; د. عدنان زرزور رئيس قسم التفسير والحديث بكلية الشريعةـ جامعة قطر- يتحدث لـ المجتمع عن تحديات الثقافة الإسلامية ومشكلات علومها | مجلة المجتمع

العنوان د. عدنان زرزور رئيس قسم التفسير والحديث بكلية الشريعةـ جامعة قطر- يتحدث لـ المجتمع عن تحديات الثقافة الإسلامية ومشكلات علومها

الكاتب حسن علي دبا

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997

مشاهدات 65

نشر في العدد 1237

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 04-فبراير-1997

حوار

أول حوار مع الفائز بجائزة السلطان حسن بلقية الإسلامية

  • المواكبة والمعاصرة تحتاج إلى مراجعة فكرية، وتجديد «القول» في العلوم الإسلامية يحتاج إلى جهد خاص.
  • النزعة العقلية للمعتزلة يمكن توظيفها في الدفاع عن الإسلام اليوم بغض النظر عن النتائج التي توصلوا إليها، والتي لا نوافقهم عليها.
  • تطاول نصر أبو زيد على القرآن قضية معادة منذ مائتي عام عندما وقف الأوروبيون من نصوصهم الدينية موقف العداء.

لم يكن فوزه بجائزة السلطان حسن بلقية للدراسات الإسلامية مفاجأة للمراقبين والمثقفين، فقد ظهرت بوادر رؤى الدكتور عدنان زرزورـ أستاذ التفسير والحديث بكلية الشريعة جامعة قطرـ في عدد من أطروحاته وكتاباته وأبحاثه العلمية ومؤلفاته التي تقارب العشرين مؤلفًا. 

وقد ولد الدكتور عدنان زرزور في مدينة دمشق عام «١٣٥٨هـ - ۱۹۳۹م»، ودرس الشريعة والحقوق وتخرج في كلية الشريعة عام ١٩٦٠م، وكان بذلك أول خريج يتخرج في هذه الكلية بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف، وعمل معيدًا بها، ثم حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من كلية دار العلوم بالقاهرة، وعاد إلى دمشق عام ١٩٦٩م، حيث عمل مدرسًا بكلية الشريعة، وتدرج في سلك التدريس حتى أصبح رئيسًا لقسم العقائد والأديان ثم وكيلًا لكلية الشريعة عام ۱۹۸۰م، ثم التحق بعد ذلك بجامعة الإمارات، ثم جامعة قطر التي يعمل بها حاليًّا رئيسًا لقسم التفسير والحديث بكلية الشريعة التقته المجتمع في أول حوار بعد الإعلان عن فوزه بجائزة السلطان حسن بلقية الإسلامية وحاورته حول تحديات الثقافة الإسلامية ومشكلات علومها ورؤيته للتراث الفكري، وأهمية تعدد المفاهيم والنظرة الصحيحة للتراث الإسلامي والارتباط بين التفسير ونهضة الأمة.

  • أعلم أن لكم رؤية تجديدية في علوم الثقافة الإسلامية، بيد أنني أود أن نستبصر آفاق المشكلات التي تقابل هذه العلوم أولا. 
  • المشكلة أن العلوم الإسلامية عمومًا توضعت على نحو تراثي أو تاريخي معين، وأخذت سماتها، علوم القرآن، علوم الحديث، الفقه، أصول الفقه، العقيدة الإسلامية، وتجديد القول في هذه العلوم يحتاج إلى جهاد، لا أقول جهد خاص، بل تحتاج إلى جهاد جماعي، وقد عقدت بعض الندوات أو المؤتمرات حول تطوير علوم الشريعة.

لكن الثقافة الإسلامية بعلومها المتعددة مرت تقريبًا بثلاثة أطوار: طور التأسيس، وطور الازدهار ثم تبع ذلك عصر الفتور، وكان عصر التأسيس في القرن الأول والثاني، ثم نمت المعارف الإسلامية تقريبًا واستوت على سوقها، في القرن الرابع، على الرغم من أنه كان عصر تمزق سياسي ودويلات، لكنه من الوجهة العلمية قد استوت فيه المعارف وتوضعت بشكلها الناضج ولا أقول النهائي، حتى إن بعض المستشرقين دعاة عصر النهضة في الإسلام «آدم متز» الذي ألف كتابًا من مجلدين بعنوان «عصر النهضة في الإسلام» وقد ترجم الكتاب د. محمد عبد الهادي أبو ريدة وجعل عنوانه «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري» أو «عصر النهضة في الإسلام»، ولو أن الأمر بيدي لأبقيت العنوان الأساسي..

  • ماذا تعني المواكبة أو المعاصرة لعلوم الثقافة الإسلامية اليوم؟
  • المواكبة والمعاصرة تحتاج إلى إعادة صياغة وتفكير مُبتدأ، وقد كتبت بحثًا في هذه القضية قُدِّم إلى مؤتمر تطوير الشريعة الذي عقد في عمان منذ عامين، وفيه حديث عن كيفية تطوير التفسير، وتطوير علم العقيدة وتاريخ الأديان وأصول الفقه ومصطلح الحديث، وبه نقد قد يراه بعض الناس حادًا، ولكنه لابد منه، وقد أثير الإشكال حول أصول الفقه ومصطلح الحديث، وهما من أبرز علوم الإسلام على الإطلاق، ولعلهما من خصائص الثقافة الإسلامية، لأنها تدور حول النص، فشرح النص أو تفسيره يحتاج إلى قواعد وأصول فقه، وثبوت النص يحتاج إلى علم هو مصطلح الحديث، ولذلك كان هذان العلمان من خصائص الثقافة الإسلامية، ومع ذلك فنحن الآن نعيد تكرار ما قاله الأوائل بمعنى أنني أُعلِّم طلابي وأحفظهم أصول الفقه، هل أدربهم على الاجتهاد؟ لا، بل أحفظهم القواعد التي استخدمها الأوائل، لكن آثارها في عملية الاجتهاد تكاد تكون معدومة.

إن مصطلح الحديث كان يجب أن يؤدي دوره منذ عشرة قرون، فقد نشأ في الأصل من أجل التأكد من صحة الحديث، وهذه المرحلة يجب أن تكون سابقة، ولكنه مستمر على حاله مع الأسف، فأغلب الرسائل العلمية تدور حول تخرج الأحاديث، وكان يجب أن تكون حول مضامين الأحاديث، العلوم الإنسانية والاجتماعية في مضمون الأحاديث، الأخلاق والاجتماع والتربية، كل هذا يحتاج إلى بناء جديد.

كيف يكون علم العقيدة المعاصر؟

  • وماذا عن رؤيتكم الجديدة لعلم العقيدة أو ما تصوركم لمعاصرته؟
  • علم العقيدة على النحو الذي تمت كتابته حتى الآن من خلال علم الكلام بداية بالمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والمرجئة، نشأ في ظروف خاصة وظروف دفاعية، فعلم الكلام علم دفاعي، وليس قادرًا على إعادة صيانة العقيدة الإسلامية بما يملأ العقل والنفس بما يوازي آفاق القرآن الكريم في عرضه لهذه العقيدة.

أما تصحيح العقيدة وإعادة بنائها من جديد بعيدًا عن خلافات المتكلمين، فإن بعض الناس يرى الأمر سهلًا ويكتفي أن هذا الحديث يقول كذا، لكن هذه الأحاديث والآيات تحتاج مرة أخرى إلى عملية كالعملية السابقة: تحتاج إلى اجتهاد، لكن هذا الاجتهاد يجب ألا تكون ظروفه موازية لظروف الاجتهاد الذي كان في القرن الثاني والثالث في هذا الباب يقينًا، لكنني الآن أعلم الطالب في أكثر الأحيان: هذا رد على الفرقة الفلانية، بيد أن هذه الفرقة ليس لها وجود أصلًا، فلماذا يكون هذا الأمر على تلك الصورة؟ وفي بعض الجامعات يُدرس كتاب البغدادي «الفرق بين الفرق» الذي يقول إن الفرق الإسلامية سبعون أو أربع وسبعون، أين هذه الفرق؟ لقد جاء البغدادي فحدد هذه الفرق في القرن الخامس الهجري، هل معنى ذلك أن الأمة الإسلامية انقطعت بعد القرن الخامس، لم يعد هناك افتراق آخر يفهم من حديث الافتراق؟! هذا خطأ..

علوم القرآن واهتمامي المبكر

  • هل لنا أن نعود إلى صلتكم المبكرة بعلوم القرآن التي كانت علمًا في حصولكم على الجائزة؟
  • قامت دراساتي الأكاديمية القديمة حول التفسير، فقد حققت في الماجستير كتاب القاضي عبد الجبار «متشابه القرآن» وأنشأت مقدمة ودراسة للموضوع، ونشر في نحو «۹۰۰» صفحة في مجلدين، ثم بعد ذلك دراستي للدكتوراه عن مفسر يعتبر من تلاميذ القاضي وهو الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير، ومع الأسف فإن الكتاب لا يزال مخطوطًا، حتى الآن، طبعت الدراسة لكن الكتاب الذي دارت حوله الدراسة لم يزل مخطوطًا، وحققت منه الجزء الأول، لكني اشتغلت بالكتابة بعد ذلك، ويمكن لبعض الطلاب أن يتابعوا ذلك لأنه من التفاسير المهمة.
  • هل يمكن لنا أن نتساءل: لماذا المعتزلة؟ وما قيمة تراثهم الفكري الذي كان محل دراستكم في العصر الحاضر؟ 
  • إن الرجوع إلى كتب أصحاب المذاهب يحل كثيرًا من المعضلات التاريخية، فقد أخذت آراء الفرق مع الأسف من كتب خصومها، وكنا نقرأ عن المعتزلة في كتب الأشاعرة التي تتلمذنا عليها في المراحل المختلفة، ثم عندما رجعنا إلى كتب القوم أنفسهم وجدنا أن قسمًا كبيرًا من هذه المشاكل ليست موجودة، كأن الناس يحملون على خصومهم أو يقوِّلونهم ما لم يقولوا، فلابد من حل هذه المعضلة التاريخية، لا بطريق الانتماء إلى فرقة لأن هذا انتهى نهائيًّا، ولا عن طريق إعادة الانتماء وإعادة النزول إلى ساحة لم يعد لها وجود، ولكن عن طريق الدراسة الموضوعية لإعطاء كل ذي حق حقه، وإذا كان عند المعتزلة نزعة عقلية - بغض النظر عن النتائج التي قد لا نوافقهم عليها ـ فإني أستطيع الآن توظيفها للدفاع عن الإسلام وشرح عقائده. 
  • إذن يمكننا الآن أن نتوقف عند رؤيتكم للتراث الذي تمتلكه الأمة وكيفية النظر إليه والتعامل معه، وهل هناك خصوصية معينة في التراث العربي الإسلامي؟
  • يتمثل تراثنا - المكتوب أو المدون على وجه الخصوص - في صور الفهم والتنزيل للكتاب والسنة من قبل المجتمعات الإسلامية السابقة، بالإضافة إلى ما قبله المسلمون من تراث الأمم الأخرى أو جادلوهم فيه، أو نافحوا عن الإسلام من خلاله، وعلى هذا فالقرآن الكريم ليس فوق التراث أو خارجه، بمعنى العزل أو الإقصاء تحت عنوان «البركة» الدينية! ولأي سبب آخر، ولكن على معنى أن نصوص القرآن لا تخضع لحركة التاريخ، لأن هذه الحركة أصلًا دارت حوله عبر عصور التاريخ الإسلامي المختلفة، ولابد لها أن تفعل ذلك في جميع العصور، أما «التراث» فهو يخضع لحركة التاريخ، وغني عن البيان أن ما تشكل داخل هذه الحركة سوف يخضع لها بطبيعة الحال. 

هذه الفكرة أفضت بي إلى ملاحظة الفرق بين الثقافتين الأوروبية والإسلامية بوصف الأولى صنعها التاريخ والثانية صنعت التاريخ، وقد أفردت هذه الملاحظة ببحث مستقل.

بين التراث الإسلامي والأوروبي

  • كيف ترون تعامل الدارسين مع التراث العربي والإسلامي اليوم؟
  • إن معظم الدارسين تعاملوا أو حاولوا التعامل مع التراث الإسلامي على نحو ما تعامل الأوروبيون مع تراثهم في عصر النهضة، وظنوا أن التماثل في هذا التعامل يحقق نهضة مماثلة كالتي حققها الأوروبيون عندما لم يهملوا تراثهم ولكن تعاملوا معه على نحو ما، ولا أعتقد أن الأمر قابل للمقابلة أو للمساومة تمامًا، لأن الأمر مختلف تمامًا.. قبل قليل ذكرنا أن التراث فإذا كان تعاملنا النصراني دخله التحريف في عصر مبكر بمعنى أنه تراث إنساني في الأصل، طابعه العام ديني، لكنه في الأصل وضعي، بمعنى أن الأوروبيين انتقلوا من الدين للعقل في مراحلهم المختلفة من عصر الدين إلى عصر العقل، انتقلوا في الحقيقة من عصر وضعي إلى عصر وضعي، لأن دخول التحريف والتبديل في الدين منذ وضع مبكر أدخله في الوضعية كأن الأمر انتقال من عقل فاسد إلى عقل صحيح إن صح التعبير، لكن الأمر بالنسبة للإسلام ليس هكذا.

ونحن نحاول أن نتلمس أسباب النهضة من خلال التعامل مع التراث، فإذا كان تعاملنا مماثلًا للتعامل الأوروبي مع التراث فسوف نخطئ كثيرًا، لأن الأمر مختلف، وهذا الكلام هو الذي يطرح الآن، فنصر أبو زيد يتطاول على القرآن، من أين أخذ الكلام؟ من موقف الأوروبيين من نصوصهم الدينية، وهذه قضية معادة ومكرورة لأكثر من مائتي عام، ليس فيها جديد.

  • ما دور البيئة والظروف التي أحاطت بها في فهم النص القرآني؟
  • القرآن والسنة لجميع العصور وتخاطب بهما جميع الأجيال، على الرغم من أن نزول القرآن في لحظة تاريخية معينة لا يعني خضوعه لظروف البيئة أو ظروف تلك اللحظة التاريخية.
  • لكنه خاطب كثيرًا من مظاهر البيئة التاريخية السابقة! 
  • هذا موضوع يزعجني جدًا، وأنا أكره من كُتَّاب علوم القرآن القدامي والمعاصرين أن يفرقوا بين المكي الذي وقع الخطاب فيه لأهل مكة، والمدني ما وقع الخطاب فيه لأهل المدينة.. هذا الكلام غير صحيح وغير لائق أيضًا لأن القرآن لم ينزل لأهل مكة وحدهم ولا لأهل المدينة وحدهم، بالعكس فإن بعض الباحثين المعاصرين حاول إثارة هذه القضية «د.حسن حنفي»، وبيان أن النص القرآني أي الوحي خضع أو كان استجابة للواقع، لا لم يكن استجابة للواقع! على النحو الذي نفهمه نحن الآن، ولكن القرآن نزل ابتداء..
  • هل هناك أمور متأثرة بالواقع في القرآن فيما ترون؟
  • نعم، لكن الواقع هنا نموذج إنساني، والواقعة التي ينزل القرآن بشأنها كأن معناها أنه آن أوان الحديث عن هذه القضية، لكن الحديث فيما بعد عام وهذا ما لاحظه الأصوليون القدامى عندما قالوا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فخصوص السبب يعني الحادثة التي استدعت ظهور الحكم وإن صح التعبير أو نزول الحكم ووضعه موضع التنفيذ، ولكن هذا يمثل حالة إنسانية مستمرة إلى يوم القيامة وليست خاصة بالبيئة يقينًا، فالقرآن به ستة آلاف آية، والآيات التي نزلت بسبب نزول لا تعدو مائتي آية من ستة الآف، وهذه الآيات «المائتان» إذا راجعناها الآن لا يصح منها «من رواية أسباب نزولها»، ما يعد بالعشرات، وهي الحالات التي استدعت ظهور الحكم، فالقرآن يهدم أوضاع الجاهلية وينشئ أحكامًا جديدة، في نسق هدم أوضاع الجاهلية وإقامة بناء عليها إلى الحالة التي استدعت ظهور هذا الحكم أو وضعه موضع التنفيذ فكانت الحادثة أو السؤال الذي سئل، أي أن الذهن قد تهيأ للوصول إلى هذه المرحلة، ولكن الأمر ليس خاصًا بها، بل هو عام ومطلق إلى يوم القيامة.

بين الدين والدنيا

  • هل يمكننا الربط بين تقدم المسلمين في العلوم الثقافية الدينية وعلوم الطبيعة على مر العصور؟ 
  • مع الركود الذي كان في الحياة الإسلامية وعدم تعامل المسلمين مع الكتاب التعامل الأمثل، كان المسلمون قد أصابهم التوقف في التعامل مع علوم الدين وعلوم الطبيعة أو العلوم الثقافية، والعلوم التطبيقية، وقد شرحت ذلك في بعض كتبي، لكنني أذكر باختصار أن المتتبع لمسيرة الحضارة الإسلامية يلاحظ أن المسلمين كانوا إذا تقدموا في علوم الدين تقدموا أيضًا في علوم الطبيعة أو الكون، وإذا تخلفوا في أحد الجانبين تخلفوا في الجانب الآخر، فإذا حاولت الآن أن أرسم خطًا بيانيًا لتقدم المسلمين في العلوم الثقافية الدينية، وخطًا بيانيًا آخر لتقدمهم في العلوم التجريبية لتطابق الخطآن، فهم يتقدمون في كلا الجانبين ويتأخرون فيهما أيضًا.

ولنأخذ مثالًا من القرن الثاني الهجري إلى آخر تواجدنا في أوروبا، ففي القرن الثاني الهجري بواكير النهضة وسمي عصر الاجتهاد، وقد شهد ولادة فقه أبي حنيفة والإمام مالك والإمام زيد والإمام الشافعي والإمام أحمد وحركة العقل، وفي الوقت نفسه تم قياس محيط الكرة الأرضية في عهد المأمون، وأروقة دار الحكمة «الفلسفة» العلم التجريبي واكتشاف النظام العشري والمثلثات، وفي الوقت نفسه نرى أن ابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية كان أستاذًا في الفقه الشافعي، وكاتبا في النحو، ومكتشفًا للدورة الدموية الصغرى.

التخلف متصل

  • في رأيكم ما الذي غيَّر الموقف الحضاري وجعل الغلبة للغرب بعد ذلك؟
  • عندما غزتنا الحضارة الأوروبية كنا نشك في كروية الأرض، وكنا نشكك في إيمان من يقول بالكروية أيضًا، صار التخلف في كلا البابين الباب العقائدي والباب الطبيعي مثلًا، وعندما أراد المسلمون اللحاق بركب التقدم ظنوا مثل ما فعل طنطاوي جوهري الذي يؤجر على نيته أكثر مما يؤجر على عمله - رحمه الله - الذي أراد أن يعيد اتصال المسلمين بعلوم الطبيعة على هذا النحو، فأخذ نتائج العلم الأوروبي وأودعها في كتابه، وكان له فضل الإخلال بطرق المفسرين قبله من الركود الذي كانت عليه، لكن تعديله كان به نوع من الذهاب للطرف المقابل على أساس أخذه النتائج العلوم في الزراعة والطب والفلك، ولمجرد أن الآية لها علاقة بالسماء أو البحار فكأنك تقرأ كتابًا في علم البحار أو علم الأسماك أو شيئًا من ذلك، وهو نوع من رد الفعل من ناحية لكنه من ناحية أخرى أخل برتابة كتب التفسير والجمود الذي كانت عليه، فيحمد له هذا، لكن طريقة التفسير الجديدة ليس معناها نقل علوم الآخرين ووضعها في كتب التفسير لا، ولكن تجديد طريقة التعامل مع النص القرآني بمعنى أن القرآن الكريم موضوعه الأساسي الإنسان وليس الطبيعة، والحديث عن الطبيعة جاء في سياق التسخير والانتفاع وفي سياق التفكير، لكن الأصل أن القرآن منهج وتشريع ودستور يرسم صورة الحياة الأمثل للإنسان وليس كتابًا في الطب أو الكيمياء، فموضوع الطبيعة في القرآن يمكن تلخيصه في أن القرآن كشف للإنسان عن نفسه وأعطاه مفاتيح اكتشاف الطبيعة من حوله، فالاكتشاف من عمل الإنسان.
  • تتصل قضية التنجيم التي تملكون فيها رؤى جدية بمسار الثقافة الإسلامية عامة، فهل يمكننا التوقف بشيء من المقارنة بين الثقافة الإسلامية والأوروبية وعلاقتها بصنع التاريخ. 
  • تبين لي - بالمقارنة بين الثقافة الأوروبية والثقافة الأوروبية والثقافة الإسلامية - أن الثقافة الأوروبية من صنع التاريخ الأوروبي، فقلت هي صناعة صنعها التاريخ، تأخذ منه، لكن الثقافة الإسلامية هي التي صنعت التاريخ، لأن بها ثوابت هي القرآن والسنة، وهنا وجدت أنني  بين ثقافتين: ثقافة صنعها التاريخ وثقافة صنعت التاريخ، وسوف أكتب في هذا الموضوع كتابًا موسعًا، لكنه تسلسل في ذهني إلى نقطة هامة هي التي وصلت فيها إلى تنجيم القرآن من زاوية أنه على الرغم من الثقافة - أو النظرية تجاوزًا - هي التي صنعت التاريخ، لكنني أقول أيضًا بالعكس هي التي صوبت مسار التاريخ أيضًا.

فالآيات تنزل ويستجيب لها المجتمع بالتطبيق، فإذا أخطؤوا في التنفيذ نزلت الآيات مرة ثانية لتصويب حركة التطبيق والتنفيذ، فهي من الفوائد التي لم يذكر العلماء السابقون تصويب حركة التطبيق وتصويب حركة التنفيذ، والأمثلة على ذلك في القرآن في غاية الوضوح، ففي غزوة أحد التي يقول بعض المفسرين: إن الهزيمة التي وقعت كانت بسبب غير مباشر للشورى، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان له رأي أن يتحصن بالمدينة، ولكن نزولًا عند رأي الجماعة خرج لظاهر المدينة، وطبقًا لكلامهم لو أردت أن استنبط حكمًا من هذا لقلت إن الشورى فاسدة لا تلزمني.. لكن القرآن نزل ليقول لا: ﴿وشاورهم في الأمر﴾، بمعنى أنه حتى لو انبنى على تلك الشورى شيء، فهذا لا يلغي المبدأ. 

وتصويب حركة التنفيذ ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ (سورة آل عمران: 165)، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ (التوبة: 25) فلا اكتفي بالقول إن ثقافتي هي التي صنعت التاريخ، أن أقول إن النظرية الإسلامية كانت تصوب مسيرته أيضًا حتى يستوي على سوقه.. لماذا؟ لأن جيل الصحابة يراد له أن يكون جيلًا يحتذى.. جيلًا طليعيَّا نموذجيًّا، تحتذي به سائر الأجيال، فإذا أخطأ تأتي الآيات وتنزل.

وهناك فوائد للتنزيل منجمًا أيضًا، وهذه أشياء إضافية قد تنبهت إليها منها: إثبات نبوة النبي عليه الصلاة والسلام من زاوية جديدة، وهي أن القرآن الكريم بوصفه آخر الكتب السماوية وثق حياة الأنبياء السابقين وقصصهم مع أنبيائهم، توثيقًا إلهيًّا نزل في القرآن الكريم، ولو أن القرآن نزل مرة واحدة، فمن يوثق حياة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهذه نقطة في غاية الأهمية، ومهما بلغت عدالة الموثق من الناس، فلا تبلغ درجتهم درجة التوثيق الإلهي. 

إذًامن طبيعة الرسالة الخاتمة أن ينزل كتابها منجمًا، العقل يرتضي ذلك، وفي هذا التنزيل تاريخ حتى يتسع لحياة من تسلم ويوثق حياته إلى حياة الأنبياء السابقين، وكل هذا دخل على السياق ليثبت لنا أن تفسير القرآن في القرن القادم يمكن أن يصير فيه شيء جيد في القرن القادم، على الأقل كما قلت في ضوء تنجيم التنزيل هذه الفترة الطويلة، في ضوء جملة من المبادئ والأسس التي لا خلاف عليها بين أحد من الفقهاء والمفسرين، فلا يمكن أن يكلف القرآن الإنسان بما لا يطيق.

العلوم الإنسانية: أوروبيات

  • عبر دراستكم للثقافة الإسلامية وتدريسكم لها ما الذي تبين لكم من حقيقة بشأن عالمية العلوم الإنسانية التي يتم من خلالها التأثير الفكري خاصة في جامعاتنا الإسلامية؟
  • إن جامعاتنا ومعاهدنا العلمية الحديثة دارت مناهجها منذ عصور النشأة والافتتاح حول الثقافة الأوربية حتى كادت تفعل فعلها في تشكيل عقل المسلم المعاصر، بل في تحديد معالم شخصيته وقد أشاعت هذه الثقافة تحت عنوان: العلوم الإنسانية والاجتماعية، أو الإنسانيات: مناخًا علميًا، أو مناخًا وضعيًّا علمانيًّا ينزع إلى أصول دينية «مسيحية»، في بعض الأحيان! نظرًا لأن هذه الإنسانيات لم تكن في فحواها أكثر من «أوروبيات».
  • وفدت الثقافة الأوروبية إلى العالم الإسلامي ولم تزل قائمة.. كيف ترون الموقف الحضاري الذي يحكم مسار هذا التداول؟
  • لقد قبلنا الثقافة الأوروبية أو طلبناها بوصفها ثقافة جديدة وجاهزة في أعقاب عصر الركود الذي انتهى إليه العالم الإسلامي عشية الغزو الاستعماري الحديث، والأمر الهام في هذا السياق أننا ما نزال نكرس بين ظهرانينا هذه الثقافة تحت عنوان «العلوم الإنسانية والاجتماعية»إننا ترجمنا وقبلنا «العلم التجريبي»، الذي تابع فيه الأوروبيون وبلغوا فيه شأوًا بعيدًا لأسباب كثيرة - وحق لنا أن نفعل ذلك، بل كان الواجب أن نفعل ذلك بكل تأكيد - ترجمنا وقبلنا الثقافة الأوروبية تحت عنوان مضلل، أو تحت فهم مضلل لعنوان «العلوم الإنسانية والاجتماعية».
  • لكن العلوم الإنسانية يمكن أن تحتوي شيئًا مما هو عام بين الشعوب، خاصة حين يتعلق الأمر بالإنسان نفسه في الأمور العامة؟
  • هذا العنوان مقبول حين يقصد به أن هذه «العلوم»، موضوعها الإنسان، ولكنه مرفوض حين يقصد به أن هناك نسخة واحدة تنسخ من هذه العلوم لجميع الأمم والشعوب! والواقع أننا مازلنا نعيش - باعتبارنا مسلمين. عصر هذه النسخة الأوروبية في الفلسفة والتربية والأخلاق والاجتماع والقانون، وأكاد أقول: اللغة والتاريخ وسائر المعارف المتعلقة بالإنسان وما تزال جامعاتنا ومؤسساتنا ومعاهدنا العلمية تكرس هذه النسخة يومًا بعد يوم وجيلًا بعد جيل. 

وهذا أحد الأسباب التي حملتنا على ضرورة مقابلة «العلم التجريبي» بثقافات الأمم والشعوب، وليس بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، حتى ندفع عن أنفسنا وهم الاعتقاد بوجود «معارف إنسانية» أو بعبارة أدق «معارف ثقافية» تنسخ منها نسخة واحدة لجميع الأمم والشعوب.

إن ما يسمى أو يطلق عليه في العادة «العلوم الإنسانية والاجتماعية»، ثقافي وليس «علميًّا»، إن صح التعبير! بمعنى أن كل أمة من الأمم عبرت عنها من خلال «ثقافتها»، أو معارفها الثقافية الخاصة بها، ولهذا فإن هذه المعارف إذا ما قورنت بالعلم التجريبي فإن أهم ما تتصف به صفتان: الأولى: أنها ليست واحدة، ولكنها متعددة بتعدد الثقافات، والصفة الثانية: أنها ليست ثابتة ولكنها متبدلة ومتغيرة، ولا أقول: متطورة! لأن التطور قد يعني الارتقاء، وما يجري على هذه المعارف في الإطار الأوروبي أو غيره، قد يمثل في عصر تاريخي لاحق «تخلفًا» وانتكاسًا ورجوعًا عن الصواب إلى الخطأ، وعن الحق إلى الباطل، فضلًا عن الأخطاء والأوهام التي تلحق بهذه المعارف في جميع العصور.

تناقضات الثقافة الأوروبية

  • هل ترون الثقافة الأوروبية وأحكامها قد أثبتت صحة محددة أم أن هناك بُعدًا خافيًا عبر التاريخ؟
  • إن الاختبار الحقيقي لصحة أحكام الثقافة الأوروبية وصواب منهجها في التعامل مع النفس والإنسانية كان بحاجة إلى عقود أو أجيال، بل ما كان لنتائجه أن تظهر في عقود الحماسة وردود الأفعال، وفي ظل حركة التوسع «والفتح» والكشوف والمبرر الاستعماري الأوروبي ولا في ظل التناقضات والتحديات الداخلية الحادة التي بلغت ذروتها في الحربين الكونيتين! حتى إذا امتدت بالحضارة الأوروبية حياة الأمن والاستقرار في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ظهر من تناقضات ثقافة القوم وعللها وآثارها في النفس والمجتمع ما كان خافيًّا أو ليس بمنظور.
  • هل ترون الحضارة الأوروبية الآن - من خلال ثقافتهاـ تحتاج إلى إعادة نظر من وجهة نظر العالم الإسلامي؟
  • إننا نعتقد أن علاج الأمراض التي باتت تعاني منها شعوب الحضارة الأوروبية «الترف، وفقدان المبررات، الشيخوخة، انتشار المخدرات والأمراض الناجمة عن الانحلال، تحلل روابط الأسرة، الجريمة..» يجب التماسه في إعادة النظر في النمط الثقافي السائد وحصيلة المفاهيم والقيم التي أشاعتها هذه الثقافة حول الدين والحرية والفن والأخلاق والأسرة والسياسة والمسؤولية والروح والمادة، وصناديق الانتخاب وحق التشريع والأمن.
  • في مراحل الحياة المختلفة يتأثر أساتذة اليوم بمفكرين وأساتذة سابقين يتركون في مسيرتهم الفكرية وحياتهم الثقافية أثرا مميزًا.. بمن تأثر د. عدنان إذًا؟ 
  • لم أتأثر بكاتب خارج مقاعد الدرس كما تأثرت بعباس محمود العقاد - رحمه الله - ولم أر له نظيرًا بين أصحاب الأساليب من الأدباء والنقاد والكتاب.

ولا أعتقد أن أحدًا يدانيه من الفلاسفة والمفكرين في الإحاطة والعمق والقدرة الفائقة على النقد والحكم، ولم نفقد بموته - رحمه الله - مترجمًا أو محاميًّا عن الفكر الغربي كما هو حال الكثيرين، ولكن فقدنا مفكرًا أصيلًا ارتقى إلى مقام القاضي النزيه، والحاكم العادل. 

ولا أعتقد كذلك أن أحدًا قدم مواقف عقلية في الدفاع عن الإسلام، وشرح فلسفته وثوابته كما فعل العقاد، خصوصًا في السنوات العشر الأخيرة من حياته - رحمه الله ـ ولم تنقطع صلتي بما كتبه أو كتب – ويكتب ـ عنه منذ أن كنت طالبًا في آخر سنوات مرحلة الدراسة الإعدادية.

 

الجائزة

  • جائزة السلطان حسن بلقية العالمية ينظمها مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية الذي يرأس مجلس أمنائه سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي.
  • عمر الجائزة سنتان، منحت العام الماضي - وهو الأول - للشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وكانت حول السنة النبوية، وفي هذا العام كانت حول القرآن الكريم وعلومه.
  • اجتمعت لجنة المحكمين في أول الشهر الماضي في لندن لتختار فائزًا من بين أكثر من ثلاثين مرشحًا.
  • جاء في خطاب مدير المركز للدكتور عدنان زرزور ما يأتي:
    لجنة المحكمين فررت منحكم هذه الجائزة تقديرًا لإنجازاتكم البارزة وتميِّز إنتاجكم في الدراسات المتعلقة بالقرآن وعلومه.
  • العلامة د. يوسف القرضاوي عضو مجلس الأمناء مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.
الرابط المختصر :