العنوان تدبير سياسي استهدف إشعال نار العنف الديني
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999
مشاهدات 70
نشر في العدد 1344
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 06-أبريل-1999
إندونيسيا
بدأت بخلاف على نقل الركاب.. وانتهت دموية بمقتل العشرات!
تدبير سياسي استهدف إشعال نار العنف الديني
كولالمبور: صهيب جاسم
* العنف حالة استثنائية بين الطوائف في إندونيسيا لولا وجود عوامل تغذية.
* ساعد على العنف: التنوع العرقي والديني.. مشروعات التهجير.. الفقر والبطالة.. دور الشرطة والجيش والمنتفعين.
ما أن هدأت أمبون عاصمة مالوكو التي اشتعلت بالتوتر منذ أول يوم من أيام عيد الفطر الماضي حتى انفجرت أحداث دائرة سامباس في غرب إقليم كاليمنتان «بورنيو»، لكن البداية هنا كانت أعنف وتكرر سلوك وسائل الإعلام العالمية في نقل الحدث على أنه أحد حالات العنف الطائفي، وربطه ببعض العوامل، في حين أن الأمر أبعد من ذلك، فتاريخ التسامح الطويل بين الأقليات يجعلنا نبتعد عن التغيرات السطحية والتعميمية للحوادث في الجزر الإندونيسية.
العنف في أمبون بدأ في 19 يناير الماضي «أول أيام عيد الفطر المبارك»، عندما كان كثير من المسلمين قد رجع إلى قراه أو إلى الجزر الأخرى لقضاء إجازة العيد، وبالتالي خلت المدينة من كثير من أهلها المسلمين، وقد تأكد من خلال الكثير من الروايات أن البداية كانت من جانب النصارى، ثم تبعها رد فعل من قبل المسلمين، لكن الخلاف يدور حول نقطة البداية التي طالما تكون خلافًا على أمر صغير يتحول إلى مصادمات شرسة، وذبح للرؤوس، ونسي بذلك أهل أمبون التعاون في موسم جمع القرنفل، مع أنهم عاشوا بعضهم مع بعض بعد بدء الأزمة المالية لمدة عام ونصف العام تقريبًا دون مشكلات.
ففي كاليمنتان- التي ما زالت تئن بما فيها من أحداث- لم تقل شراسة العنف عنه في أمبون، إذ بدأت أحداث العنف بعد خلاف بين سائل حافلة أجرة وراكب من قومية الداياك وأكثرهم نصارى، والمادورين الأقلية المهاجرة من جزيرة قرب جاوة، وعددهم 50 ألفًا فقط في كاليمنتان، والغريب أن يقف الملايوي المسلم بجانب الداياك ضد مسلم آخر لأنه ليس من جزيرته، وفي أمبون تكرر المشهد حيث اختلف سائقًا أجرة على حمل الركاب وتدخل شرطي واضطر إلى إطلاق عيارات نارية في الهواء فنشر الذعر وخرج الناس بعدها إلى الشوارع حاملين أسلحتهم البيضاء ولكن من أخرجهم؟ وكيف خرجوا مجتمعين في الوقت نفسه؟ احترقت سيارة وبدأ الناس يركضون خائفين وأحرقت سيارة تابعة لمنظمة حقوق الإنسان، وقيل إن 20 شابًا غير معروفة هويتهم أحرقوا مجموعة بيوت، فاتلجأ آخرون إلى مسجد الفتح الذي اشتهر منذ ذلك الوقت هو وإمامه الشيخ عبد العزيز.. وتوالت الأحداث بعدها، والفكرة الرئيسية أن الحدث تطور بشكل يجعل الباحث عن الحقيقة لا يكتفي بتفسير ذلك على أنه عنف طائفي، بل لو ركزنا حديثنا على أحداث العنف في أمبون وقبلها في جاوة الشرقية وجاكرتا وأخيرًا في كاليمنتان لأمكننا تقسيم ذلك إلى «عوامل متفق عليها» و«أسباب مباشرة مختلف فيها» لأن كل طرف يدعي أن سببًا معينًا هو المحرك الأساسي الذي بيده خيوط القضية!
العوامل المساعدة
هي عوامل وليست أسبابًا لأنها وحدها لا تستطيع أن تحدث اضطرابات وصدامات شرسة لكنها ساعدت من يريد أن يلعب بمستقبل إندونيسيا فبعضها جذور للأحداث والبعض واكبها بعد اشتعالها:
1- التنوع العرقي والديني: إندونيسيا ذات المساحة التي تقدر بمليوني كم² تضم 17 ألف جزيرة تحتضن في غاباتها ومزارعها الجميلة 300 جماعة عرقية كبيرة أو إثنية صغيرة ومع أن اللغة الإندونيسية وحدتهم منذ الاستقلال عام 1945م لكن لكل قوم لهجة ولغة «المسلمون يبلغون 87%»، «البروتستانت 6%»، «الكاثوليك 3%»، «الهندوس 2%»، «البوذيون 1%»، وغيرهم 1%.
المسلمون يشكلون الغالبية العظمى: أكثر من 90% في 20 إقليمًا من مجموع 27 ويقل عددهم عن هذه النسبة في كاليمنتان الغربية، حيث أحداث العنف الأخيرة، وكاليمنتان الوسطى وشمال سولاليزي، وشرق نوساتنغارا، ومالوكو حيث أحداث عنف أمبون وأيرن جايا وتيمور الشرقية وأخيرًا بالي جزيرة بقايا هندوس إندونيسيا.
التنوع العرقي بالدرجة الأولى ثم الديني والعكس أحيانًا كان التربة الخصبة جدًا لزرع أي محاولة لأحداث مشاحنات ثم صدام دموي ما دام أن هناك خلافات تقليدية تزامنت بشكل طبيعي مع مياه الوئام والتسامح لقرون طويلة، لكن هذا التنوع احتواه سوكارنوا وكبته سوهارتو.
لذا كان لابد للحفاظ على رونقه من جهود فعالة قد تكون الديمقراطية إن نجحت والعدالة إن نفذت هي المفتاح لذلك، فالعنف حالة استثنائية وليس هو القاعدة تاريخيًا في العلاقة بين الطوائف لولا وجود عوامل أخرى وأسباب مباشرة تشعل الفتيل في العشب اليابس.
مشروع الاستيطان وسياسة سوهارتو في دمج الطوائف
في ظل حكم سوهارتو (1966م- 1998م) كان التحرك تحت شعار ديني محرمًا، وكان يقمع أي رؤوس مناوئة باسم الشيوعية، لكن تلك السياسات أصبحت جذورًا لمشكلات في المستقبل، وهو ما نعيشه حاليًا، ومن ذلك سياسة الاستيطان إذ كان سوهارتو يستخدم ذلك سلاحًا فيهجر أهل جاوة وسومطرة إلى جزر أخرى «فارغة» كما كان يقال وعلى أساس فرضية أن ذلك سيقلل من الضغط السكاني في الجزيرتين.
الحكومة واجهت الثقافات المحلية بقوانين صارمة أثرت على تقاليد العمل الجماعي الزراعي واستولت على بعض الأراضي، وأعطتها للقادمين من المهاجرين، ومع أنه في أمبون عاش الكثير من المسلمين منذ مئات المسلمين مع النصارى، وشاركوا في أعمال التجارة، إلا أن ما أغضب أهلها القادمون الجدد الذين كانوا أكثر تكاتفًا من أهل البلد في التجارة، وبرزوا في ذلك منذ أواخر السبعينيات، وهو مثال تكرر في أقاليم أخرى أيضًا.
مشروع التهجير يجعلنا نشبه محاولة سوهارتو بتيتو دكتاتور يوغسلافيا- من إحدى الزوايا- في دمج الأقليات والقوميات باسم قومية واحدة لكن الإدارات بقيت بين الجاويين الذين إن نصب أحدهم حاكمًا على إقليم كثيرًا ما لا ينجح في ذلك لجهله بأسلوب التعامل معهم ثقافيًا واجتماعيًا.
وبهذه السياسات كانت البلد كالقارورة المسدودة بصمام من غير تنفيس انفجرت بعد أن حدثت تفاعلات وتغيرات في داخلها على مدى 20 إلى 30 عامًا، وكان ذلك في لحظة ضعف الصمام، وهو الجانب التنموي والاقتصادي من منهج حكم سوهارتو، وظهرت كل رواسب سياساته على السطح.
3- الوضع الاقتصادي: الفقر عامل رئيس تدعمه البطالة المتفشية وهنا تكمن نقطة الخطر في تشكيل العصابات، واستئجار المجرمين والقتلة والمتظاهرين بروبيات معدودة ووجبة عشاء.
الوضع الاقتصادي عالم واضح جدًا ومن الحقائق المعروفة عن إندونيسيا أن نصف السكان يعيش تحت مستوى الفقر!
4- فشل الشرطة والحكومة: الشرطة بقيت الحارس الوحيد في أمبون وحتى في غرب كاليمنتان في الأيام الأولى وقد فشلت في احتواء الصراع وعزل رئيس شرطة أمبون خاصة بعد حادث استشهاد 4 مصلين خرجوا من صلاة الفجر في مسجد الهدى في منطقة أهرو بالقرب من أمبون على يد تسعة من رجال الشرطة النصارى الذين بدأ التحقيق معهم وكانوا قبل ذلك قد استخدموا أسلحتهم ضد المتظاهرين، وشحنوا معنوياتهم ضد الطرف الآخر كما قتلوا في الليلة السابقة أسرة من ستة أشخاص فحمل الشهداء إلى مسجد الفتح فغضب الرجال وحملوا سيوفهم وخناجرهم يريدون الثأر.
موقف رئيس الشرطة الجنرال رويسما نهادي كان سلبيًا حينما قال في 6 فبراير وقبل تدخل الجيش «المتأخر جدًا» وعزله بأيام إن مؤسسته لن تؤدي دورًا رئيسًا في حل الأزمة داعيًا أهل الإقليم إلى حلها!
يوسع المحللون دائرة نقدهم لتصل إلى الرئيس بحر الدين يوسف حبيبي الذي يبدو موقفه ضعيفًا وهذا ما جعل الناس يشككون في مصداقية مؤسسات الدولة أنها لا تملك حلًا عمليًا للصراع على غرار ما حصل في الخمسينيات، ومع أن الرئيس حبيبي تحرك أكثر من مرة لكن المستغرب جدًا أن تفلت الأمور في جزر بلاده فقد أسس مجلس فرض الأمن والنظام القانوني في العام الماضي الذي يضم 22 وزيرًا ومسؤولين من الشرطة- المدعي العام- المخابرات- اللجنة القومية لحقوق الإنسان- مجلس العلماء- مجلس الكنائس- مجلس البوذيين والهندوس وغيرهم. لكن لم يصدر عن المجلس حتى تصريح صحفي له أثر!
الحكومة بالطبع لن يكون بمقدورها أن تتحرك بدون إرادة من الجيش وهنا يتجه المحللون للحديث عن الجيش.
5- الإعلام قناة العدوي: وهو عامل مساعد لم ينتبه إليه إلا القلائل من الكتاب والصحفيين لأن معظم المهتمين بالحدث الإندونيسي وغالبية الإندونيسيين يعتبرون الإعلام الحر الذي يعيش الآن فترة ذهبية في إندونيسيا بعد سقوط سوهارتو، يعتبرون ذلك عاملًا إيجابيًا ساعد على إسقاط سوهارتو ومعاونة الإصلاحيين في رفع أصواتهم وهذه حقيقة لا شك فيها، لكن هذا الإعلام ساعد خلال فترات العنف بدافع التنافس، ونقل الأحداث أولًا بأول على نقل العدوي من منطقة إلى منطقة، مثال كاليمنتال الغربية التي اشتعلت بعد هدوء أمبون، وهذا ساعد على شحن معنويات كل شخص مؤهل للمشاركة في أعمال عنف ودفعه للهجوم والثأر، بينما كانت الأحداث في عهد سوهارتو تظهر وتكبت وتنتهي ولا أحد يدري أو أن يعلن عنها بصورة محدودة ويكتشف الأمر لاحقًا من قبل صحفي أجنبي.
ثم إن بعض وسائل الإعلام «هولت» من بعض الأحداث أو نقلتها على غير حقيقتها لكن ذلك البث لصور القتلى أغضب أهل قوميتهم فأقسموا على أن يثأروا من الفاعلين، مسلمين كانوا أو نصارى.
6- حرب الشائعات: أثيرت شائعة بأن الشيخ عبد العزيز إمام مسجد الفتح أكبر مساجد أمبون قد قتل مما أغضب شبابًا من المسلمين، وخرجوا يريدون الثأر لكن أعلن أنه نجا بجلده إلى جاكرتا، وفي حادثة أخرى بقرت بطن امرأة حامل ومثل بجنينها، ولكن اختلف هل كانت مسلمة أم نصرانية فالطرفان يقول إنها منهم.
لكن يبدو أن قتلها كان بهدف سكب الوقود على النار وقد يكون على يد عصابات مستأجرة، وهذا لا ينفي بالطبع حدوث الكثير من الجرائم على يد أهل الطوائف أنفسهم بعد أن أدى «المحرضون» دورهم في إشعال عواطفهم.
الشائعات كانت سلاحًا فعالًا في أحداث شغب نوفمبر بجاكرتا حتى قيل مرة إن حبيبي سيستقيل ويسلم الحكم لأربعة هم أمين رئيس وميجاوتي، وعبد الرحمن وحيد وسلطان جوغجاكرتا، لكنها كانت مجرد شائعة.
في أحداث أمبون أكدت دراسة أعدها صحفي مسلم وآخر نصراني من أعضاء تحالف الصحفيين الإندونيسيين المستقلين دور الشائعة وذكروا حوادث كثيرة في دراستهم غير تلك المذكورة آنفًا، ولهذا السبب عندما تحرك الجيش ليحل محل الشرطة «التي هي عسكرية أيضًا» في أمبون، أسس مركزًا إعلاميًا لمحاربة الشائعة وللاتصال بالأطراف المتصادمة من أول لحظة.
الأسباب المباشرة
من هو المحرك لأحداث العنف؟ نبدأ في محاولة الإجابة على ذلك بالحديث عن «المحرضين» على هذه الأعمال ثم عن هوية من هم وراء هذه العصابات المنتشرة حاليًا في إندونيسيا.
المحرضون: ذكرت إحدى شاهدات العيان أن مجموعة كبيرة من الشباب لابسي العصائب الحمراء دخلوا سوق الاستقلال في أمبون ليلة العيد وتكرر ذلك قبل أيام في غرب كليمنتان حينما لبس الملايويون عصائب صفراء والداياك عصائب حمراء.
وأعلن الفريق العسكري المكون من 19 ضابطًا وجنرالًا من أصل أمبوني أنهم قد عرفوا العقل المدبر للأحداث لكن لم تعلن هوية وأصل هذه الشخصية أو الجماعة بهدف إنجاح محاولة السيطرة على الوضع.. لكن علامة الاستفهام تدور حول تأخر الوصول إلى هذه النتيجة من قبل الجيش، كما سيطرت قوات الأمن على عدد كبير من الأسلحة- البيضاء، والمواد المتفجرة وأوقف أفراد يهربونا من جزر أخرى مما ساعد على إقناع أهل الطائفتين المسلمين والنصارى على أن يوقعوا وثيقة تفاهم أو اتفاقية سلمية في عدد من القرى التي برزت فيها أحداث العنف أواسط شهر مارس الماضي بعدما عرفوا السبب.
«المحرضون» أو «المثيرون» طرف طالما تحدث عنه الإعلام الإندونيسي بمختلف توجهاته وليس هناك ما يدحض وجودهم، وهم عصابات مستأجرة من قبل أطراف معينة بهدف معين ومع قياداتهم هواتف نقالة وبيجرات «بليب» ويحصلون على مكافآت إذا نجحت الخطة، وهم عادة- فلاحون، وسائقون، وحتى صحفيون وقادة في القرى وحراس ليليون وغير ذلك، لذا من الصعب الكشف عنهم وكثير من هؤلاء من العاطلين عن العمل حتى ذكر أن باستعداد قياداتهم أن يجمعوا لطرف ما من ألف إلى عشرة آلاف شخص ليتظاهروا بهدف معين مقابل أجرة ووجبة عشاء.
ويبرز من بين العاطلين من كان يعمل في رذائل الأعمال، مما يفسر استعداده للقيام بأي عمل إجرامي، وهذه من مصائب الأزمات الاقتصادية حيث قيل إن 900 شخص منهم قد سافروا من جاكرتا إلى أمبون لبدء الخطة وقد اعترف بعضهم بذلك لقناة «آر. سي. تي. أي» في جاكرتا، لكن من الذي يدفع لهم؟ فيما يلي أبرز الأطراف المتهمة كما تروي ذلك وسائل الإعلام والأطراف المطلعة والمحللون وتوضح ذلك خيوط الأحداث:
1- سوهارتو والسوهارتويون: آخر الاتهامات الموجبة ضده من قبل صاحب التصريحات المثيرة رئيس جمعية نهضة العلماء عبد الرحمن وحيدي الذي اتهمه بأنه وراء أحداث العنف في غرب كليمنتان التي بدأت في 15 مارس الماضي ووعد بزيارة سوهارتو ومناقشته في هذا الأمر.
الكثير من السياسيين وصف محاولة وحيد النقاش مع سوهارتو بانها «لن تكون مثمرة» كما حل الأزمة، وقد اعترف ابن سوهارتو هوتومو ماندالا بأن لعائلته أتباعًا كثيرون وأن لها علاقة بكثير من الشخصيات لكنه نفى أن يكون أتباعهم «محرضون» لكن وحيد قال إنه على يقين من أن أتباع العائلة الحاكمة سابقًا يريدون الحيلولة دون قيام حكم ديمقراطي في البلاد من خلال منظمات عديدة منها منتدى اتصال أبناء قادة الجيش والجنرالات المتقاعدين وبعض الناشطين في الحكومة حتى الآن.
كما أن هناك مجموعات في مستوى أقل من القادة تتجمع كالحشرات حول بعضها البعض لتكون تجمعات حول حلفاء سوهارتو «وعائلة شارع تشيندانا» بالإضافة إلى أعضاء جمعيات ألعاب القوى الإندونيسية «سيلات بانشلاغا» ومؤسسة رعاية المجتمع الإندونيسي كأحد خطوط الدفاع عن سوهارتو الذي يقول بعض الأقوال غير المؤكدة أنه يمول هذه المنظمة الاجتماعية.
وكما يقول إيفي سودجانا رئيس جمعية أخوة العمال المسلمين الإندونيسيين فإن أعوان سوهارتو ينقسمون بشكل عام إلى ثلاثة أقسام هي:
1- مسؤولون سابقون أو حاليون على اتصال بسوهارتو.
2- التجار ذوو العلاقة به وخاصة من بارت تجارته بعد سقوطه.
3- آخرون ذوو منافع مختلفة ومنظمات مفلسة وغير ذلك.
تجذر أعوان سوهارتو في المجتمع يفسر لنا بطء التحقيق معه في ثروته ويبرز لنا مخاطر عودة حكم دكتاتوري أو فشل أو تعثر المسيرة الديمقراطية وأول تلك الخطوات نجاحهم في وضع العراقيل أمام محاكمة باك مارتو أو سوهارتو.
2- منظمة شباب البانجاسيلا «المبادئ الخمسة»: مرة أخرى كان أول من اتهمها هو عبد الرحمن وحيد من خلال الحديث بشكل غير مباشر عن رئيسها يوريس شنج روياي «48 عامًا» الذي أنكر بالطبع ذلك، لكن لم تثبت هذه التهمة، ولم تثبت براءته كغيرها من التهم والتحليلات.
كان يوريس في صغره صيادًا للتماسيح! ثم عاملًا ثم صعد ليتدرب في الإدارة النفطية ببريطانيا وأخيرًا مديرًا لفرع بهذه المنظمة وتدرج حتى صار رئيسها في 1996م، وهي منظمة أسست اسما للدفاع عن دستور البلاد، وكان عددهم حسب تصريح رئيسهم حتى عام 1995م ما بين ستة إلى سبعة ملايين تدرب منهم عسكريًا مليون من «الأحرار» كما يطلق عليهم، لذا فهم أكبر من الجيش من ناحية العدد.
وللمنظمة دور مشابه لما تقوم به منظمات أخرى في دول إسلامية، فقد صرح يوريس في 6 فبراير الماضي بأن من يهدد دستور البلاد، ودور الجيش ذي الوظيفة المزدوجة «عسكرية+ اجتماعية سياسية» والبانجاسيلا فعليه أن يواجه منظمتنا (!!). ولهم حضور حتى في آيرن جايا التي تريد الانفصال، ومؤخرًا اتهم صديقه المدعو ميلتون بالتحرك في إمبون، وليوريس علاقة بعائلة سوهارتو، ويتوزع أعضاء المنظمة على أحزاب مختلفة.
3- علامات استفهام حول دور الجيش: تقول مستشارة الرئيس حبيبي ديوي فورتونا أنور إن الجيش قد فقد معنوياته وضربت على ذلك أمثلة بالمقابر الجماعية التي اكتشفت في «أثيثة» كما اتهمت لجنة المفقودين وضحايا العنف «كونتراس» في تقرير لها صادر في 5 مارس الماضي على لسان رئيسها منير مستدلًا اتهمت الجيش بالتخطيط المحكم لأحداث العنف في أمبون، وتأخر الجيش شهرين حتى تدخل وبقوات محدودة «5300 جندي فقط» وكان إهمال الشرطة ثم الجيش للوضع خاصة في الأيام الأولى واضحًا وقال إن إطلاق الرصاص هو أبسط أساليب مشاركتهم، ويدعو منير الجيش إلى مراجعة أسلوبه وتكتيكاته في التعامل مع العنف والتعاون مع أهل الطوائف الذين لهم طرقهم الخاصة لحل النزاع كما عاشوا بذلك مئات السنين.
وقد بدأ الجيش من جانب آخر ولتقوية نفوذه تدريب المليشيات المدنية التي ستشارك في الاعتقال والتفتيش والأنشطة الأمنية، ومع ذلك فالجيش في مواجهة «امتحان لمصداقيته» كما وصف ذلك ويرانتو بنفسه إذ إن مهمته صعبة إذا أراد حل الصراع بالفعل.
4- أطراف طامحة وصراع بين النخبة: أرجع رئيس الجيش الوضع إلى الصراع بين النخبة السياسية محذرًا السياسيين من استخدام الأموال في تحريك الطوائف «وإلا سيواجهون الجيش» كما حذر من محاولات شق صف القوات المسلحة، وكانت أحداث جاوة الشرقية التي راح ضحيتها عشرات من نهضة العلماء والإصلاحيين والطلبة الإسلاميين والصحفيين ومدرسي المدارس الدينية، كما كانت تلك الأحداث وراء اتهام نهضة العلماء لأحد الوزراء وهو أدي ساسونوا بأنه كرر عمله الذي قام به عام 1996م ويقول أحد مشايخ جيمبر الحاج يوسف محمد: إن خلاصة ما حصل هو صراع بين النخبة السياسية لذا بدأ الناس يشكون في الجيش.
كما أشار عبد الرحمن وحيد إلى احتمال تورط جنرال سابق كان قائد القوات الإقليمية في مالكو «عاصمة أمبون» في أحداث عنفها الأخيرة.
وهناك اتهامات استنتجتها دراسة لجمعية نهضة العلماء موجهة ضد «الكارهين لنهضة العلماء» ودورها في الإصلاح وعرقلة سيرها باعتبارها ذات 35 مليون عضو أو أبناء أعضاء الحزب الشيوعي السابق، أو الجيش، والشرطة وقد أيد ذلك محللون وخاصة أن عمليات العنف في جاوة وأمبون دبرت بصورة دقيقة وإمكانات بشرية لا تمتلكها إلا مؤسسات أمنية ذات خبرة كالجيش أو المخابرات على حد قول التقرير، ويمكن توقع تورط شخصيات سياسية أخرى ما زالت ناجحة في إخفاء هويتها.
5- أطراف خارجية وحركة انفصالية: تدخل الأطراف الخارجية ووجود حركات انفصالية يجعل من الممكن وجود مثيلة لها في أمبون وكاليمنتان الغربية على غرار تيمور، وأثيثة، وبالي، ورياو، وآيرن جايا فعندما رحلت هولندا- وكما يقول محلل أمريكي- فإنها خلفت في أمبون 3 أمور: المسيحية، والوعد بالاستقلال عن إندونيسيا مقابل خدمتهم للجيش الهولندي «المسيحيين منهم»، والعيش لمن أراد في هولندا، وفي عام 1950م تأسست حركة جمهورية جنوب مالوكو لكنها دمرت، وهرب قادتها وبعض أعضائها إلى هولندا، وعاد الحديث عنهم الآن مرة أخرى فتظاهر بعضهم في هولندا، ورفعت أعلام الحركة في أمبون في أيام العنف الأول، وقد اتهمت إندونيسيا أمريكا بأنها تدعم هذه الحركة.
الأحداث قد تستمر حتى موعد الانتخابات في يونيو المقبل لكن القلق هو حول أثرها على تعطيلها أو تأجيلها.. أو حتى عرقلة المسيرة الديمقراطية وتأخر بدء البلاد بالنهوض اقتصاديًا.. وهذا ما يبدو هدفًا لكل من لا يريد للإصلاحيين في إندونيسيا نجاحًا، ولا للعدالة- التي هي السر الذهبي لحل الأزمة- أن تسود.