; تحليل سياسي: حزب العمل الصهيوني.. محطات في واقعه التاريخي وخطابه السياسي | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي: حزب العمل الصهيوني.. محطات في واقعه التاريخي وخطابه السياسي

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1996

مشاهدات 62

نشر في العدد 1191

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 12-مارس-1996

يتسم النظام السياسي في الكيان الصهيوني بالتشرذم والبعثرة، وتبدو الصورة البانورامية لخارطة الأحزاب هناك وكأنها لوحة فسيفسائية لكثرة الأحزاب المشاركة في تشكيل نسيج الخارطة، وثمة ميزة أخرى تتمثل بخاصية الاستقطاب السياسي التي تجعل الفوارق شاسعة ما بين بعض قطاعات الخارطة الحزبية، فبينما تقف حركات السلام على حافة اليسار الصهيوني يواجهها في المقابل وعلى أقصى حافة اليمين الحركات الدينية والقومية المتطرفة، ولكن الإطار العام الذي يلملم خلايا هذه الخارطة الفسيفسائية وجود الحزب المهيمن مثل «المعراخ والليكود» الذي بائتلافه مع الأحزاب الصغيرة يشكل الحكومة في العادة، وتاريخ الحياة السياسية في الكيان الصهيوني حافل بالحكومات الائتلافية، ولم يمر في تاريخه أن حصل أحد الأحزاب على الأغلبية التي تؤهله لتشكيل الحكومة منفردًا، باستثناء صيغة ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية، والتي تشكلت في سني ٦٦ - ٦٩ و٨٤ - ١٩٨٨م.

حزب العمل داخل الخارطة السياسية: 

في وسط الخارطة السياسية الحالية يقع حزب العمل، وتعود جذوره إلى التيار الصهيوني الاشتراكي المتكئ على أفكار الصهيونيين الاشتراكيين يريوروشوف وغوردن، وقد تبلورت الصيغة التنظيمية لهذا المعسكر في بدايتها ببروز منظمة عمال صهيوني عام ١٩٠٠م، ومنظمة الحارس الفتي «هاشومير هاتسعير»، بالإضافة إلى منظمة العامل الفتي «هابوعيل هاتسعير» عام ١٩٠٦م، وفي مخاض التكوين للمعسكر العمالي عرفت هذه الأفرع الثلاثة عدة اندماجات وانشقاقات لتتحد في النهاية مكونة حزب «ماباي» عام ۱۹۳۰م. وهو حزب بن غوريون الذي شكل أول حكومة في الكيان الصهيوني، وبسبب طبيعة عدم الاستقرار في التكوين والانتظام الحزبي في بنية الأحزاب الصهيونية، فقد تتابعت الانشقاقات داخل المعسكر العمالي، حيث انفصل حزب «وحدة العمل - إحودات هاعفودا» عام ١٩٤٤م، ليقوم بالاتحاد مع منظمة الحارس الفتي عام ١٩٤٨م مشكلًا حزب المابام «العمال الموحد».

 أما المحطة الرئيسية لهذا التيار فقد كانت في عام ١٩٦٨م، إذ تم تشكيل حزب العمل الصهيوني باندماج الماباي مع الكتل العمالية الأخرى، وفي العام الذي يليه انتظم حزب العمل مع الماباي في تجمع المعراخ، وبرغم هذه السلسلة المتتالية من الانشقاقات، فقد بقي المعسكر العمالي مهيمنًا على الحياة السياسية داخل الكيان الصهيوني منذ أن شكل بن غوريون أول حكومة عام ١٩٤٩م، وحتى هزيمة حزب العمل أمام الليكود في انتخابات دورة الكنيست التاسعة عام ۱۹۷۷م، حيث حصل على ۳۲ مقعدًا مقابل ٤٣ مقعدًا لتكتل الليكود، ولكن هذا التيار عاد مرة أخرى إلى سدة الحكم بفوز حزب العمل في انتخابات الكنيست عام ١٩٩٢م.

صراعات داخلية حادة:

ويواجه حزب العمل في تشكيلته الحالية مجموعة من التحديات الداخلية تتهدده بشكل حاد، إذ يتصارع في رحِمِه عدة تيارات مختلفة على رأسها الزعامة التقليدية للحزب التي تمثلت في رابين وبيريز، ورغم أن هذا التيار يشكل محور الحزب والأخذ بناصيته، إلا أن المنافسة التقليدية دارت ما بين رأسيه -رابين بمدرسته العسكرية الأمنية، وبيريز بمدرسته السياسية البراغماتية- تجعله في حالة صراع مستديم، بالإضافة لتيار الشباب الأكثر براغماتية، وعلى رأسه يوسي بيلين تلميذ بيريز، ويعتبر هذا التيار أقل تأثيرًا على قرارات الحزب، ولا شك أن حزب العمل سيمر في ضائقة سياسية بعد مقتل رابين، لكونه يتمتع بمواصفات شخصية خاصة أهلته لجمع شمل الحزب من الداخل بيمينه ويساره، إضافة إلى أن أكثر رجالات الحزب قبولًا على المستوى الشعبي، وكان هو الرجل الأول على مستوى الحزب المزمع ترشيحه في مواجهة نتنياهو الزعيم اليميني في الانتخابات المباشرة المقبلة لاختيار رئيس الحكومة، والتي ستجرى لأول مرة في الكيان الصهيوني بهذا الشكل.

 على ضفة أخرى يقف تيار الطريق الثالث الذي يطرح نفسه كطريق ثالث ما بين حافة اليمين، وأقصى اليسار، وهذا التيار يمثل يمين حزب العمل، ومن أبرز مواقفه السياسية معارضته للانسحاب من هضبة الجولان السورية، وقد طرح قضيتها على الكنيست للحصول على تشريع يمنع الحكومة من الانسحاب منها إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء الكنيست، ولكن المحاولة بات بالفشل، وفي نهاية المطاف انشق عضوا هذا التيار عن الحزب وهما: أفيغدور كهلاني، وریمانوئيل ريسمان، وفي رقعة أخرى من خارطة الحزب الداخلية تقع مجموعة الثمانية التي تضم حمائم الحزب، من بينهم: «يوسي بيلين، بورج، باعيل ديان، حجاي ميروم، أفيتال»، وهي تقف في مواجهة الطريق الثالث، وتنادي بتنازلات إقليمية من أجل تحقيق ما يُسمى السلام.

أضف إلى ذلك كله انشقاق حاييم رامون بعد طرده من عضوية الحزب مع عضوين آخرين، وقد رشح رامون نفسه في انتخابات الهستدروت الأخيرة «اتحاد نقابات عمال إسرائيل» وفاز برئاسته، وبذلك فقد حزب العمل سيطرته على هذا الصرح الضخم الذي يشكل مصدر تمويل هام للحزب وخاصة في حملاته الانتخابية.

خطا اقتصادية متردية:

وعلى صعيد السياسة الداخلية، فيعاني الحزب من توجيه انتقادات حادة له بخصوص سياسته الاقتصادية التي تبدو أنها تسير بخطى مترددة يعتريها شيء من التخبط، وكمثال على ذلك فقد اضطرت حكومة الحزب الحالية بالتراجع عن بعض السياسات المالية التي أقرتها، کتراجعها عن فرض ضريبة بورصة الذهب بالرغم من إقرارها وتنفيذها لعدة أشهر. وفي السياق ذاته يذكر التذمر الكبير من قبل المهاجرين الروس الذين أصيبوا بخيبة أمل كبيرة بسبب عدم وفاء الحزب بوعوده لهم أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة.

وحول تطور الخطاب السياسي للحزب حيال الصراع العربي اليهودي وعلى وجه الخصوص القضية الفلسطينية باعتبارها لب الصراع، وتتركز رؤيا الحزب فيما يتعلق بذلك حول الوجود الفلسطيني السكاني، أو ما يطلق عليه الإعلام الصهيوني «الخطر الديمغرافي» فقد أصدر مركز الإحصاء المركزي الصهيوني دراسة إحصائية أشار فيها بوجود ٥.٥ مليون يهودي في مقابل ٢,٤ مليون فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، يضاف إليهم حوالي مليون فلسطيني داخل الخط الأخضر «فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م»، ویری منظرو حزب العمل أن هذه الكثافة الفلسطينية تشكل قنبلة ديمغرافية موقوتة من الصعب التعايش معها بأمان أو التنبؤ حول تداعيات انفجارها أو موعده، كما أنه في حالة فرض القانون «الإسرائيلي» على هؤلاء الفلسطينيين وإعطائهم الحقوق السياسية من حق انتخاب وترشيح، فإن ذلك يوصل عددًا كبيرًا من الممثلين العرب للكنيست الصهيوني، مما يؤثر على القرار السياسي ويحُول دون قيام دولة يهودية نقية العرق.

فكرة الحكم الذاتي:

وحتى يحل المعسكر العمالي الإشكالية القائمة بسبب المعادلة المتناقضة الاتجاهين: الرغبة في حيازة الأرض، وعدم الرغبة في ضم السكان الفلسطينيين، فقد ابتدع الفكر السياسي العمالي فكرة الحكم الذاتي، وكان أول من نادى بها بن غوريون وذلك بعد أسبوعين من حرب ١٩٦٧م، وتبع فكرة بن غوريون عدة محطات رئيسية على نفس الصعيد أولاها: مشروع ألون ١٩٦٧م الذي اشتهر بأنه أول المشروعات السياسية لحل مشكلة الضفة الغربية وقطاع غزة وتحت عنوان الحل الإقليمي، وتمثل محور هذا المشروع بمقولة «أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقل عدد من السكان العرب» لذا دعا ألون إلى جعل الحدود الشرقية ترتسم بخط يقطع البحر الميت في منتصفه ممتدًّا في بقية المناطق حسب حدود الانتداب، مع ضم قطاع جغرافي بعرض يتراوح ما بين ۱۰ - ۱5 كم على امتداد غور الأردن من بيسان وحتى شمال البحر الميت، بالإضافة إلى إمكانية ضم جبل الخليل وصحراء وادي عربة، وبخصوص السكان الفلسطينيين فقد منحهم مشروع ألون حكمًا ذاتيًّا محصورًا في صلاحياته بمجالات الاقتصاد والصحة والتعليم، وفي المحطة الثانية في تحولات الخطاب السياسي العمالي حيال الأرض تأتي طروحات موشي ديان للحل الوظيفي، الداعية لفكرة التقاسم الوظيفي أو تقاسم السيادة، حيث دعا ديان لجعل الأرض تحت السياسة الكاملة للكيان الصهيوني، بينما يترك للأردن حق السيادة على السكان وإدارة شؤونهم.

 وفي عام ١٩٧٥م تبلورت المحطة الثالثة في مقترحات شيمون بيريز الداعية للإدارة الذاتية والتي يمارس من خلالها الفلسطينيون إدارة أنفسهم، وليس حكم أنفسهم، بعيدًا عن مقتضى الصلاحيات المتعلقة بمظاهر السيادة. وكإطار عملي لذلك اقترح بيريز توسيع صلاحيات رؤساء البلديات في المجالات المدنية، وتعيين فلسطينيين في مناصب ضباط قيادة للشؤون المدنية في إدارة الحكم العسكري، بحيث تخضع لهم مجالات التعليم والصحة وما شابهها.

مشروع كاتس:

وفي عام ١٩٨٦م يمكن رصد المحطة الرابعة المتمثلة في مشروع كانس المسمى به قطاع غزة أولًا، وفيه دعا كاتس روز إلى نقل الشؤون الإدارية في غزة لأيدي السكان لفترة ٢٥ عامًا، يتبع ذلك استفتاء سري حول تقرير المصير، وتكون الخيارات مفتوحة أمام السكان بما فيها الالتحاق بالكيان الصهيوني مع ضمان عدم قيام دولة فلسطينية، ويتخلل المشروع في سياقه تشكيل مجلس إداري ثلاثي من (25) عضوًا: (7) یهود و(14) مصريون، و(35) من الفلسطينيين، ويعين أمريكي لهذا المجلس تتوافر فيه وسائل وصلاحيات الحكم. وقد تبنى بيريز نفس الأفكار أثناء توليه لرئاسة الوزارة في حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت في الفترة ما بين ٨٤ - ١٩٨٨م.

 وفي المحطة الأخيرة تأتي اتفاقية أوسلو بتفريعاتها القاهرة وطابا، وفي هذه المحطة تمكن حزب العمل من طي ملف القضية الفلسطينية دوليًّا، ويسعى على المستوى الإقليمي وبدعم أمريكي لصياغة المنطقة وفق منظومة شرق أوسطية يكون فيها الكيان الصهيوني المحور المهيمن والمركز الرئيس. ولإغلاق الملف الفلسطيني تمامًا يدعو بيريز منظر الحزب إلى ربط كانتونات الكيان الفلسطيني التي ستفرزها اتفاقية طابا مع الأردن في صيغة فيدرالية، بالإضافة إلى انتظام الكيانين الأردني والفلسطيني بشكلهما الفيدرالي مع الكيان الصهيوني في كونفدرالية اقتصادية على نمط اتحاد دول البينولوكس الأوروبية.

الرابط المختصر :