; تخلف المسلمين في العلم والتكنولوجيا والتنمية | مجلة المجتمع

العنوان تخلف المسلمين في العلم والتكنولوجيا والتنمية

الكاتب سيد وقار أحمد حسيني

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1997

مشاهدات 67

نشر في العدد 1259

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 22-يوليو-1997

  • الشمس «المفاعل النووي»: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (يونس: 5)، إن الشمس مفاعل نووي، إذ إن التحام ذرات الهيدروجين والهليوم فيها يسخن النواة إلى ما يقدر بـ 14 مليون درجة مئوية، ويسخن الإكليل الشمسي Corona فوق سطح الشمس إلى مليوني درجة مئوية، والبقع الشمسية هي المناطق المظلمة والأبرد على سطحها إذ تبلغ درجة حرارتها 4500 درجة مئوية، ولكن حقولها المغناطيسية أعظم بآلاف المرات من حقول بقية سطح الشمس، وتفلت بعض الجسيمات المشحونة «الرياح الشمسية» من الحقول المغناطيسية وتصطدم بجسيمات الأرض وتحدث الفجر «الشفق» القطبي Aurora.
  • الهبوط على القمر: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (الحج: 18)، لقد جعل الله القدير النظر والتأمل والسفر... إلخ واجبًا على الإنسان للحصول على معرفة كيف خلق الله الكون وجعل وظائفه واستخدامه خاضعًا لقوانينه المعنوية والطبيعية، وفي يوليو «تموز» عام 1969م أصبح القمر أول جسم في الفضاء يزوره الإنسان، إلا أن هذه المهمة قد نفذت برؤية عالمية علمانية بواسطة العلوم والتكنولوجيا التي تطورها دولة غير إسلامية «الولايات المتحدة الأمريكية» ورواد فضاء علمانيين، وكان رواد المركبة الفضائية أبولو (15) أول من قام بالتجوال القمري في يونيو «حزيران» عام 1971م.

أنزل القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم منهجًا منجمًا خلال ثلاثة وعشرين عامًا تقريبًا، وقد حقق المسلمون خلال مائة عام، ريادة عقلية عالمية طبقًا للتاريخ الذي أورده جورج سارتون -لأول مرة عام 1927- في مؤلفه الضخم «مقدمة إلى تاريخ العلم»، ثم كانت للمسلمين- في حضارة العصور الوسطى سيطرة عالمية على العلم والمعرفة لمدة تتراوح بين 500- 600 عام تقريبًا، منذ القرن الثاني الهجري- الثامن الميلادي، إلى القرن السابع الهجري- الثالث عشر الميلادي، فما الأفكار والمعتقدات والمبادئ والسياسات التي جاء بها القرآن الكريم، وعرضها النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم وقدمتها الثقافة الإسلامية آنذاك، فكانت سببًا في ترسيخ هذه الريادة والمحافظة عليها طويلًا؟

لقد مرت المسيحية في الشرق الأدنى، وفي أوروبا، بمراحل متنوعة، وواجهت هذه الريادة العقلية بتمثل العلم والمعرفة الإسلامية، وبالتفوق عليها في آخر المطاف، ويرى معظم المؤخرين الغربيين أن انحطاط العالم الإسلامي حصل في القرن 7هـ - 13م، إلا أن «سيح حسين نصر» يرى أن فساد العلوم بين المسلمين حصل ما بين القرن 11هـ- 17م، والقرن 12هـ- 18م.

ومما لا شك فيه أن العالم الإسلامي -في العصور الوسطى- عانى خلال القرنين السابع والثامن الهجريين، من غزوات المغول والتتار، ولم يعرف نظير للتدمير والقتل الجماعي الذي ألحقاه بالدول الإسلامية على مدى التاريخ، كما أسهمت الحروب الصليبية في القرنين السادس والسابع الهجريين في تمزيق الحضارة الإسلامية إلى حد كبير.

إن هذه العوالم الخارجية سبقتها تغييرات داخلية في القضية الثقافية المسلمة، مما أدى إلى التدهور العقلي وانحطاط العلم والتكنولوجيا والضعف الأخلاقي والمادي وفقدان القوة، ونتج عن ذلك هزائم عسكرية وسياسية مريرة، إلا أن جهودًا هامة برزت لإحياء العلم وتعزيز التطور في الدول الإسلامية التابعة للإمبراطورية العثمانية، وذلك بسبب التأثير الغربي في القرن 12هـ- 18م، هذا التأثير كان من خلال استراتيجيات متنوعة من الاقتباس والتحويل والتشابه المطبق على المعرفة والثقافة والعلم والتكنولوجيا والصناعة والنمو الاقتصادي، وقد بذل المسلمون بعض الجهود الشاقة بهدف التطور منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك بمساعدة وتعاون دوليين لم يعرفا من قبل في تاريخ البشرية، ولا مجال لمقارنة أي بلد إسلامي مع دول اليابان وألمانيا وروسيا أو الدول الحديثة التطور كسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايون وهونغ كونغ، إلا أن المرء يمكنه أن يرى تخلف المسلمين نسبيًا في المجال التربوي والتكنولوجي بالمقارنة مع الهندوس القاطنين في شبه قارة هيمالايا أو المهاجرين إلى أوروبا وأمريكا الشمالية.

فما أسباب النقص النسبي في التفوق العلمي والتكنولوجيا والتنمية بين المسلمين في البيئات الخارجية المتعددة، مقبولة كانت أو متناحرة، في الدول ذات الأكثرية أو الأقلية المسلمة؟ وما الحلول الإيديولوجية المختلفة التي قدمت في هذا المجال؟ ولماذا أخفقت الحلول الأيديولوجية مع المسلمين، ونجحت مع غيرهم؟ وأهم من هذا كله، ما ميزات التغيرات العقلية والثقافية المحلية التي أدت إلى انحطاط العلم والتكنولوجيا بين المسلمين، وأعاقت جميع الجهود المبذولة من أجل إحيائها؟ والخلاصة الأهم أن المسلمين بحاجة إلى أسلمة منظمة تشمل جميع المعارف والعلوم والتكنولوجيا والعلم الاجتماعية والإنسانية، وهذا المطلب أساسي لتطور المسلمين، وقد أخفق -في القرون والعقود الأخيرة- جميع الجهود المبذولة لتطوير المسلمين تكنولوجيا، لأن رؤيهم العالمية غير إسلامية، مما أدى إلى إخفاق العلمانية والتغرب، والماركسية وفلسفات التطور الأخرى.

ولا يتعارض الإسلامي وعملية الأسلمة مع التقليد والاقتباس، بل يجيزانهما وفق مصطلحات وشروط إسلامية، ويستحيل على المسلمين، وإن كانوا ضعفاء في المعتقدات والتطبيقات الإسلامية التقليدية أن يقلدوا أو يقتبسوا أو يتمثلوا أو يتفوقوا في أي مجال من مجالات المعرفة التي ترسخت وانتشرت برؤى لا إسلامية عالمية، وهذا يستند إلى أسس معينة للديناميكا الاجتماعية التي حددها «بيتريم شوركين»، وملخصها أن النظام الحي والفعال يأبى إدخال أي قيم أو أنظمة أجنبية تتضمن رؤى عالمية عن العلم والتكنولوجيا إليه، ما دامت تتناقض مع نظام معانيه الأساسي، ويجب أن تنتصر القيم السامية على القيم الأدنى في سباقهما الطويل، وهكذا فإن الإسلام متعارض مع العلمانية ومشتقاتها الأخرى كالتغرب أو الماركسية، ولذلك فإن فلسفتهم ومحتواهم الفكري وقواعدهم اللا إسلامية الجارحة تجعل المسلمين يرفضون قبول المعرفة العلمانية، إن العلمانية ترفض أو على الأقل تتجاهل الدين، لأنها تدعي أن الأديان بما فيها الإسلام تعارض رفاهية الإنسان، من خلال العقل والعلم والإنسانية.... إلخ.

لقد قبلت العلمانية من قبل هؤلاء الذين وجدوا أن كتبهم «مراجع نظامهم الأولى للمعاني» كانت متعارضة مع مبادئ وأهداف العلمانية، إن انتصار العلمانية على المسيحية والهندوسية والأديان الأخرى قد استوعب تمامًا من قبل المسلمين، ولكن المسلمين لم يجدوا مثل هذا التعارض في دينهم مع العلمانية، ولذلك لم تكن هناك حاجة عندهم إلى العلمانية، فالقرآن بشكل خاص والتراث الفكري الإسلامي بشكل عام تخطى إمكانية نقد الأديان الأخرى من قبل العلمانية، وهكذا فإن النقد العلماني للدين في نص الإنجيل، محتوى الفكر المسيحي والمعيار الثقافي، والمعرفة التاريخية، الغربية قد يكون محقًا تمامًا، وهذا الأمر ينطبق على كل الأديان ما عهدا القرآن خاصة والإسلام بشكل عام.

إن افتراضات وأهداف العلمانية الأساسية، من طرف آخر، تثبت وتدعم أطروحات القرآن، ويدرك المسلمون أيضًا أن العلمانيين مذنبين بكونهم منافقين كبارًا، لأنهم يرمون دائمًا إلى تجنب وإهمال الدين بشكل تام، فيجب عليهم إما أن يقبلوا الدين أو يرفضوه تبعًا لمعايير العلمانية في العقل والعلم.. إلخ، وعند ذلك سيجد العلمانيون أن الإسلام مختلف تمامًا.

إن هذا العمل في تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالعلوم الفلكية يظهر أن القرآن والعقل والعلوم التجريبية متطابقة في الأساس، ويجب أن تعرف حدود وتخمينات العلم غير القابلة للإثبات، والفرق بين حقائقه ونظرياته، ونسبية الفكر الإنساني.. إلخ.

إن الفهم الإنساني للقرآن عرضة للخطأ ومتغير، ويخضع لقيود أخرى مشابهة ويعزى تخلف المسلمين -باختصار- لعدم قبولهم بالرؤية الغربية والماركسية العالمية للعلم والتكنولوجيا، وستكون أسلمة العلم والتكنولوجيا، أي مواصلتها من خلال رؤية إسلامية عالمية أيديولوجية، دافعًا لتطور المسلمين كما كانت منذ القرن الأول الهجري- 7م إلى حوالي القرن 7هـ- 13م الميلادي، أو القرن 11هـ- 17م، ن الأسلمة تشمل أيضًا تمثل كل الفكر الإنساني المنسجم الديني والدنيوي، فالأسلمة منهج وعملية يتم من خلالها تأكيد أو اقتباس أي علم أو معرفة، شريطة انسجامها مع القرآن وإن كانت مصادر تلك المعرفة غير إسلامية.. إن نشوء الفكر الإسلامي وتطوره السريع في القرنين الأول والثاني- 7 و8م، ولاسيما في العلوم الطبيعية أو العقلانية، مثل العلوم الطبيعية والتكنولوجيا، دليل على عمليات الأسلمة ومبادئها من خلال الاقتباس الانتقائي، لقد أخذت هذه العلوم من القرآن وصنفت على أنها المبادئ الأساسية «القواعد» للقانون الإسلامي أو الشريعة وطبقت عالميًا، ويظهر تخلف المسلمين في القرون والعقود الأخيرة أن أسلمة مماثلة بطريق الاقتباس والابتكار وتطوير رؤية ونظرة علمية إسلامية عالمية متميزة وفعالة لم تحدث بعد.

الرابط المختصر :