; تحليل الواقع بمنهج العاهات المزمنة (3)- عاهة البداوة.. أخطاء القراءة وأوهام المنهج | مجلة المجتمع

العنوان تحليل الواقع بمنهج العاهات المزمنة (3)- عاهة البداوة.. أخطاء القراءة وأوهام المنهج

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000

مشاهدات 64

نشر في العدد 1403

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 06-يونيو-2000

* هل يمكن قيام حضارة في حجم حضارتنا الإسلامية دون وجود دولة؟.. وهل يتصور عاقل تصدي الأمة لأشرس التحديات في غياب تلك الدولة

العاهة الثانية التي رآها الدكتور الأنصاري لصيقة بالإنسان العربي -بعد عاهة الصحراء اللصيقة بالواقع العربي- والتي تحول دون وحدة الأمة والدولة والمجتمع وحذق السياسة وبناء الحضارة هي «البداوة»!

ولو وقف الدكتور الأنصاري بعاهة البداوة عند سكان الصحراء العربية، لهان الأمر.. لأن نسبة هؤلاء في بلاد مثل مصر وتونس والمغرب والعراق وسوريا، واليمن وساحل الخليج- وفيها أغلبية سكان الوطن العربي- نسبتهم إلى مجموع السكان أقل من ١%.. في ليبيا والجزائر من ١% إلى ٥٪.. وفي السعودية والسودان من ٥% إلى ١٥%.. والصومال هو البلد الوحيد الذي تزيد فيه نسبة البدو على ١5%. (1)

لكن الدكتور الأنصاري لا يقف بعاهة البداوة عند هذه النسبة الضئيلة وإنما يذهب ليعممها حتى على سكان الحواضر العربية، لأن هذه الحواضر - بنظره- واقعة تحت تأثير بداوة الصحراء، تسودها البداوة المقنعة... فيقول: «إن الصحراء في المنطقة العربية، ليست حكرًا على البداوة والبادية، فهي تمثل مجمل طبيعة الوطن العربي ومناخه، حاضرة وبادية، وحتى الوديان والأنهار والمدن الكبرى فيه يعتبرها الجغرافيون ظواهر ومعالم صحراوية، نظرًا إلى احتواء الصحراء إياها من جميع الجهات طبيعيًا ومناخيًا.. فإذا كانت المجتمعات البدوية تعيش بداوة خالصة، فإن المجتمعات الحضرية انطوت على تركيبة مزدوجة ذات توتر خفي أو ظاهر بين القيم الحضرية والقيم البدوية، باعتبار أن المادة البشرية الحضرية قدمت -أصلًا- من البادية... (۲)

استدعاء ابن خلدون والخطأ في قراءة مقدمته: 

وبعد أن عمم الدكتور الأنصاري عاهة البداوة على كل العرب- استند إلى قراءة مجتزأة وخاطئة لبعض نصوص ابن خلدون (7۳۲ - ۸۰۸هـ ۱۳۳۲ - ١٤٠٦م)، التي تحدث فيها عن «العرب» فأخطأ في فهم مراد ابن خلدون به العرب.. كما وقف أمام مصطلح الحضارة في فكر ابن خلدون، فأخطأ في فهم مراده بهذا المصطلح، ثم خلص بالقراءة الخاطئة- إلى أن البداوة العربية قد حالت بين العرب وبين فن السياسة وبناء الملك والدولة، ومن ثموحدة المجتمع والأمة.

ذهب الأنصاري إلى ذلك عندما قال: «ويشارك ابن خلدون بدوره في التعبير عن إشكالية السياسة المزمنة في حياة العرب بمقولته الشهيرة: «فبعدت طباع العرب لذلك كله عن سياسة الملك». (۳)

وهنا نسأل من هم «العرب» الذين حكم ابن خلدون بأن «طباعهم قد بعدت عن سياسة الملك»؟.. هل هم العرب كأمة؟.. أم العرب الأعراب الموغلون في البداوة والتوحش، قبل أن يتدينوا الإسلام، فتهذب طباعهم، ويساعدهم الإسلام على حذق إقامة الملك والدولة وسياسة العمران؟..

لقد أغفل الدكتور الأنصاري نصوص ابن خلدون، بل وحتى عناوين الفصول في «المقدمة»، والتي ميز فيها ابن خلدون بين أحوال وأطوار وطبائع العرب إزاء الملك والسياسة.. فكان هذا الحكم العام القاسي والغريب!.

لقد عقد ابن خلدون -في مقدمته- فصلًا جعل عنوانه: «فصل في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك».. لكنه -قبل هذا الفصل مباشرة- عقد فصلًا آخر جعل عنوانه: «فصل في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة».

ولو أن قارئًا وقف- فقط عند عنواني هذين الفصلين، لأدرك أن هناك عربًا يحكم عليهم ابن خلدون بأنهم أبعد الأمم عن سياسة الملك.. وأن هناك عربًا يحسنون الملك والسياسة، لكن إذا كان لهم حظ من الدين.

وعندما يقرأ القارئ ما تحت عناوين الفصول، سيجد فكر ابن خلدون شديد الوضوح في التمييز بين العرب في طور التوحش والإيغال في البداوة، قبل التدين بالإسلام، أو عند الانسلاخ عن جوهره.. وبينهم عندما جعلهم الإسلام سادة الفتوحات وأساتذة الدول والسياسات.

عرب البداوة عند ابن خلدون: 

فعرب البداوة المتوحشة -عند ابن خلدون- هم الذين اختصوا «بالإبل، وهي أصعب الحيوانات خصالًا ومخاضًا.. فاضطروا إلى الإبعاد في النجعة.. فأوغلوا في القفار فكانوا لذلك أشد الناس توحشًا، وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه، والمفترس من الحيوان العجم.. فهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم خلقًا وجبلة، وكان عندهم ملذوذًا لما فيه من الخروج على ربقة الحكم، وعدم الانقياد للسياسة، وهذه طبيعة منافية للعمران ومناقضة له، فغاية الأحوال العادية عندهم الرحلة والتغلب، وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومناف له، فالحجر- مثلًا- إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافي للقدر، فينقلونه من المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك، والخشب أيضًا، إنما حاجتهم إليه ليعمروا به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم، فيخربون السقف عليه لذلك، فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء، الذي هو أصل العمران، فهم أكثر بداوة من سائر الأمم، وأبعد مجالًا في القفر، وأغنى عن حاجات التلول وحبوبها، لاعتيادهم الشظف وخشونة العيش، فاستغنوا عن غيرهم، فصعب انقياد بعضهم لبعض لإيلافهم ذلك، وللتوحش، فهم متنافسون في الرئاسة، وقل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه او كبير عشيرته إلا في الأقل، وعلى كره، ومن أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام فيفسد العمران».

تلك هي صورة العرب -عند ابن خلدون- في طور «البداوة المتوحشة».. الذين يفرون من الاستقرار والبناء والعمران، ويهدمون المباني لتحويل أحجارها إلى أثافي للقدور، ويهدمون السقف ليتخذوا من أخشابها أوتادًا للخيام.. فكيف يجعل باحث في وزن ومقام الدكتور محمد جابر الأنصاري من هذه الصورة طبيعة العرب بإطلاق، وجبلتهم كأمة عبر العصور والقرون؟! بل ويجعل هذه البداوة المتوحشة ضربة لازب حتى للعرب الذين يسكنون، الحواضر، لأن هذه البداوة -في رأيه- تظل سارية فيهم وغالبة عليهم وأسرة لطباعهم.

إن ابن خلدون قد رأى هذا الطور من أطوار «البداوة المتوحشة» عامًا في الأجناس والأعراق الموغلة في البداوة، ولم يره خصيصة العرب وحدهم من دون الناس، فقال -في هذا السياق- «وفي معناهم- أي «وفي مثل إيغال هؤلاء العرب في البداوة»- ظعن البربر وزناتة بالمغرب، والأكراد والتركمان والترك بالمشرق» إلا أن العرب أبعد نجعة وأشد بداوة بالقيام على الإبل فقط، وهؤلاء يقومون عليها وعلى الشياه والبقر معًا..». (٤)

الأمة العربية وعاء الإسلام:

أما الأمة العربية التي جاءتها رسالة الإسلام، ونبوة محمد ﷺ، والتي حملت الإسلام إلى العالمين، وفتحت الفتوح، وأقامت الدول والممالك، وبنت الحضارة، وساست العمران، فلابن خلدون حديث طويل عنها.. لا ندري كيف أغفله الدكتور الأنصاري؟!.

یری ابن خلدون أن الدين هو طريق العرب للبراعة في الملك والدولة والسياسة والحضارة والعمران.. وأنهم عندما تدينوا بالإسلام حق التدين لم يكن لأحد من الخليقة ما كان لهم من الملك.. فهو شرط براعتهم في الدولة والسياسة، وبدونه يعودون للعجز عن سياسة الملك.. فيقول:

«فإذا كان الدين.. كان الوازع لهم من أنفسهم، وأذهب خُلق الكبر والمنافسة منهم، فسهل انقيادهم واجتماعهم، وذلك بما بشملهم من الدين المذهب للغلظة والانفة، الوازع عن التحاسد والتنافس.. يُذهب عنهم مذمومات الأخلاق، ويأخذهم بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق، فيحصل لهم التغلب والملك، وهم مع ذلك أسرع الناس قبولًا للحق والهدى، لسلامة طباعهم عن عوج الملكات وبراءتها من ذميم الاخلاق».

ثم يمضي ابن خلدون، فيتحدث عن أثر التدين بالإسلام على حذق العرب لبناء الملك وسياسة المجتمعات -بعد أن كان الموظفون منهم في التوحش أبعد الناس عن سياسة الملك- فيقول:

«واعتبر بذلك في دولتهم في الملة «الإسلامية» لما شيد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة وأحكامه المراعية المصالح العمران ظاهرًا وباطنًا، وتتابع فيها الخلفاء، عظم حينئذ ملكهم وقوي سلطانهم، فلما نبذوا الدين: نسوا السياسة، فتغلبت عليهم العجم.. ورجعوا كما كانوا لا يعرفون الملك، ولا سياسته، بل قد يجهل الكثير منهم أنهم كان لهم ملك في القديم، وما كان في القديم لأحد من الأمم في الخليقة ما كان لأجيالهم من الملك» (٥).

فكيف غابت هذه النصوص الخلدونية عن الدكتور الأنصاري.. وهي في الصفحات ذاتها التي نقل عنها حديثه عن بعد العرب عن سياسة الملك- بعد أن جرده من سياقه، كما رأينا؟!

وكما وظف الدكتور الأنصاري نصوص ابن خلدون في غير موضعها الطبيعي والصحيح.. صنع ذلك مع الدكتور جواد على.. فتقل عنه قوله:

لقد «حالت البراري بين العرب وبين تكوين المجتمعات الكبيرة والكثيفة، وعرفات الاتصالات بين المستوطنات التي بعثرتها.. وبعثرت الأعراب في البوادي على شكل قبائل وعشائر.. والمجتمعات الكبيرة الكثيفة هي المجتمعات الخلافة التي تنعقد فيها الحياة، وتظهر فيها الحكومات المنظمة العمل وللإنتاج والتعامل بين الناس» (٦).

فجواد علي يتحدث عن «الأعراب» والدكتور الأنصاري يستشهد بالنص في الحديث عن «العرب»!.. وهذا النص -لجواد علي- قد جاء في كتابه «تاريخ العرب قبل الإسلام».. والدكتور الأنصاري يستشهد به في حديثه عن العرب بعد الإسلام.. بل وفي عصرنا الحديث، وواقعنا المعاصر!.. وذلك ليحكم به على انتقاء قيام المجتمع العربي في الإسلام!.

ومن هاتين العامتين:

الصحراء: عامة المكان...

والبداوة: عامة الإنسان...

انطلق الدكتور الأنصاري للحديث عن آثارهما في القطيعة بين العرب وبين «الدولة».. والقطيعة بين العرب وبين «السياسة».. والقطيعة بين العرب وبين «القدرة على حماية الذات والديار».. فالتبعية للغير هي قدرهم الأزلي الأبدي، وهم دائمًا «عيال على الغير»، الاستعمار الغربي اليوم.. والموجات الرعوية المملوكية بالأمس.. وذلك لينتهي- مخطئًا- إلى أن الممكن، في ظل هذه العاهات المزمنة، هو «الدولة القطرية».. فهي غاية المراد من رب العباد في ميادين الدولة والمجتمع والتوحيد!.

القطيعة مع الدولة:

تأسيسًا على العاهات المزمنة - الصحراء: عامة المكان- والبداوة عامة الإنسان.. وانطلاقًا من الفهم والتوظيف المغلوطين لكلمة ابن خلدون: «فبعدت طباع العرب لذلك كله عن سياسة الملك» -والتي قالها عن أهل البداوة المتوحشة، الذين لم يهذبهم التدين بالإسلام.. والتي انتزعها الدكتور جابر الأنصاري ليصم بها الأمة العربية عبر كل تاريخها،انطلاقا من ذلك كله، وتأسيسًا عليه، حكم الدكتور الأنصاري بأن العرب قد عاشوا تاريخهم بلا دولة- بالمعنى المؤسسي للدولة.

لقد عرفوا «السلطة» و«الحكومة»، لكنهم لم يعرفوا «الدولة» الدائمة ذات «الأجهزة والمؤسسات»، فكانت «دولتهم هلامية»، وبعد قرنين من عمر تاريخهم الإسلامي، قامت القطيعة بينهم وبين الدولة منذ عهد المماليك..

ولقد اعتبر الدكتور الأنصاري هذه القطيعة العربية مع الدولة «خصوصية عربية»، فهي -الأخرى- جملة وعامة مزمنة، لأنها نتاج لعاهات مزمنة وهو في ذلك يقول:

«إن العرب في ظل دولة الخلافة الإسلامية -الأموية والعباسية والفاطمية والعثمانية- قد عاشوا في واقع الأمر حالة «دولتية» هلامية، كانت «دولتهم» خلالها في نشوء وتحلل متواصلين في الوقت ذاته، بحيث جاز القول إن العرب قد عرفوا «الدولة» ولم يعرفوها في الوقت ذاته (7).

ومنذ العصر العباسي الثاني- عندما سيطر المماليك على الخلافة- بعد قرنين من تاريخ الإسلام- يرى الدكتور الأنصاري أن القطيعة قد حدثت بين العرب وبين الدولة والسياسة والحضارة جميعًا، فلقد حدث- كما يقول- «انقلاب ضد الدولة العربية وضد الحضارة الإسلامية.. فعادت القطيعة السياسية والقطيعة الحضارية معًا إلى مشهد التاريخ العربي، بعد أن نجحت الحركة الإسلامية المتحضرة في احتوائها وتقليص الرها القرنين من الزمان» (8).

القطيعة مع الدولة والانحراف عن صلب العقيدة:

بل لقد قاد هذا الرأي الدكتور الأنصاري إلى اتهام العرب بأن قطيعتهم مع الدولة قد أدت إلى انحرافهم عن «صلب العقيدة الإسلامية»! وذلك عندما تبنى رأي المستشرق هاملتون جب (9).

وكما ظلم الدكتور الأنصاريابن خلدون ظلم -كذلك- عمر بن الخطاب، عندما استدل بقوله: «لا ملك على عربي»، على الرفض العربي الطبيعي والجبلي للدولة! وأسس على ذلك دعوى القطيعة العربية مع الدولة.

فهل هذا الذي قاله الدكتور الأنصاري صحيح؟.. وهل كان تاريخنا مع الدولة تاريخ انقطاع؟ وهل لم يعرف العرب من الدولة إلا الدولة الهلامية؟ لننظر...

إن أكثر ما يثير الاستغراب -في فكر الدكتور الانصاري عن «الدولة»- «مفهومه المعياري للدولة»، فالدولة -عنده- والتي افتقدها -برأيه- في التاريخ والواقع العربيين هي «الدولة الهيجلية»- نسبة إلى الفيلسوف الألماني «هيجل (۱۷۷۰- ۱۸۳۱م)، ولأن العرب لم يقيموا دولة هيجلية، فلذلك خلا تاريخهم من الدولة.

وبعبارة الدكتور الأنصاري، فإنه «من منظور فلسفة الدولة الحديثة يمكننا القول: إن العرب قد عرفوا الدولة بمفهومها لدى ميكافيلي وهوبر، لكنهم لم يقتربوا منها بمفهومها لدى هيجل وجون لوك» (10).

ونحن نسأل: هل يجوز محاكمة شكل ونوع وطبيعة الدولة تاريخيًا إلى شكل ونوع وطبيعة الدولة الحديثة؟ وهل يجوز محاكمة معايير الدولة في الحضارات غير الأوروبية إلى معيار الدولة الأوروبية تحديدًا؟ وهل من الضروري للدولة، كي تكون دولة، أن تأتي على النمط الهيجلي دون سواه؟ وهل طابقت الدول، وفي التاريخ الأوروبي، القديم منه والحديث نموذج الدولة الهيجلية؟

لا ملك على عربي:

أما عن كلمة عمر بن الخطاب: «لا ملك على عربي»، فإن معناها أن العرب لا يخضعون لجبابرة الملوك، فالملك -في الاصطلاح العربي- هو الجبار، وملكه ملك جبرية.. ولا يصح أن يفهم من كلمة عمر بعد العرب عن الدولة، لأنه قد قال هذه الكلمة وهو الخليفة ورأس الدولة.

ثم -وهذا هو الأهم في حوارنا- حول هذه القضية- إن الدكتور الأنصاري لا ينكر إبداع العرب لحضارة عربية إسلامية.. فهل يمكن قيام حضارة -في قامة وطول وعرض وعمق ونوع حضارتنا الإسلامية - دون وجود دولة للأمة والمجتمع الذي أبدع هذه الحضارة؟! إن ابن خلدون يقطع في هذا الأمر فيقول: «فالدولة دون عمران لا تتصور، والعمران دون الدولة والملك متعذر..» (۱۱).

وهل يتصور العقل أن تتصدى الأمة العربية لأشرس التحديات -التي بلغت حد تهديد الوجود ذاته والتي دامت قرونًا- من الصليبيين إلى التتار إلى البيزنطيين- دون دولة ذات كيان متجسد في مؤسسات؟!

لقد بدأ جهاز الدولة الإسلامية الأولى -بالمدينة في عهد النبوة- على نحو بسيط، مناسب للمكان والزمان، والحاجات ولم يكن لهذه الدولة الإسلامية ميراث من التراكم التاريخي في جهاز الدولة ومؤسساتها.. لكنها كي تفي بالحاجات والضرورات، أقامت ما سماه الذين أرخوا لها «بالعمالات» و«التراتيب الإدارية».

ولقد قام بجمع معالم هذه الدولة -من كتب السيرة والسنة والتاريخ- وأرخ لعمالاتها ووظائفها، أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن موسى الخزاعي (۱۰هـ - ۷۸۹هـ)، في كتابه «تخريج الدلالات السمعية».. ثم جاء رفاعة رافع الطهطاوي (١٢١٦ - ۱۲۹٠هـ)، فعرض لوظائف وعمالات ومعالم ومؤسسات هذه الدولة الإسلامية الأولى، انطلاقًا من كتاب الطهطاوي «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» (۱۲).. ثم جاء عبد الحي كتاني، فشرح كتاب الخزاعي، وبنى عليه «نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية» - وهو مجلدان، تبلغ صفحاتهما قرابة الألف صفحة (۱۳)، ثم حظيت معالم وعمالات ووظائف هذه الدولة النبوية بعدد من الدراسات المعاصرة، من خلال عديد من المؤلفات والأطروحات الجامعية التي قدمت عنها.

فلما كانت فتوحات خلافة الفاروق عمر بن الخطاب، التي خرجت بالدولة الإسلامية، من نطاق بساطة شبه الجزيرة العربية، ورثت هذه الدولة أغنى تراكمات الخبرات الحضارية الإنسانية في الدولة ومؤسساتها ودواوينها ونظم إداراتها ورثت- في البداية- «تدوين الدواوين» عن الفرس والروم...

ثم أقرت واعتمدت مؤسسات الإدارة ونظم الحكم أي آليات الإدارة والحكم- المتوارثة والمستقرة في حضارات مصر والشام وفارس وبلاد الرافدين، بعد أن جعلت مرجعيتها القانونية والفلسفية شريعة الإسلام وفقه المعاملات الإسلامي.. فكانت الدولة الإسلامية منذ ذلك التطور، استمرارًا لمؤسسات ودواوين ونظم الحكم والإدارة في هذه الحضارة القديمة والعريقة، ولم تكن انقطاعًا ولا قطيعة مع «الدولة» بأي حال من الأحوال.. بل لقد مثلت الدولة الإسلامية استمرارًا حتى في كوادر الإدارة، والقائمين على مؤسسات الدولة من أهل تلك البلاد.

التراكم التاريخي لمؤسسات الدولة الإسلامية:

وعلى امتداد تاريخ الدولة -أو الدول- الإسلامية تراكمت الخبرات الإدارية لدولة الخلافة... والدولة السلطانية، وترسخت مؤسساتها ودواوينها، وعرف جهاز الدولة إلى جانب «الوزارة» ومنصب «المشير» اللذين ظهرا في العصر العباسي الأول- دواوين «الخراج».. و«الجند».. و «الأحباس- الأوقاف».. و«القضاء»- مع منصب قاضي القضاة- و«العمائر».. و«الحسبة».. و«الصناعة».. و«الأسطول»- العمارة- و«الإنشاء» الكتاب.

و«الزكاة».. و«الجوالي» الجزية.. و«المواريث».. و«الثغور».. و«الكسوة».. و«المدارس».. و«الإقطاع».. و«الالتزام».. و«التجارة».. و«دار الضرب» -سك العملة- و«الأحكار».. و«دار العبار».. و«دار الطراز».. و«ديوان صندوق النفقات».. و «ديوان عجز المال».. و«ديوان الفواضل» -المتوافر-و«دیوان أرباع الكيلك»،- المكاييل... إلخ، وهي مؤسسات للدولة، دائمة وثابتة، لها سجلاتها ونظمها وتقاليدها، والقائمون عليها، ولا تتغير بما يحدث في قمة الدولة -الخلافة والسلطنة- من تغيرات.

 أما دول وسلطنات العسكر المماليك التي رآها الدكتور الأنصاري قطيعة مع الدولة والحضارة، فلقد كانت على العكس من ذلك تمامًا، لأن الطبيعة العسكرية لسلاطين المماليك، وحدة الأخطار العسكرية التي واجهتها دولهم، قد جعلتهم أكثر اهتمامًا بنظر الدولة ودواوينها ومؤسساتها.. ولو أن الدكتور الأنصاري رجع إلى المصادر التي أرخت للولاة والقضاة.. والوزارة.. والخطط.. لرأى معالم مؤسسات الدولة ودواوينها في تلك العصور.. بل ولرأی مؤلفات متخصصة في «قوانين الدواوين» (١٤). ولقد كان يكفي النظر في موسوعة القلقشندي «صبح الأعشى في صناعة الإنشاء»- أو حتى في فهارسها! ليعلم الدكتور الأنصاري: أن «الديوان» -في ظل تلك الدول- قد أصبح عنوانًا «على المكان الذي يعمل فيه أرباب الأقلام.. ثم أطلق على جميع فروع الإدارة.. ولقد كان عماد الدواوين في زمن المماليك طبقة الكتاب، وذلك كما كان الحال دائمًا: مصر فهؤلاء عماد النظام البيروقراطي».

الهوامش

(1) فيليب فارج، ورفيق البستاني «أطلس معلومات العالم العربي» ص ٧٤ طبعة القاهرة ١٩٩٤م.

 (2) «تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية» ص ٤٦ ،٤٥.

(3) المرجع السابق ص ۲۱.

(٤) (المقدمة) ص ۹٦- ۹۷، ۱۱۸ - ۱۲۰ طبعة القاهرة ١٣٢٢هـ.

(٥) المصدر السابق ص ۱۱۹- ۱۲۱.

 (6) «التأزم السياسي عند العرب» من ٤٧.

(7) المرجع السابق ص ٣٦، ٣٧، ٤، ٨٢، وأنظر- كذلك- قوله- في ص ٨٤- «لقد ارتبطت هذه الدول المتتابعة «بالسلطات» الحاكمة التي تقيمها، وتذهب بذهابها، فتماهت معها ولم يتبلور بالتالي «التجريد المؤسسي لكيان الدولة».

 (8) «تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية» ص ٧٦.

(9) «التأزم السياسي عند العرب» ص ۲۸.

(10) المرجع السابق ص ٣٩.

(11) المقدمة ص ۲۹۸.

(12) رفاعة الطهطاوي «الأعمال الكاملة» ج٤ ص ٤٨١ - ٧٦٥، دراسة وتحقيق: د محمد عمارة- طبعة بيروت سنة ١٩٧٧م. 

(۱۳) انظر هذا الكتاب طبعة بيروت- دار الكتاب العربي (د.ت).

(١٤) انظر للكندي «الولاة والقضاة» طبعة بيروت ١٩٠٨م والمقريزي «الخطط طبعة دار التحرير- القاهرة- ولابن الصيرفي «الإشارة إلى من نال الوزارة» طبعة المعهد الفرنسي القاهرة سنة ١٩٢٤م، ولابن معاني «قوانين الدواوين» تحقيق: د عزيز سوريال طبعة القاهرة سنة ١٩٤٣م، ولابن الطقطقي- «الفخري في الآداب السلطانية» طبعة القاهرة سنة ١٩٤٥م، والدكتور عبد المنعم ماجد «نظم دولة سلاطين المماليك» طبعة القاهرة سنة ١٩٦٧م.

الرابط المختصر :