات بقدر ما هو طريقة للعبادة، إنه ثقافة وحضارة معًا، إنه نظام قانوني كامل وشامل، ونسق اقتصادي وأسلوب وطريقة للعمل، إنه سياسة وأسلوب للحُكم والإدارة، وهو يضع قواعد تنظيم الوراثة والطلاق مثلما يضع قوانين السلوك والتصرف في الحياة اليومية، وتوجيهات للملبس والمأكل والصحة العامة، إنه دين ودولة، أو دين وسياسة معًا.

لقد مضى المسلمون مخدوعين أو مبهورين وراء دعوات مدعاة بأن منهج الغرب يمكّنهم من مقاومة نفوذ الاستعمار، بأن يجعل المسلمين على درجة مساوية للغربيين، وأن مفاهيم الإسلام «الدين والأخلاق» قد هجرها الغرب منذ قديم، ومنذ هجرها فتحت له أبواب التقدم، وهذه مقولة مضللة قبلناها فترة من الزمن تحت تأثير هؤلاء المغربين الذين جاءوا من أوروبا، وسيطروا على مقاليد الفكر والثقافة والتعليم والصحافة، وبالرغم من أن حركة اليقظة الإسلامية نصحتهم بأن لا يستسلموا لهذه الخدعة؛ فإنهم مضوا في مرحلة الانبهار حتى جاءت «النكبة»، وتكشف للمسلمين أن الغرب قد مضى يواجه المسلمين بوجه، ويعمل بوجه آخر من خلال إرساليات التبشير وسموم الاستشراق، والسيطرة على الصحافة والتعليم وغيره، ومن خلال النخبة التي سيطرت، فسقطت الجبهة في يد النفوذ الصهيوني، ووقع الصراع بين المسلمين من ناحية، وبين الغرب والصهيونية والشيوعية في معسكرات ثلاث، تجمع في أعماقها على اقتلاع الإسلام، وتطرح في أفقه نظرياتها وأيدلوجياتها؛ فيصبح المسلمون شيعًا وأحزابًا إزاء الفكر الوافد، وقد غاب مفهومهم الأصيل تمامًا عن الأفق؛ حتى سقطت القدس؛ فأحس المسلمون بأن وجودهم قد أوشك على أن يتلاشى؛ فعادوا إلى أنفسهم يلتمسون منهجهم، حيث ثبت لهم تمامًا فساد المنهجين اللذين قُدما لهما خلال أكثر من سبعين عامًا، وتبيّن للمسلمين ما كان عليهم أن يعرفوه منذ اليوم الأول، وهو أن الغرب لن يكون في يوم من الأيام بالرائد الناصح الذي يهدي إلى امتلاك الإرادة؛ لأنه هو في حقيقة أمره يطمع في أن يدمّر في النفس المسلمة هذه الحصانة التي حصنه بها الإسلام تجاه الغزو الخارجي، وحين وصف له ضرورة المرابطة في الثغور، وعدم اتخاذ غير المسلمين بطانة، والذين تعرفهم في لحن القول، والذين يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، والذين يبسمون في وجوهكم فإذا مضوا ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (آل عمران: 119)، وقد حذر القرآن من الغفلة عن الحراسة، ودعا إلى استدامة القدرة على الردع، هذه حقائق كان على المسلمين أن يعرفوها مبكرين، ولكن حُسن ظنهم في أولياء الثقافات الغربية خدعهم؛ حتى وقعوا في النكبة والنكسة، ووجدوا أنفسهم أخيرًا في موقف يتطلب استعادة القدرة على امتلاك الإرادة وحماية البيضة.

الرابط المختصر :