العنوان العلامة الزاهد الدكتور محمد حميد الله
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر السبت 19-ديسمبر-2009
مشاهدات 49
نشر في العدد 1881
نشر في الصفحة 42
السبت 19-ديسمبر-2009
من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة (١٦٢)
( ١٣٣٦ - ١٤٢٣هـ / ١٩٠٨ - ٢٠٠٢م)
● من مواليد مدينة « حيدر آباد » الهندية تخرج في دار العلوم وحصل على الماجستير والبكالوريا من جامعات ألمانيا وفرنسا
● حاضر في مئات المدارس والجامعات والملتقيات الفكرية والدعوية عارضا الإسلام بأسلوب عصري متطور
● حول ربع مؤلفاته واسعة الانتشار إلى الجهات التي تخدم الإسلام وقضى حياته في شقة متواضعة مستأجرة
● سار على قدميه من مكة إلى حنين مرة وامتطى حمارا مرة أخرى ليستوعب تجربة الصحابة الجهادية
● من أهم مؤلفاته فهرس ترجمات معاني القرآن الكريم بالفرنسية الذي استعان فيه بمائة وعشرين لغة
● عاش في الغرب وكان حيثما وجد منارة هادية وتعريفاً حيا بالإسلام بلسان الحال لا بمجرد المقال
● حقق الكثير من كتب التراث ومنها الأنوار لا بن قتيبة والأشراف للبلاذري والذخائر للقاضي الرشيد بن الزبير
قالوا عنه:
● عصام العطار : ارتفع بإيمانه الصادق فوق هذه الدنيا حقيقة لا كلاما ووسع بقلبه كل الناس
● الشيخ الأكوع : عالم زاهد أسلم على يديه الكثير من الفرنسيين وأتقن عشر لغات قراءة وكتابة ومحادثة
ولد الدكتور محمد حميد الله بن حاجي أبي محمد خليل الله بن محمد صبغة الله يوم الأربعاء ١٦ من محرم عام ١٣٢٦هـ الموافق 19 من فبراير ۱۹۰۸م، في حي فيلخانه بمدينة حيدر آباد الدكن بالهند، لأسرة لها مكانتها العلمية والاجتماعية، فجده لأبيه هو القاضي محمد صبغة الله بدر الدولة العالم المتمكن، ووالده هو أبو محمد خليل مدير المالية في حكومة نظام الملك بـ حيدر آباد الدكن في عهد القاضي بدر الدولة.
حياته العلمية والعملية بدأ تعليمه على يد والده، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، والتحق بكلية دار العلوم به حيدر آباد الدكن وتخرج فيها، وحصل على الماجستير والبكالوريا في الحقوق، وشهادة دي فل من جامعة «بون» الألمانية، ودي لت من جامعة السوربون الفرنسية، ولم يتجاوز سنه ثمانية وعشرين عاما فقط وأتقن العديد من لغات العالم.
عمل الدكتور محمد حميد الله لأكثر من عشرين عاماً في باريس، محاضراً وأستاذاً وباحثا في كل من المركز الوطني للبحوث العلمية، وذي فرانس كوليدج، وتنقل بين فرنسا وتركيا محاضرا في الجامعات التركية ومؤسساتها الثقافية، وعمل في جنوب أفريقيا رئيسا لقسم الدراسات الإسلامية في جامعة درم في وست فالي بجنوب أفريقيا، وأسس فيها مجلة العلم التي تصدر بالإنجليزية.
كما تنقل في أنحاء فرنسا وإلى خارجها مشاركا في المؤتمرات والندوات الثقافية والفكرية، ومتجولاً في الشرق والغرب ليحاضر في مئات من المدارس والجامعات والتجمعات الثقافية والملتقيات الدعوية
والفكرية معمقاً مفهوم الإسلام بأسلوب عصري متطور، فجذب بأسلوبه كثيرا من أبناء الغرب، ولا سيما أهل فرنسا .
يروى أنه أسلم على يديه أكثر من ثلاثين ألف فرنسي، من بينهم بعض المفكرين والمثقفين الذين لمعت أسماؤهم على المستوى العالمي، ومن الذين ألفوا في موضوع الكتاب المقدس والقرآن الكريم والعلم، مما أقنع الإنسان العصري بأن أيا من مقولات القرآن لا يتصادم مع أي نظرية علمية حديثة ثابتة. وقد جمعته صداقة مودة مع الزعيم الباكستاني الراحل محمد ضياء الحق ونال أعلى جائزة ووسام من الجمهورية الباكستانية لأعماله المميزة في السيرة وقبل الوسام، ولكنه تبرع بقيمة الجائزة وهي مليون روبية لمعهد الدراسات الإسلامية في إسلام آباد، قائلا: لو قبلت الجائزة في هذه الدنيا الفانية فماذا سأنال هناك في الدار الباقية ؟!
● من صفاته
عفة النفس: فرغم علمه الغزير ومؤلفاته واسعة الانتشار إلا أنه سكن في مكان متواضع بباريس، قضى فيه ما بقي من أيام شيخوخته، ولم يقبل مساعدة أحد مهما اشتدت به الحال، بل كان يقتطع من ضرورات حياته الأساسية ما يساعد به الناس، ويحوّل ريع كتبه - إن قبل أن يأخذ لكتبه ريعا - إلى الجهات التي تخدم الإسلام والمسلمين.
قوة الإيمان وهذا واضح من عناوين مؤلفاته التي تتسم بالأصالة والجدة والعمق والطرافة، وما قام به من جهود في مجال تحقيق التراث، وتحري الموسوعات ودوائر المعارف، وكل ذلك يؤكد عظمة الجهد الذي بذله، وتوافر الطاقة التي لا تعرف الكسل والملل.
ويروى أنه دخل في غيبوبة وأصيب بشلل تام عندما بلغ عمره ٨٨ عاما، وكان ذلك في شهر رمضان، وطلبت الجهات المشرفة على علاجه من أسرته الإذن بسحب أجهزة الإنعاش ليموت بهدوء، ورفضت الأسرة إعطاء ذلك الإذن، ولكنه استعاد نشاطه في اليوم الرابع، وتناول إفطاره، وواصل صومه في اليوم التالي قائلا : إنه لم يفته يوم من أيام رمضان منذ أن كان في التاسعة من عمره.
التواضع فمع مكانته الكبيرة، كان مثالا في التواضع وإنكار الذات والبساطة في المأكل والملبس، وفي جميع شؤون الحياة وكان يخدم الجميع بيده ولسانه ومكانته وماله، ويسعى لتفريج الكربات عن كل يتيم وأرملة وبائس ومحتاج للمعونة، وكان يقوم بجميع شؤونه بنفسه، فيغسل ثيابه، ويرتب أموره، ويكنس بيته، ويتكفل بتأمين حاجياته إلى أواخر سني حياته.
الزهد : كان رحمه الله لا يحب الظهور والشهرة، فعندما رشح لجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام ١٤١٤هـ / ١٩٩٤م رفض هذا الترشيح، زهدا وإيثاراً منه لجزاء الله على جزاء عباده.
لم يبن له بيتا، وإنما عاش حياته في شقة مستأجرة متواضعة، لم يتوافر بها الأثاث الفاخر ولا أسباب الترف، وكان يكتفي من الطعام والشراب بما يسد رمقه ويبقيه على قيد الحياة، وكان يسعى في المرحلة الأولى من حياته لإعالة أسرته الكبيرة والمتابعة شؤونه العلمية فانشغل بذلك عن الزواج.
الجد والمثابرة ومن مثابرته أنه صعد جبل أحد مرتين، ليحدد المكان الذي استراح فيه الرسول صلي الله عليه وسلم حينما جرح في المعركة، وخلص إليه فيه أنصاره، كما أنه سار من مكة المكرمة إلى حنين على قدميه مرة، وامتطى مرة أخرى ظهر حمار حتى يستوعب تجربة الصحابة في الحرب ويكتب من خلال التجربة والمعاناة.
● آثاره
أولا : من مؤلفاته:
1 - القرآن الكريم وترجمة معانيه بالفرنسية، طبع أكثر من عشرين طبعة.
٢- نبي الإسلام وحياته وأعماله، بالفرنسية في جزئين صدرت له عدة طبعات.
٣- التعريف بالإسلام. بالفرنسية، صدرت له عدة طبعات، وترجم إلى ٣٣ لغة.
٤- ست رسائل دبلوماسية لنبي الإسلام بالفرنسية.
ه - لماذا نصوم؟ بالفرنسية، صدرت له طبعتان.
٦ - فهرس ترجمات معاني القرآن الكريم، ألفه مستفيداً من مائة وعشرين لغة، وصدر بإسطنبول بتركيا.
٧- تصحيح ترجمة «بوسكاي لصحيح البخاري بالفرنسية.
٨- مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة بالعربية، صدر ببيروت.
۹ - مدخل إلى الإسلام.
١٠ - المسجد الأقصى.
۱۱ - افتتاح الأندلس على عهد عثمان بن عفان .
ثانيا : من تحقيقه لكتب التراث:
۱ - كتاب الأنوار لابن قتيبة.
٢- أنساب الأشراف للبلاذري.
٣ - الذخائر والتحف للقاضي الرشيد بن الزبير.
٤ - مقدمة في علم السير أو حقوق الدول في الإسلام في أحكام أهل الذمة لابن القيم.
ه - كتاب النبات للدينوري.
٦ - سيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبتدأ والمبعث والمغازي».
٧- - صحيفة همام بن منبه.
٨- - كتاب الردة ونبذة من فتوح العراق للواقدي.
٩- كتاب السير الكبير للإمام محمد بن الحسن الشيباني
ثالثاً: الأعمال التحريرية:
شارك رحمه الله في إعداد دائرة المعارف الإسلامية باللغة الأردية عام ١٩٦٥م، وقام بتحرير ۳۲ مادة، كما شارك في موسوعة الأطلس الكبير للأديان بالفرنسية عام ۱۹۸۸م، بتحرير مادة الإسلام، بالإضافة إلى مشاركته في تحرير مادة «الإسلام» أيضاً في كتاب الدليل الديني لفرنسا بالفرنسية.
هذا فضلاً عن أكثر من ٩٣٧ مقالاً في شتى المعارف الإسلامية وبمختلف اللغات العالمية، وأسس مبدأ الحياد في القانون الدولي الإسلامي، وأدخل مصطلحات جديدة في القاموس الإسلامي مثل دولة المدينة، ودستور المدينة.
● من أقواله
ليس منكم أحد لا يعرف هذه الآية الكريمة من القرآن الكريم: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: 256)، وهذه الآية الكريمة: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة: 92)، إن واجب الرسول صلي الله عليه وسلم الإبلاغ والتبليغ ثم المصير بيد الله.
يمكن القول بكل ثقة: إنه في العهد النبوي الشريف وعهد الخلفاء الراشدين لم يجبر أحد على أن يعتنق الإسلام، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يعامل غير المسلمين؟
القرآن الكريم يدل على مبدأ عجيب قائل : إن لكل قوم حقا في البت في أمورهم وإنهم لا يستطيعون أن يؤدوا العبادات على طريقتهم فحسب، بل يرفعوا قضاياهم إلى محاكمهم ويفصل فيها قضاتهم وفقا لقوانينهم.
وهذه الحرية الكاملة نجدها في عديد من الآيات القرآنية، منها : آية غاية في الوضوح وهي: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ (المائدة : ٤٧)، فهذه هي الحرية الكاملة التي كان يتمتع بها غير المسلمين في العهد النبوي الشريف، فكل قوم كانوا في حرية تامة في دياناتهم، وعباداتهم وقضاياهم القانونية والأمور الأخرى مثل المسلمين .
كانت الحرب على المسلمين دون غير المسلمين، يحاربون وهم يدافعون عن دولتهم فليس لهم أن يجبروا غير المسلمين على الدفاع عن دولتهم، وكما أن المسلم يدافع عن الدولة والإمارة وحدودها، وبفضل دفاعه يتمتع سكانها بالأمن والأمان بما فيهم غير المسلمين وكما هم يقتلون ويقتلون، فلذا يفرض الإسلام على غير المسلمين ضريبة رمزية يقال لها : الجزية.
إن الجزية هذه لم يبدعها الإسلام، بل الأمم الإيرانية والرومية من قبله كانوا يفرضونها على السكان الذين لا يؤدون الخدمة العسكرية، فأقر الإسلام ذلك، أما مقدار الجزية فهو قليل جدا، يساوي غذاء عشرة أيام في السنة، وبدفع هذه الرسوم الرمزية، يتمتع غير المسلمين بخدمات قوات الشرطة والحرس الوطني، وفي حين كان المسلمون يقاتلون يكسب غير المسلمين أموالا طائلة بالتجارة.
● قالوا عنه
قال عنه الأستاذ عصام العطار ارتفع بإيمانه الصادق فوق هذه الدنيا حقيقة لا كلاماً، فكان من عرفناه أكبر من هذه الدنيا، وأزهد الناس بها، في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه، وفي تواضعه ونأيه بنفسه عما يتهافت عليه الناس من المتع والملذات والمكاسب والمناصب والشهرة والتكريم وهو لو أراد شيئا من ذلك لبلغ منه الكثير دون عناء.
وسع بقلبه الكبير، وعقله الرشيد وخلقه الرفيع، وأفقه الواسع، سائر الناس وأحب لهم ما أحبه لنفسه من الهداية والخير، وبذل في إرشادهم وخدمتهم، من قلبه وفكره وعلمه وجهده، ما تنوء بمثله العصبة أولو القوة، فثبت الله به من ثبت على الهدى ودين الحق، وأخرج به من أخرج من الملحدين والكافرين والضائعين من الظلمات إلى النور ومن الضلالة المهلكة إلى صراطه المستقيم.
عاش في الغرب فلم يفتنه الغرب، ولم يلوثه، وكان حيثما وجد منارة هادية ودعوة دائبة، وتعريفا حيا بالإسلام وفضائل الإسلام بلسان الحال لا بمجرد المقال تعريفا رائعا ما يزال له في كثير من النفوس أجمل الآثار، وما يزال يفتح القلوب لدعوة الله عز وجل، ويولد لها عند المنصفين المحبة والإعجاب والإكبار استنفد عمره وقواه في خدمة الإسلام والمسلمين والإنسان ووهب حياته لخدمة دينه وأمته بقلمه ولسانه وعمله، في كل مكان، وعلى كل صعيد يراه أولى بالجهد أو يرى نفسه أقدر على الإفادة فيه، مسلحا في ذلك كله بالإيمان والإخلاص، والعلم والوعي والإرادة والداب والتضحية والصبر، وعدد من اللغات الحية منها : العربية والأردية والفارسية والتركية والفرنسية والإنجليزية والألمانية.. يفهم بها العالم، ويخاطب بها العالم، ويخدم بها دعوة الله أجل الخدمات.
وقال عنه الشيخ إسماعيل الأكوع كان عالماً زاهداً، أسلم على يده الكثير من الفرنسيين، وله الكثير من المؤلفات، ويتقن أكثر من عشر لغات قراءة وكتابة ومحادثة وكان يسكن في غرفة متواضعة جداً فوق سطح إحدى البنايات العالية في باريس وقد رشحته لنيل جائزة الملك فيصل العالمية وذلك حينما عرضت الأمر على الدكتور شكري فيصل الذي كان أحد أعضاء لجنة الجائزة، فرحب بذلك، وطلب بعض مؤلفات الدكتور حميد الله، فأرسلت في طلبها منه ولكنه رد علي برسالة يقول فيها : أنا لم أكتب ما كتبت إلا من أجل الله عز وجل فلا تفسدوا علي ديني.
● معرفتي به
عرفته من خلال مؤلفاته وبخاصة كتابه الوثائق السياسية في العهد النبوي. وسمعت عنه الكثير من إخواننا علماء الهند وباكستان وتركيا ومصر، الذين أثنوا الثناء الحسن على جهوده العلمية، كما حدثني عنه رفيق الدرب في طريق الدراسة والدعوة الأخ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي أبو عقيل حديثا طويلا مستفيضا، عن جهوده العلمية، وعن زهده وورعه، وبساطته وبعده عن الظهور والشهرة وعدم تطلعه للثناء والصدارة وإيثاره العمل الدؤوب المخلص لله تعالى، والدكتور الأعظمي يتحدث عنه لأنه التقاه مرارا في تركيا وفرنسا واستفاد من علمه وسيرته.
ثم شاء الله عز وجل أن أقوم بزيارته أوائل السبعينيات الميلادية بصحبة الأستاذ محمد قطب حيث زرناه في بيته بباريس. وسعدنا بالمكوث عنده فترة طويلة من العصر إلى العشاء في غرفته المتواضعة بأعلى عمارة سكنية قديمة جدا من القرن الثامن عشر، وقد رأيت بنفسي هذه الصورة المشرقة للعلماء والأفذاذ الذين أتاهم الله العلم الغزير في جوانب المعرفة، بحيث يعجب الإنسان لهذا الرجل الذي يتقن أكثر من عشر لغات يتكلم بها ويكتب مع اطلاع واسع على أمهات المسائل العلمية في مختلف الفنون، وقد استوعب ما كتبه القدامي والمحدثون من العلماء، وقام بالتحقيق والبحث المعمق عن كل شاردة وواردة تخص الموضوع الذي هو بصدد الكتابة فيه، فكانت الثمرة هذه المؤلفات العميقة الموثقة، وهذا الجهد المتصل الذي لم يتوقف منذ شبابه إلى شيخوخته، يضاف إليه هذا التواضع الجم والبساطة المتناهية في الملبس والمأكل والسكن، ولا يأكل اللحم مطلقا.
ويروي الأخ أبو عقيل الأعظمي أنه حين زار الرياض وقابل الشيخ عبد العزيز بن باز دعاه على الطعام وكان برفقته، وكان ذلك يوم الخميس فتناول قليلا من اللحم مجاملة وحياء من الشيخ ابن باز، فأصيب بالإسهال الشديد طيلة يوم الخميس والجمعة، لعدم تعوده على أكل اللحم طيلة حياته.
إن الدكتور محمد حميد الله كان من نوادر العلماء في غزارة علمه وصبره وجلده على البحث والتحقيق، ولو اقتضى الأمر سنوات طوالا، حتى يصل إلى الحقيقة ويقف على جلية الأمر المراد التثبت منه لأنه أعطى العلم كل جهده وبذل فيه طاقته وساعده على ذلك عزوفه عن الدنيا وزهده الكامل في زخارف الحياة، والاقتصار على الضروري منها فقط، وكان على جانب كبير من الورع، ويلزم نفسه بالعزائم والشدائد ويبعدها عن الرخص رغم مشروعيتها ويتهرب من الفتيا، ولكنه يرشد السائل إلى الجواب من مظانه في كتب العلماء والفقهاء، دون أن ينسب ذلك إلى شخصه فهو حريص في كل ما يقول ويعمل أن يكون العمل خالصا لله عز وجل ليس فيه حظ للنفس ولا مجاراة لأهواء الحكام أو العوام.
● وفاته
انتقل د. محمد حميد الله إلى جوار ربه يوم ۱۳ شوال ١٤٢٣هـ الموافق١٧/۱۲/۲۰۰۲م في مدينة «جال سلفانيا» بالولايات المتحدة الأمريكية عن عمر يناهز ٩٤ عاماً، وقد دفن هناك ولم يتجاوز عدد المصلين على جنازته الستين. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجازي عباده الصالحين، وجمعنا الله وإياه مع عباده من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
تنبيه
هذه الحلقات بعضها خواطر من الذاكرة قد يعتريها النقص والنسيان. لذا أرجو من إخواني القراء إمدادي بأي إضافة أو تعديل لتداركه قبل نشرها في كتاب مستقل على البريد الإلكتروني :
alaqeelabumostafa@hotmail.com
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل