العنوان تحت مئذنة الأقصى
الكاتب أحمد أبوالنجا
تاريخ النشر السبت 05-يونيو-2010
مشاهدات 61
نشر في العدد 1905
نشر في الصفحة 50
السبت 05-يونيو-2010
قصة قصيرة
نظرت مذيعة قناة «صوت الإسلام» لتلك الدماء وهي توجه كلامها للمصور قائلة بأسى واضح «يا لها من دماء طاهرة»، نظر المصور إليها ودموعها تغرق عينيها، ثم قال: «تمالكي نفسك يا أمنية، إن البث سيبدأ الآن، سيراك ألف وخمسمائة مليون مسلم»...
السلام عليكم معكم أمنية عبد القادر من قناة «صوت الإسلام»، من ساحة المسجد الأقصى، نبث إليكم لليوم الثاني على التوالي أخبار انتصارنا العظيم على اليهود في معركة السادس من رمضان سنة ١٤٤٠هـ، أهنئكم فقد استعدنا المسجد الأقصى.
معي اليوم، اللواء أركان حرب «فهد» رئيس أركان الجيش الإسلامي الموحد، ليخبرنا عن الملحمة، ويحدثنا عن قصص الأبطال:
- نود أن نعرف كيف تحقق الانتصار؟
- بسم الله الرحمن الرحيم، في البداية فإني أرى أن الانتصار هو عودة لمجد الأمة من جديد إن كل شبر في أرض القدس الشريف قد ارتوى بدماء شهيد.
- سيدي ما الخطة الإستراتيجية التي اتبعتموها لتفوزوا في المعركة الكبرى؟
- كانت الخطة تعتمد على تقسيم الجيوش الإسلامية إلى خمسة لواءات مقاتلة تشتبك أربعة منها مع العدو الصهيوني والصليبي على حدود مدينة القدس من الاتجاهات الأربعة، وأثناء هذا الاشتباك، يتجه اللواء الخامس لمحاصرة القدس للاستيلاء عليها ومنع الإمدادت عن العدو.
- وماذا كانت نسبة النجاح في تلك الخطة العسكرية؟
- نجحت الألوية الأربعة المقاتلة في إنزال خسائر هائلة في قوات العدو، وكانت نسبة النجاح تفوق الثمانين في المائة، أما بالنسبة للواء الخامس فقد لاقى صعوبات جمة في طريقه للاستيلاء على مدينة القدس ومنع اليهود من تدمير الأقصى كما هددوا بذلك إذا خسرت قواتهم الحرب، فقد استشهد معظم جنود هذا اللواء، فأعطيت الأوامر بالانسحاب وتأجيل الاستيلاء على القدس حتى تلتحم اللواءات الأخرى...
- وهنا فاجأت «أمنية» رئيس الأركان بهذا السؤال..
- كيف استشهد؟
قالت أمنية وقد بدأت الدموع تغرق عينيها من جديد: «يجب أن يعرف كل المسلمين قصة استشهاده».
نظر رئيس الأركان خلفه وأطال النظر إلى تلك البقعة التي تغطيها الدماء، وسكت قليلًا ثم أخذ يتحدث، وكأن الدنيا كلها قد سكتت معه وهو يحكي قصة استشهاده.
- إنه شاب من جنوب مصر، حديث التخرج، ويعمل مؤذنًا في مسجد القرية يشيد الجميع بأخلاقه وحسن سلوكه وتدينه، كان يبيت في المسجد حتى أذان الفجر ليعود إلى بيته ويكمل نومه ولكن ما لا يعرفه أهل القرية البسطاء أن سليم لم يكن ينام في المسجد، بل كان يقيم الليل كله قائمًا راكعًا ساجدًا لله، لا يريد أن يراه أحد وهو يتعبد بجنح الليل، يمر أهل القرية ليلًا بجانب المسجد فيسمعون بكاءه الذي لا ينقطع، وفي ليلة من الليالي مر شاب بجانب المسجد فسمع سليم يتلو هذا الدعاء: «ربي أريد أن ألقاك.. ألقاك بالشهادة يا الله كم أغبط صحابة نبيك كم فعلوا للإسلام يا الله، إن قلبي أسير كما هو الأقصى أسير، يا الله، أعد إلينا الأقصى، وشرفني بالشهادة تحت مئذنته يا رب استجب يا رب استجب»، أخبر الشاب أهل القرية الذين ازداد إعجابهم بسليم وقد أطلقوا عليه لقب «سليم.. أسير الأقصى».
وفي يوم من الأيام وبعد أن أذن سليم لصلاة العصر، دخل شاب إلى المسجد وهو يلهث، صارخًا بأعلى صوته: «أدرك يا سليم لقد فتح باب الجهاد للأقصى.. أبشر يا أسير الأقصى».
- أحان الوقت يا ولدي؟
قبل سليم يد أمه الضريرة قائلًا:
- «نعم يا أمي».
- أستعود يا ولدي؟
سكت سليم ولم يرد، فقالت الأم:
- ألن تخبرني قبل أن تذهب بذلك الحلم الذي حلمت به وقلت لي: إنك ستخبرني به، ولكن يوم أن يحدث ما تتمناه؟
فرت الدموع من عيني سليم وهو يقول:
- لقد وعدتك يا أمي، وسأفي بوعدي، حلمت برسول الله ﷺ يأخذني من يدي ويقف بي على تلة عالية تطل على المسجد الأقصى ويقول: «هناك يا سليم، عند المئذنة»، فقلت له: ماذا سيحدث يا حبيبي يا رسول الله؟ ابتسم لي ابتسامة لن أنساها وقال: «سيكون لقاؤنا»، ثم تركني وذهب وما زال مبتسمًا ﷺ.
- قالت الأم: يا بني الحبيب، اعلم أنك لن تأتي فقد وهبتك لله منذ نعومة أظفارك وعرفت أنه سيأتي يوم لن أراك يا ولدي، وأنا أحتسبك عند الله، نعم سأبكي كثيرًا ولكن كلها سويعات وآتي إليك، ولكن أوصيك يا ولدي أن تبلغ رسول الله ﷺ السلام.
بكى سليم وودع أمه وأهل قريته جميعًا الذين زفوه إلى القطار الحربي الذي يمر على القرى يجمع المتطوعين والجنود، ترك القطار محطة القرية وذهب بلا عودة، أخذ سليم ينظر لتلك المزارع الخضراء والحقول الواسعة، ولكن عينيه لم تكن ترى إلا شيئًا واحدًا فقط، مئذنة الأقصى.
ها قد جاء اليوم يا جنود الإسلام، ستركبون طائراتكم التي ستهبط بكم أمام موقع الاشتباك الدائر بين قوات جيشنا الإسلامي الموحد والقوات المعادية، أنتم جنود اللواء الخامس ستنضمون لباقي اللواء المتقدم إلى مدينة القدس، مهمتكم محاصرة المدينة وقطع إمدادت العدو ثم الاستيلاء عليها، وفقكم الله.
ركب سليم ورفاقه العربة العسكرية المتجهة إلى موقع القتال الدائر بين اللواء الخامس والعدو، خرج الجنود من السيارة ليجدوا القذائف في كل مكان وجثث الشهداء تغطي الأرض كحبات الرمل، أدرك سليم أن المعركة لن تكون سهلة أبدًا، فأخرج عمامة خضراء ربطها على جبينه، كتب عليها «كتيبة الموت، تحت مئذنة الأقصى» ثم خاطب رفاقه قائلًا:
إن الجميع يرى فينا كتيبة الضعفاء من المتطوعين، ولكن لنثبت لهم أننا لسنا إلا كتيبة للموت كتيبة الأقصى، موعدنا ليس هنا يا سادة، فكما ترون أن مهمتنا الاستطلاعية قد أراد الله لها الفشل، فالحرب قد بدأت والقتال قد اشتد ولا يوجد لنا مكان إلا هناك»، ثم أشار بيديه باتجاه مئذنة الأقصى التي تظهر من بعيد كنقطة في الأفق وصرخ بأعلى صوته: «موعدنا هناك تحت مئذنة الأقصى»، ثم أخرج خمس عشرة عمامة خضراء كتب عليها «كتيبة الموت» وأعطاها لجنوده فارتدوها، ثم قال: هيا بنا للنصر أو الشهادة ولا تنسوا فموعدنا هناك»، صرخ الأبطال صرخة الموت واخترقوا الصفوف وبدؤوا القتال.
نظر جميع المقاتلين والقواد من حولهم لتلك الكتيبة المكونة من ستة عشر فردًا يلفون عمامات خضراء حول جبينهم كُتب عليها «كتيبة الموت» وهم يقاتلون كالأسود، يزلزلون صفوف العدو، ويسقطون القتلى بالعشرات فألهبوا جيش المسلمين وتوالت الصرخات القتالية وارتعب اليهود مما يرونه، فهذه الكتيبة لا تعني بالنسبة لهم إلا شيئًا واحدًا فقط.. «الموت».
من رئيس قوات اليهود، إلى قائد الجبهة الشمالية: احذر الكتيبة الخضراء، إنها من قوات العمليات الخاصة لجيش المسلمين، يقاتلون بطريقة لم نرها من قبل، كأنهم لا يخشون الموت ركز النيران عليهم، إن لم تقض عليهم سيدخلون القدس ومن ورائهم باقي الجيش.
«الله أكبر، اقتلوهم يا جنود الإسلام، ستجدونهم يختبئون خلف الصخور والأشجار، كأني أسمع الصخور تخبرنا بمكانهم»؛ قالها سليم وهو يدك أعناق اليهود برصاصه الذي لا يتوقف، وكلما نظر إلى مئذنة المسجد وهي تقترب زاد دعاؤه لله أن يصل إلى هناك تحت مئذنة الأقصى ليقابل الحبيب، فلم يشعر بتلك الرصاصات التي تخترق جسده، وهو لا يزال يقاتل، يقع أرضًا ولكنه يقوم من جديد كأن الروح قد عادت له، فما زالت المئذنة هناك حيث أشار الحبيب، اللقاء ليس هنا ولكن تحتها.
ابتسم الشهيد عندما سقط أرضًا هذه المرة لا سيما عندما نظر فوقه فرأى المئذنة، ففاضت روحه وقد حقق الوعد وما زالت الابتسامة ترتسم على وجهه الملطخ بالدماء.
كانت أمنية تتكلم بصعوبة ودموعها تفر منها فرًا وهي تقول:
- سيدي رئيس الأركان، هل استشهد فعلًا تحت المئذنة.
- نظر رئيس الأركان إلى بقعة الدماء التي توجد بجانب حائط المسجد، ثم نظر إلى السماء حيث توجد المئذنة مباشرة فوق تلك البقعة، وابتسم وهو يمسح دمعة فرت من عينيه، وهذه هي المرة الأولى التي يرى فيها المشاهدون رئيس الأركان يبكي منذ بداية الحرب وحتى انتهائها.