; هذه القضية: تربية الأبناء | مجلة المجتمع

العنوان هذه القضية: تربية الأبناء

الكاتب سلمان مندني

تاريخ النشر الثلاثاء 31-ديسمبر-1985

مشاهدات 81

نشر في العدد 748

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 31-ديسمبر-1985

فإن تربية الأبناء أمانة يحملها الآباء في الدنيا تكون تبعة عليهم يوم القيامة يقفون بين يدي المولى ليسألوا عنها وعن أدائها كما أراد الله تبارك وتعالى ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة-283) فكان أنبياء الله تبارك وتعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام أجمعين يدركون خطورة الأمر وهم المثل الأعلى للخلق رباهم الله وأدبهم ليربوا ويؤدبوا خلقه.

وها هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام أول ما يشغل باله ويهمه هو أمر العقيدة كما أخبر القرآن عنه يوصي بنيه مرارًا وتكرارًا مع مراقبته لهم، وكيف ينفذون أمره. ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة 132) فهي لم تكن توصية واحدة وإنما هي توصية متتابعة مكررة لذلك قال القرآن «وصى» ولم يقل «أوصى» والتي تفيد المرة الواحدة. وإنما وصى وهي أبلغ فاللفظ إذن دلالته في أن تربيتهم عليهم السلام أجمعين مستمرة تتخللها الملاحظة والمراقبة والإعادة والتكرار، فقضية الإيمان هي واقع يمارسه الإنسان وينشأ عليه منذ الصغر وليس نظرية يحفظها ويرددها.

وهكذا تكون التربية بالملاحظة التي لا يغفل عنها الآباء فلا ينساها الأبناء، لذلك جاء يعقوب ليأكد ذلك مع أبنائه أيضًا ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾(سورة البقرة: 132) والإنسان لا يعلم ساعة موته وإلا لقال نفر من الناس جعل الله فسحة من العيش فلنغتنمها ثم نتوب من قريب قبل الموت. لكن شاءت حكمة الله تبارك وتعالى أن تظل ساعة الموت مغيبة لا يعلمها أحد من خلق الله، وذلك حتى تتهيأ لها نفس الإنسان وتكون في حسه دائمًا فيستعد لها بسريرة نقية وقلب زكي وإيمان وعمل، فإذا جاءت فرح بلقاء الله. ولأنه لا يدري متى يلقى الله ويخشى أن يأتيه داعي الموت وهو معرض تراه في مجاهدة دائمة مستمرة، فنبي الله يعقوب عليه السلام يحثهم في أمره وهذا  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (سورة ال عمران: 102) على التزام المنهج في حياتهم التزامًا دائمًا مستمرًا. ولذلك لم تصرفه سكرات الموت عن أن يطمئن على وصيته وتربيته.

لهم ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة: 133)

فكأنه قال لهم: الزموا الإسلام ولا تفارقوه إلى الموت.

إذن إصلاح الابن هو هم الأب السوي العاقل، يقيه أبوه حر نار الآخرة ويخاف عليه منها، ويريد له الجنة، لذلك قال إبراهيم عليه السلام كما يخبر عنه القرآن ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (سورة إبراهيم: 40)

وقال تعالى ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة الأحقاف: 15). لأن صلاح الذرية قرة عين الأبوين وفخره وعلو هامته بين الناس وكذلك فساد الأبناء شين الأب وحرجه بين الناس.

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (سورة الفرقان: 74)

أقول إن الأب السوي العاقل- كما يخاف على ابنه من جمرة تصيب إصبعه أو حرق بسيط يصيب جسده، فإنه كذلك يخاف عليه نار الآخرة. لذلك كان النداء من الله تبارك وتعالى للمؤمن خاصة، فإنه حري بالاستماع والاستجابة والامتثال ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (سورة التحريم: 5)

ففي الآية حث على تربية النفس فالأب المثل الأعلى في البيت والقدوة، يراها الابن فيتأثر بها فيقلدها في كل شئونه، ولا يتصور أن هناك خطأ يرتكبه أبوه في سلوكه فالولد كله عين وسمع وقلب يرى ويسمع ويعي، وكما أخبر صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». فينشا صالحًا من بيت صالح أو فاسدًا من بيت طالح، فكما أن أبويه ينصرانه ويمجسانه فكذلك يفسقانه ويفسدانه، فينشأ فاسقًا فاسدًا متحللًا من القيم والأخلاق. يتعلق قلبه بالخلعاء والمجان من الفنانين وغيرهم، فتراه يرتدي قميصا عليه صورة الراقص أو الخليع أو الفنان ويملأ غرفته من صورهم وترى الأب مغتبطًا جذلاً بذلك. ويظن أنها هي الحرية التي يعبر بها عن رأيه ومزاجه وهواه من غير تطبيق أو تعكير أو تكدير، لكنه طريق كله مخاطر ومغبته مرديه ويا ويل الآباء من أبناء نشأوا على هذا النمط، والنتيجة الحتمية ضياع وتسكع وانحراف وإصلاحية أو سجن الأحداث.. فليسوا بقرة عين في الدنيا ولا في الآخرة. في حين أن درجة يبلغها الرجل يوم القيامة قصر به عنها عمله، يبلغها بدعاء ابنه له فالابن امتداد عمل أبيه أجرًا أو وزرًا، فالعمل ينقطع إلا من ثلاث منها ولد صالح يدعو له أو ولد طالح يدعو عليه.

اللهم نسألك الأمن في البلد والعافية في الجسد والإصلاح في الولد ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (سورة الفرقان: 74) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل