العنوان تذكري أن الظلم ظلمات
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 1005
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 30-يونيو-1992
إنها حادثة اهتزت لها جنبات الأرض، محنة
عاشتها سيدة من أشرف وأطهر نساء العالم واستغرقت ليالي وأيامًا.. مرارة تلك
الليالي كانت أشد من سوادها، وقسوة تلك الأيام كانت أقسى من قيظ الصحراء، دمعة
حارقة في عينين بريئتين، وجرح غائر في قلب امتلأ بحب الله، عزلة مرة، ونظرات
يملؤها الشك، وما من دليل على البراءة، وما من فرصة للدفاع عن النفس، فقد اختلط
بعض الحقيقة بكثير من البهتان فظهر الاتهام كأنه حدث أكيد.
وضعت تلك السيدة الطاهرة في سجن هو من
أبشع أنواع السجون.. إنه سجن الظلم، حيث تعمل المظالم عمل الأسوار المحكمة من كل
جانب.. أسوار تحيط بالنفس فتضيقها، وتضغط على القلب فتعتصره من الألم، حتى أعز
الناس على قلبها، حتى شريك الحياة كاد يتأثر، هجرها، والتزم الصمت، الجميع ينتظر،
والكل يترقب.
الظُلام فرحون بما فعلته شياطين أنفسهم،
والأحبة المنصفون يترقبون ويبحثون عن دليل البراءة، عن خيط أبيض يلوح في هذا الوسط
من السواد الرهيب، ويأخذ من ذلك الحزن الذي عم فجأة وبدون إنذارات مسبقة.
كانت تنظر من حولها فلا تجد سوى ذلك السور
الأسود، ولكنها حين نظرت إلى السماء بقلب متلهف ولسان ضارع، وكفين مبسوطتين
تنتظران عطاءات غيبية، لاح لها نور لا يبصره إلا من ظلم.. أحست أن سجنها ذاك مع
أنه يمثل حاجزًا منيعًا بينها وبين الناس، إلا أنه في ذات الوقت أزاح كل حاجز
بينها وبين خالقها! وهذه نعمة يلقاها المظلوم دون غيره، وأحست أن ألمها ذاك بلغ
حدًّا ارتفع بها عن عالم الأرض وكل من عليها ليصلها بالسماء وأهلها، ثم اطمأنت
لشعور غامر بالطهر أبعدها عن البشر وقربها من إلهها! لذلك راحت تنتظر الوحي الإلهي
الرباني.. فمن هناك يأتي إنصاف المظلوم.
وحين تنزل الوحي بالفرج يقدم وجهًا من
أوجه العدالة الإلهية، كان أعظم ما فيه أنه إضافة إلى تأكيد براءة أم المؤمنين قدم
«قانون الوقاية» لحالات مشابهة ستظل تحدث ما دام هناك شياطين أنس، وما دام هناك
طيب وخبيث، ومادام هناك أحقاد في النفوس، وأمراض في القلوب، وسقم وقصور في العقول.
مع أن حادثة كحادثة الإفك تتكرر كثيرًا في
مختلف الأوقات والأزمنة، وعلى وجوه مطابقة أو مشابهة، إلا أنه يخفى علينا أن الله
بعد أن أنزل آيات الوقاية المفترض مراعاتها قبل إصدار حكم لم يعد هناك عذرًا لمن
ينساق وراء ما تردده الألسنة التي لا يراعي أصحابها أعراض المسلمين وحرماتهم، ولابد
أن يتحمل جزاءه لأنه تجاوز النصح الرباني ولم يأخذ به، ولو أننا التزمنا بآية
عظيمة قبل اتخاذ أي موقف أمام أي أحد لما ظلمنا ولما ندمنا، ولما وصمنا أنفسنا
بمسحة الجهل المتعمد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ
بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6). «هذا ما يجب على المؤمن أن يسلكه أمام
أي خبر يسمعه يكون فيه إدانة لأطراف أخرى».
أما الفاسق الذي جاء بالخبر فلن يصرح
بفسقه وهو يشيع ما يشيع؛ بل على العكس لربما كان من ثبات الفسق فيه تظاهره بالطيبة
والأهداف النبيلة والمقاصد الشريفة، إلا أن حكم الفسق قد سبق وثبت كصفة ملازمة لكل
من يشيع الأكاذيب حول من غفل من أفراد المجتمع المسلم.
إن الذي يستمع إلى نبأ جاء به الفاسق يجب
لزامًا عليه أن يتبين لأنه إن لم يفعل فقد وافق ضمنًا على ذلك النبأ، حتى لو لم
يحدث به؛ لأننا أمام أي نبأ على ثلاث حالات: إما تصديق، وإما تكذيب، وإما شك.. ولمجرد
انتهاجنا لأي من هذه المسالك بدون أن نتبين تكون قد أصبنا القوم على جهل منا؛ لأن
التصديق بدون البحث عن مدى صدق المعلومة فيه ظلم صريح.. ولأن التكذيب بدون توفر
الأدلة قد يكون فيه تشجيع لفرد يرتكب من الآثام ما يضر بالمجتمع المسلم.. أما الشك
أو الظن فهو حالة من عدم الاستقرار والتذبذب ينتج عنها أحكام غير سليمة، لا تخلو
من ظلم وبهتان وإثم.. وهذه الحالة من الشك لابد أن تقطع باليقين.. ولن يتم ذلك إلا
بالتبين الذي من أدنى شروطه توافر التجرد من أي تأثيرات سابقة حتى تكون النتائج
منصفة.. وإلا فالأمر ليس تبينًا إنما هو تثبيت معلومة، والفرق كبير بين الحالتين.
لا يخفى عليك أختي المسلمة أن الفاسق الذي
ينقل لك نبأ هو أشبه بتاجر خبيث يعرض الجيد من بضاعة ليروج الفاسد منها، فتوقعي
وجود بعض الحقائق في خيره؛ ولكن لا يفوتك أن هذه الحقائق القليلة في زحام الأكاذيب
هي المطب، وهي المصيدة، وهي المكيدة كلها.