; تحليل الواقع بمنهج العاهات المزمنة (1) | مجلة المجتمع

العنوان تحليل الواقع بمنهج العاهات المزمنة (1)

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000

مشاهدات 84

نشر في العدد 1401

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 23-مايو-2000

ابتداء من هذا العدد تنشر «المجتمع» مقالات كتبها المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة، وهو يتناول فيها -بعد الحلقة الأولى- أفكار الدكتور محمد جابر الأنصاري، ويناقشها، ويفند أطروحاته التي تركز على نقد «التكوين السياسي للعرب» وسنرى عبر هذه السلسلة من المقالات أن الدكتور عمارة يرى أن علل المأزق الحضاري الراهن عابرة وليست مزمنة، بينما يرى الدكتور الأنصاري غير ذلك.

تواريخ الأمم ومسارات الحضارات ليست سكونًا دائمًا، ولا خطأ صاعدًا باستمرار، أو هابطًا أبدًا.. وإنما هي دورات متتابعة، تحكمها السنن والقوانين، فيها الصعود والهبوط.. التقدم والتراجع، الإبداع والجمود.. الازدهار والانحطاط.. وعن هذه الحقيقة- التي يؤكدها الاستقراء لتاريخ الأمم والحضارات، يعبر القرآن الكريم عندما تقول آياته: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ  هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 137:142) ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾   ( محمد: 38).

كذلك يعبر عن هذه السنة والقانون -فيدورات مسارات الأمم والحضارات- حديث رسولالله صلى الله عليه وسلم: «لا يلبث الجور بعدي إلا قليلًا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره، ثم يأتي الله، تبارك وتعالى، بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولد فيالعدل من لا يعرف غيره»([1])

وفي مواجهة مراحل الهبوط والتخلف والتراجع والمأزق الحضارية، تفاوتت وتتفاوت المواقف الفكرية والفلسفات.

فهناك من يستسلم لواقع الهبوط والتراجع والجور، فيزعم أنه قدر إلهي، أو حتمية تاريخية، أو جبلة طبيعية، أو صفات لصيقة وخصوصية عرقية أو مكانية، ليس هناك سبيل إلى الفكاك من نتائجها وثمراتها.. وبذلك يتجاوز نطاقالاستسلام لواقع المأزق إلى حيث يكرسه ويؤيده، باعثًا اليأس والقنوط من الأمل في أي تغيير. 

وهناك من يرى في الواقع الهابط والمأزق الحضاري ثمرة للسنن والقوانين التي أفضت إليه، فيسعى إلى الوعي بهذه السنن وتوجيه هذه القوانين لتغيير هذا الواقع والخروج بالأمة من المأزق الحضاري الذي تردت فيه. 

ولقد تكرر هذا «المشهد الفكري» ثلاث مرات في واقعنا الفكري ومسيرتنا الحضارية خلال القرن العشرين.

فبعد إلغاء الخلافة العثمانية (١٣٤٢هـ -١٩٢٤م) تعددت وتناقضت الاجتهادات الفكرية والسياسية في وطن العروبة وعالم الإسلام.

فنشأت أحزاب، وتبلورت مدارس فكرية ترى في «الوطنية الإقليمية» و«الدولة القُطرية» أفضل النظريات وغاية الغايات، وتأصيلًا لهذه التوجهات وخدمة لها، كانت الكتابات التي انهالت على فكرة الخلافة ومبدأ الجامعة الإسلامية والرابطة الشرقية بالنقد والنقض والتشويه، فصورتها استبدادًا خالصًا، وطغيانًا كاملًا، وكهانة دينية، على النحو الذي صوره الشيخ علي عبد الرازق (١٣٠٥ - ١٣٨٦هـ - ١٨٨٧ م - ١٩٦٦م) في كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، عندما رأى الإسلام نصرانية يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فهو دين لا دولة، ورسالة لا حكم، وما كان رسوله صلي الله عليه وسلم إلا كالخالين من الرسل، مجرد مبلغ، لم يقم حكومة، ولم يؤسس دولة ولا ملكًا، ولم يؤسس مجتمعًا، ولم يقم وحدة سياسية.. كما رأي الخلافة -دائمًا وأبدًا- كهانة دينية وقهرًاسياسيًّا([2]

ومن مثل كتابات سلامة موسى (١٣٠٥م. ۱۳۷۷هـ - ١٨٨٨م - ١٩٥٨م) التي دعت إلى الخروج من الشرق، والالتحاق بأوروبا، لأن التفرنج -في كل شيء- من القبعة إلى الثقافة إلى اللغة إلى نظم الحكم والفلسفات الاجتماعية، هو طريق التقدم والنهوض.. فالعامية -لغة الهكسوس- أفضل من لغة القرآن، والتقاليد العربية، والرابطة الشرقية سخافة، أما الرابطة الدينية فإنها وقاحة، لا تليق بأبناء القرن العشرين([3]

ولقد عملت هذه الكتابات -بصرف النظر عن نوايا أصحابها- على تكريس الهزيمة، وتطبيع العقل العربي والمسلم مع واقعها وثمراتها.. ومهدت السبيل لمحاولات تبني النموذج الحضاري الغربي -التفرنج باللغة الصريحة لسلامة موسى- وذلك بحجة انتفاء الخصوصية الحضارية، لأن العقل الشرقي -في رأيهم- كان ولا يزال يونانيًّا.. أساسه ومكوناته هي:

۱-حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن.

2-وحضارة الرومان، وما فيها من سياسة وفقه. 

3-والمسيحية، وما فيها من دعوة للخير وحث على الإحسان([4])

لكن.. وفي مواجهة هذه الاجتهادات، كان هناك الذين لم «يعترفوا» بالواقع، فينتهوا إليه ويكرسوه، وإنما «تعاملوا» مع ذلك الواقع ليغيروه، فلم يزعزع سقوط الخلافة العثمانية إيمانهم بوحدة الأمة الإسلامية، ووحدة دار الإسلام، المؤسستان على وحدة العقيدة ووحدة الشريعة، ووحدة الحضارة  -وهي الجوامع الخمسة التي وحدت قوميات الشرق الإسلامي وملله ونحله- فظلوا على يقينهم بقدرة الأمة على تجاوز محنة هذا المأزق، التي فرضتها هيمنة المد الاستعماري الغربي، الذي استعان بالعجز العثماني والتخلف الموروث، ليحل نموذجه محل نموذجنا، وليجهض مشاريع التجدد والتجديد لذاتيتنا الحضارية الإسلامية.

ولقد قدم هذا التيار الإحيائي والتجديدي -في الفكر والسياسة- اجتهادات عصرية لروابط مقترحة لوحدة الأمة، ولشكل جديد للخلافة والإسلامية -التي جسدت أو على الأقل رمزت الوحدة الأمة، لا تتجاهل هذه الاجتهادات التمايزات القطرية والتنوعات القومية، ولكنها لا تقف عندها. 

ولقد تبنت هذا الاتجاه الفكري -الذي تعاملمع الواقع، دون أن يسلم بذلك الواقع الدعوات والحركات والأحزاب الإسلامية والقومية العربية التي تبلورت في بلادنا منذ العقد الثالث للقرن العشرين.. مع تفاوت بينها في العمق والسطحية والمقاصد والغايات.

هكذا تميزت المواقف الفكرية والسياسية -ومن ثم الحضارية- إزاء مأزق سقوط الخلافة، وعموم بلوى الاستعمار والعلمانية، عقب الحرب الاستعمارية العالمية الأولى. 

ولقد تكرر هذا «المشهد الفكري» -مرة ثانية- في مواجهة مأزق الهزيمة الحادة التي أصابت المشروع القومي العربي سنة ١٩٦٧م.

فكتب توفيق الحكيم والدكتور حسين فوزي عن أننا أمة قد احترفت صناعة الحضارة، لكن لا درية لها على صناعة الحروب وفنون القتال.. وتحدث الأستاذ محمد حسنين هيكل -مع الأسف والاستغراب- عن القطيعة التي حدثت بين الأمة وبين الحرب والقتال منذ قرون.. ([5]) وهي كتابات لا بد وأن تفضي -بصرف النظر عن نوايا أصحابها- إلى تصوير الهزيمة أمام الصهيونية والإمبريالية باعتبارها القدر الذي ليس منه فكاك!.

بل ورأى توفيق الحكيم في «كامب ديفيد» وتصالح مصر وإسرائيل، تحالفًا بين المتحضرين، يخلص المتحضرين من البداوة العربية المتخلفة!.

فالعدو العاقل خير من الصديق الجاهل، كما كتب أحد القساوسة المصريين في ذلك التاريخ.

وفي مواجهة هذه الاجتهادات، صمدت عناصر وقوى المقاومة -الوطنية والقومية والإسلامية- في مواجهة مأزق الهزيمة، فبحثت عن السنن والقوانين الحاكمة للانتصار، فطبقتها في التعبئة الوطنية والقومية، وفي الإعداد القتالي.. بل وكان المد الإسلامي -الذي تعاظم في سبعينيات القرن العشرين- ثمرة من ثمرات وتجليات هذا الصمود.. والأمل والطموح في تجاوز مأزق الهزيمة.. وذلك إعمالًا لسنن الله وقوانينه: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ ( محمد: 38)،﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 104).

أما المرة الثالثة، التي تكرر فيها هذا «المشهد الفكري»، فكانت عقب حرب الخليج الثانية سنة ۱۹٩١م، والتي رافقت انهيار المعسكر الاشتراكي -وزوال التناقض الاجتماعي في النموذج الحضاري الغربي، فتوحدت قبضة الحضارة الغربية لأول مرة- في مواجهة الآخر الحضاري -منذ عصر التنوير الأوروبي.. فكان إعلان الغرب- وخاصة دوائر الإستراتيجية وصنع القرار -أن الإسلام هو العدو- وأن النموذج الغربي هو «نهاية التاريخ»، وأن «صراعالحضارات» هو طريق انفراد المركزية الغربية بالهيمنة على هذا الكوكب الذي نعيش فيه. 

وأمام هذا المتغير البارز في النظام العربي -المعولم- شاع الحديث عن قضاء وقدر «العولمة» و«الكوكبة» و«الكوننة»، والاندماج الحتمي في «النظام العالمي الجديد» فالسيادة الوطنية للدولة القومية والتنمية المستقلة، والهوية الحضارية والخصوصية الثقافية، والحماية الصناعية والتجارية هي -في رأي البعض- من أوهام الماضي، وجمود السلف، ومخلفات الرجعية، التي تجاوزتها وطوت صفحتها هذه المتغيرات وشاع الحديث عن العالم باعتباره «قرية واحدة»، يحكمها قانون «الاعتماد المتبادل»، وذلك رغم أن أهل وبيوت هذه «القرية الواحدة» ليسوا سواء.. ففيهم القاتل والمقتول، ولا يمكن أن يكون هناك اعتماد متبادل بين «المجتاح» ومن يتعرض للاجتياح.. بين من يغتصب السيادة وبين من يحرم من كل ألوان السيادة، والحق في تقرير المصير، وأن يحكم بالقانون الذي يريد.

وفي مواجهة هذا اللون من الاجتهادات، صمدت -أو ظلت صامدة- تيارات الأصالة المتجددة -الإسلامية والقومية والوطنية- التي تؤمن بالقدر الإلهي وليس بالقدر الأمريكي.. والتي ترى في هذه المتغيرات مجرد متغيرات، وتنكر وتستنكر أن تكون هذه المتغيرات هي نهاية التاريخ.. فالتاريخ تضعه الأمم والشعوب، عندما تسعى وتمتلك قوانين وسنن صنع هذا التاريخ.. أما نهاية هذا التاريخ فهي قضاء إلهي، استأثر بعلمه علام الغيوب.. وليست الليبرالية الرأسمالية المتوحشة، التي تريد اجتياح حضارات الجنوب، وتأييد النهب لثروات أمم هذه الحضارات.

وإذا كان «إقلاعنا الحضاري» هو طوق نجاتنا من أخطار هذا الاجتياح، فإن لذلك «الإقلاع» سننًا وقوانين، ممكنة التحقيق، ولسنا بإزاء عاهات مزمنة، تثمر «جبريات وحتميات» يستحيلتجاوزها، ولا شفاء من أمراضها .

[1]) ) رواه الإمام أحمد.

[2]) ) على عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» ص ٦٤- 80، 8,2، 25  طبعة القاهرة سنة ١٩2٥م، وانظر كذلك كتابنا «معركة الإسلام وأصول الحكم» طبعة القاهرة سنة ١٩٩٨م

[3])) سلامة موسى «اليوم والغد» ص ٧-٥ طبعة القاهرة ۱۹۳۸م، وانظر- كذلك كتابنا الإسلام بين التنوير والتزوير ص ٩٧ - ١٥٧ طبعة القاهرة ١٩٩٥م. 

[4]) ) د. طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» ج 1 ص 19،21،22،45،36،37،  طبعة القاهرة ۱۹۳۸م.

[5]) ) محمد حسنين هيكل «الانفجار: قصة حرب يونيو ١٩٦٧ م ص 3-8-6-8 طبعة القاهرة سنة ١٩٩٠م، والنص في د. محمد جابر الأنصاري «تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية» ص ٥٠ طبعة بيروت ١٩٩٥م.

الرابط المختصر :