العنوان تربية الأبناء رسالة
الكاتب زينب الغزالي الجبيلي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1987
مشاهدات 49
نشر في العدد 820
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 09-يونيو-1987
دنيا طفلك:
تربية الأبناء رسالة
طفلك يا سيدتي أنت دنياه الواسعة العريضة فوق صدرك الحاني ملاعبه وكل الفضاء له بسمتك التي هي دنيا سعادته كما أن دمعتك سجنه وشقاؤه، تفاعله دائمًا مستمد من تفاعلك يأخذ من نظرتك بسمته وضحكاته ويحبو سعيدًا نشيطًا لأنك حركت إليه يديك فيمسك بثيابك لترفعيه لدنيا وجوده وسعادته ليرتشف بشفتيه المختزنة بالفرح غذاءه لينمو جسمًا وروحًا ومشاعر وعقلًا... كلماتك تحفظها وتختزنها مشاعره نظراتك تتلبس بأوتار صمامات قلبه هو منك حقيقة وبك امتداد للحياة، فمن المسؤول إن أحسن ومن المسؤول إن أساء؟ ألست أنت؟!! بلى أنت.. ستقولين: لمَ؟ وأنا أجيب أنت المسؤولة عندما تتركينه ليرعاه غيرك، فغيرك لا يملك نبضات قلبك عندما ترفعينه إليك، أيعرف غيرك لمسات قلبك بكل كيانه عندما تمسك به يداك؟ أيحفظ غيره لمسات يديك النابضة بالحب والعشق معًا حين يستقي رشفاته من صدرك المعطاء الحاني ليسقيه سر امتداد الحياة؟ أغيرك يحفظ تأملات عينيه في وجهك وهو يرتشف غذاء الحياة؟ أنت وحدك التي تحفظ مشاعره من عينيه ومواجيده وغير صورتك باهتة في عينيه في مشاعره يرى الغير فيفرقه الحزن ويراك فيسترد نفسه هاربًا من غربته إليك، غيرك يتحسس فيه أجره أما أنت فتتحسسين فيه بعض روحك وكل حبك وكل مشاعرك فكيف بالأمن له على صدر الغير؟! أنه يريد حبك وفناءك فيه ليبقى غيرك لا تتحرك نحوه مشاعره وهو يخدمه أما أنت فتلهمين حاجته بروحك وهو بين يديك كما تلهمين أنفاسك فينمو جسدًا وروحًا وفهمًا، ويتوقد عقله بذكاء تكسوه سكينة النفس، فيحسن الخطأ في الحياة ويحسن العمل ويدنو من الرجولة فالعبرة بالأساس فطفولة الرجل هي التي تشكل رجولة الطفل.
الأمر حق واضح داخل النفس هي المدرسة الأولى وكل مدرسة بعدها مدينة لها بحسن البناء ومتانة الأساس إن أعصاب طفلك وسلامتها رهن هدوئك وسكينتك واطمئنانك في الحديث إليه.
إن سنوات طفلك الأولى لهي رمز نبوغه أو فشله وأنت عن كليهما المسؤولة، ففي الخمس سنوات الأولى للطفل تتكون شخصيته وتترك بصماتها على كل سني حياته، فأي جرم تتركين فلذة كبدك في هذه الفترة الحاسمة لمن لا يقدر الأمانة ولا تعنيه الرسالة رسالة الأمومة العزيزة الملهمة من الله تعالى.
ويجب هنا أن نشرك الأب في المسؤولية. إنه المسؤول عن حياة الأسرة وسلامة أعضائها زوجة وأبناء فعليه أن يتحمل مسؤوليتها، عليه أن يفهم أن الدنيا كلها لا تعوضه ولده، فكيف بحفنة من قروش تأتي بها الزوجة تكون عوضًا عن الولد المفقود؟!؟ والفقد هنا ليس معناه أن يعدم الولد وجوده ولكن أن يعدم معاني وجوده ومعاني حياته الكبيرة ومستقبله كإنسان، فإن لم تتوافر من الأم لطفلها كل معاني السلامة في السلوك منذ يوم ميلاده فبالشقاء ذلك الطفل الذي ضاع بين تشتت أمه بين وظيفتها خارج البيت ووظيفتها داخل البيت ومع زوجها، وبالشقاء ذلك الطفل الذي ضاعت معاني الحياة في عينيه بضياع حياة أمه ومعاني حياتها.
إن الطفل يتفحص الحياة من حوله -وبخاصة حركات والديه- وأدق حركات أمه وسكناتها فهو يحفظ لها أنه جاع فأهملته واتسخ فأهملته، ثم أودعته يدًا قاسية كل ذلك يختزنه الطفل بحواسه في عقله الباطن وربما يبدو منه ذلك في نظرة عاتبة تفهمها الأم الذكية، ولكنها ربما تجهل أنه سيحفظه لها وسيعاملها به في الكبر، ولذلك نقول للأم: لا تدعي طفلك للآخرين. إنهم لا يدركون منه ما تدركين، ولا يحفظون منه ما تحفظين ولا يعنيهم منه ما به تعنين.
أمر خطير
وبعد الخامسة.. لقد أصبح قادرًا على ترتيب الأحداث وإحصاء الأشياء وعلى قدر ذكائه يقيم والديه، وتصبح علاقته وعاطفته منشطرة بين الأبوين وإن كانت إلى الأم أقرب، وهنا على الأم رسالة خطيرة في هذه السن عليها أن تغرس في كل من الولد أو البنت سواء بسواء التساوي وألا تفرق بين أحد من أبنائها وعليها أن لا تنازع الزوج في أمر على مشهد من الطفل فهذا أمر خطير، وعليها أن لا تكذب هزلًا أو جدًا، وعلى الأب كذلك ألا يسوي مشاكل البيت في حضور الأولاد، على الوالدين أن يجعلا من البيت نموذجًا للحب الرفيع المتبادل بين الزوجين والأولاد وعليهما أيضًا أن يحسنا اختيار الأصدقاء فسوء خلق الأصدقاء وخاصة كذبهم خطير وقبيح ومعدٍ.
على الأم أن تساعد طفلها على فهم الكلمات وتعلمه المجاملات للكبار والصغار وتمرنه على محبة من هو أكبر منه واحترامه، وتعرفه بأقاربه من والديه بغير تمييز، وأن تتركه ينتقي ممن يعرف أصدقاء له تحت رقابتها، وإن لم يعجبها اختياره تنبهه من غير تحقير لمن اختار؛ ولكن بأن تذكر له المحاسن التي تحب هي أن تتوافر في أصدقائه. أو في أصدقاء أبنائها. ثم تتركه يفكر أنه سيختار لنفسه ما اختارت إذا هي بلغت قدرًا من الحكمة في بيانها.
على الأم ألا تتعجل خطوات أبنائها ليسبقوا سني حياتهم ولكن تلحظ قدرة الطفل وذكاءه فلا تحمله أكثر من طاقة ذكائه الذي به تزن تحصيله من علوم المدرسة والحياة «وكل شيء عنده بمقدار» سبحانه وتعالى. فعلى الأم أن لا تتعجل قطف الثمار قبل نضوجها، فالجسم والمخ والأعصاب كل ينمو بمقدار والله تبارك وتعالى خلق كل نفس وأمدها بقدراتها فعلى الوالدين أن يأخذا بأيدي الأبناء بشفقة، وعلى قدر نموهم الجسمي والعقلي يتدرج الطفل في مدارس التحصيل ومعارج المعرفة فلا يرهق فترهق أعصابه ولا يهمل فيركن إلى عدم الجد والنشاط ولكن بحكمة نأمره وننهاه وبحكمة نعطيه ونمنعه، وبحكمة نحصل معه دروسه في شفقة وحنان فيتدرج الطفل على سلم معارفه في مواده ويكتسب مهارات لا يعطاها بالعصى؛ ولكن سقياها بالحكمة وحسن التقدير للمسؤولية مع مراعاة الفروق الفردية وعدم المقارنة الصارمة بين طفلك وطفل آخر.
ومن الصفات العظيمة في الأم أن تملك التربية بالتوجيه والإرشاد لا بالعصى إلا عند الضرورة وبغير غضب ولا قسوة، فإن الطفل إذا أخذ برفق وتحنان وحب استطعنا أن نجنبه الخوف والتردد والعصبية والتربية بالكلمة خير ألف مرة من التربية بالعصى وخوف طفلك منك أو من عصاك -على الأصح- يسوق حتمًا مرة فمرة إلى أن يكذب فيتعود الكذب عليك وعلى غيرك، ولكن اتركي طفلك يتأمل ويفكر ويسأل ثم كوني على استعداد للإجابة السديدة.
ابنك وطاعة الله
وعلى الأم مسؤولية وأمانة يجب أن تؤديها في يقظة عقل وحنان قلب، سيسألها طفلها عن السموات وعن الأرض وعن الشمس وعن القمر وعن النجوم وعن الموت والحياة وعن نفسه وعن أخ له جاء بعده كيف جاء، عن الناس سيسألها وعن المدرسة والمدرس، وهنا يجب عليها أن تكون بمثابة الحبيب الصديق العاشق الذي لا يمل سؤال حبيبه، وأنها لفرصة طيبة تستطيع الأم أن تربط من خلالها بين ولدها والحياة بالحب والمودة فيعيش عيشة السكينة والاطمئنان، وستنفذ هي بذكائها من خلال أسئلته إلى الله سبحانه وتعالى فتعرفه أن الله خلق كل شيء وقدره تقديرًا أو بعبارات بسيطة ستفهمه هي أعظم عطاء الله له وستلقنه من خلال ذلك وجوب حب العبد للرب الخالق ووجوب طاعته فتعلمه الصلاة وفي مرحلة متقدمة تحدثه عن الصيام ووجوبه في سنه وكيف التدرج فيه حتى يصوم اليوم كله، وبذلك يتفتق ذهن الولد عن فهم للأشياء والواجبات، ومن ذلك حب الله وحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحب الوالدين وطاعة الله ثم رسوله ثم الوالدين ثم أولي الأمر من المسلمين وتنمي فيه حب أبيه وأسرته وجيرانه، حتى إذا ما بلغ العاشرة من عمره يكون قد قطع مرحلة كبيرة من الفهم والتقدير وتحمل المسؤولية، نعم، فهو مسؤول الآن عن الصلاة مدرب على الصيام، قد وعى أن الله واحد لا شريك له وأن الدنيا دار العمل والآخرة دار الجزاء بأسلوب مبسط خفيف يعيه بحب ومسؤولية نتيجة الحب، تلك مرحلة يجب على الأم فيها أن توثق علاقة الولد بأبيه عن حب ومودة مكتسبة مما يشاهده من حسن التعامل بين الوالدين ومن حسن ما يشاهد من أعمال أبيه.
وفي مرحلة ما بين العاشرة والخامسة عشرة يحتاج الولد إلى التشبع بكل ما يوثق عرى الحب والمودة بالوالدين، فمثلًا لا نترك مناسبة يستحق فيها أن نهدي إليه فنهمله أو مناسبة يستحق أن نذكره بواجب فلا نذكره، في النجاح نشجعه وفي الرسوب نواسيه ونشرح له بحنان عواقب رسوبه ونشعره بأنه قد اقترب من مراحل الرجولة، فعليه أن يعقل أمره ويسهر على مصلحته كل ذلك في حنان وحب وصداقة يجب أن نلحظ أيضًا ألا نجعله أقل من زملائه مظهرًا ولو بنظافة الثوب وترتيبه، ولنشعره دائمًا أننا نحافظ على مظهره لأننا يهمنا أن يكون محترمًا بين زملائه، والصغير يحاكي دائمًا الكبار الذين يعاشرهم فالأبوان قدوة لأبنائهما في كل أنواع الاستقامة ومنها النظافة والأناقة والمحافظة على حسن المظهر.
قصص الأنبياء والصالحين
تحدثي إليه على أنه رجل وأشعريه بشخصيته وأهميته، نمي فيه البطولة واحكي له قصص الصحابة واحفظي معه من أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفسري له الغامض والمستعصي رتلي معه القرآن وشاركيه في قراءة بعض التفاسير وبسطي له المعاني على قدر سنه وفهمه، اربطيه بالمسجد وعلميه كيف يؤم أصحابه وكيف يدعوهم إلى الصلاة معه حببيه في قصص الأنبياء وأبطال الصحابة والخالدين من النابغين وعظماء المسلمين من المعاصرين أمثال حسن البنا في مصر، وابن باديس في الجزائر ومحمد بن عبد الوهاب في السعودية والمودودي، وإقبال في باكستان والمفتي الحسيني في فلسطين والهضيبي في مصر والمهدي في السودان والبشير بن إبراهيم في الجزائر والسنوسي في ليبيا وعمر المختار، والندوي في الهند.
فإذا أصبح ولدك في الخامسة عشر فلا بد أن تبدئي معه بأسلوب متغير فقد أصبح في سن حرجة في كل منعرجاتها ذكرًا أم أنثى في هذا الطور اتخذيه صديقًا أو صديقة أفضي إليه ببعض أحوالك الخاصة وبادليه الرأي وأشعريه أنك تلجئين إليه كي يعينك في الرأي، فإذا أنت نجحتِ في اكتساب صداقته فسيسر إليك ببعض أشواقه ومواجيده وخياله وما يتوق إليه عندها أنت إذن قد نجحت في مهمتك وهنا يجب أن ترفقي به عندما لا يصيب في كل شأنه من الكمال والمكارم أنها السن الحرجة ومهمة الأم والأب فيها شاقة فاجعلوا الرحمة تسبق الغضب، والعطف يسبق التأنيب، احرصي كل الحرص على أن تكوني أنت ووالده الصدر الحاني الذي يرتمي عليه الطفل أو يرتمي هو إلى الطفل إذا ما تغلب الشطط على الحكمة والتسرع على التأني.
ألم أقل لك إنها السن الحرجة؟ كوني وأبوه خير صديقين حتى تكون كل الصداقات بعدكما تحت أعينكما وبمشورتكما، وإذا أغضبك أو أغضبتك فاحذري أن تعاملي أبناءك وأنت منفعلة فعندها ستسيئين أكثر مما تحسنين، وليحذر الأبوان معًا من تربية الأبناء على الخوف منهما فالأجدى أن يكونوا أصدقاءكما يفضون إليكما بكل ما يشغلهم سواء كان صوابًا أم خطأ وعندما يضطر الأبوان إلى عقاب أبنائهما فالأفضل أن يكون عقابًا معنويًا أكثر منه ماديًا فهو أجدى، وعلى الأم أن ترقب بحكمة مسيرة أصدقاء أبنائها ثم تشجع أو تنصح بالمفارقة ولكن بحكمة ومع إبداء الأسباب وهي تقدر أن الشباب له تشبثاته فيما يقتنع به فلتكوني حكيمة وعادلة في حكمك على الآخرين كي يقتنع ابنك بأن ذلك في صالحه ومن أجل ذلك فأنت حريصة عليه.
طور المراهقة
ولتعلم الأم أن الأبناء من سن الخامسة عشرة إلى العشرين في حاجة ماسة إلى حنان وشفقة الوالدين وفي هذه الفترة على الوالدين أن يرقبوا في أولادهما محافظتهما على فرائض الدين من صلاة وصيام وصدقة وعفة وقناعة وحب لكتاب الله وسنة رسوله، فهذه هي المرحلة الخطيرة التي ليس لها من حماية تقيها انزلاقاتها وأخطارها إلا الدين وتمسك الأبناء به وحرصهم عليه وهذه هي السن المناسبة لذلك والأمر بعد ذلك صعب وعسير.
وعلى الأم المسلمة أن تدرك معنى قوله سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6).
ولتعي كل أم وليعي كل أب أن الأبناء رسالة، وهما معًا مسؤولان عنها بين يدي الله سبحانه وتعالى كما قال الشاعر أحمد شوقي:
الأمة مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبًا طيب الأعراق
وكما قال الشاعر:
قم ابن الأمهات على أساس
ولا تبني الحصون ولا القلاع
فهن يلدن للقصب المذاكي
وهن يلدن للغاب السباع
والآباء العظام تأبى فضائلهم أن يكون أبناؤهم في مرحلة أدنى والمسؤولية خطيرة لإعداد جيل طيب الأعراق، وهي مسؤولية الأبوين معًا ومسؤولية الأم أولًا وأخيرًا.....؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل