العنوان ترجمات - أبعاد الموقف الأوروبي من تركيا
الكاتب أوتو دي هابسبورغو
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1997
مشاهدات 73
نشر في العدد 1244
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-أبريل-1997
لا يوجد شعب واحد في العالم يتمتع بشيء من الشرف والكرامة يقبل أن يعامل بالطريقة التي يُعامل بها الاتحاد الأوروبي تركيا تمتعت العلاقات الأوروبية التركية دائمًا بأهمية خاصة في مجال السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من ذلك فإنه من الملفت للنظر وجود درجة عالية من الحساسيات التي ما زالت تثيرها هذه العلاقات هذه الحساسيات التي ما زالت تستند إلى ردود أفعال ترتبط بالموروثات القديمة بين كل من تركيا والاتحاد الأوروبي. ومعظم هذه الموروثات ليست إلا جملة من الأمور غير المنطقية، وغير المقبولة، من ذلك على سبيل المثال، عدم قدرة أوروبا على تفهم عالم الإسلام حتى الآن،
إضافة إلى الكراهية والرفض الذي يعامل به العمال الأتراك في البلدان الأوروبية الصناعية، وذلك على الرغم من أن أحدًا ما لا يستطيع إنكار تفاني هؤلاء العمال في إنجاز أعمالهم، وهذا ما يهمس به في المجالس الخاصة، ولا يظهر قط في أجهزة الإعلام. (*) السفير الألماني الأسبق في إسبانيا - ترجمة نوال السباعي صحيفة الـ.A.B.C الصادرة يوم الأربعاء ١٩/٣/١٩٩٧م. ولقد دخلت الآن قضية تعامل أوروبا مع تركيا مرحلة جديدة، فالحكومة التركية، وعلى وجه الخصوص وزيرة خارجيتها تانسو تشيللر - أوضحت بصورة لا تقبل الجدل أن بلادها تريد وفورًا إجابة قاطعة وواضحة على قضية قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد هذا الانتظار الذي بدا وكأنه لا نهاية له. المثل ذلك الجواب. وفي الواقع ينبغي أن نعترف وبصورة موضوعية هادفة، بأن مواقفنا ضد تركيا كانت مواقف ملفتة لكثير من النظر، ومثيرة لكثير من الجدل، فلقد انطلقت المواقف الأوروبية ودائمًا من ردود أفعال عاطفية تعود إلى تبادل المشاعر الوجدانية مع اليونان.
● تركيا.. واليونان إنه من المفروغ منه أن حروبًا عديدة كانت قد جرت بين تركيا واليونان، كما أن الأتراك لم يكونوا قط رعايا إغريقيين، ولم ينضووا قط تحت سلطة الحكم اليوناني الذي شمل المنطقة بأسرها، وهذا موضوع طالما أخذته «أثينا» بعين الاعتبار. كذلك لم تنس اليونان أن جيوشها كانت قد دحرت وبشكل ساحق أمام جيوش كمال أتاتورك إبان الحرب العالمية الأولى، مما لعب دورًا نفسيًا ذي أبعاد خطيرة، فبعد إعلان نهاية هذه الحرب العالمية قامت اليونان بغزو تركيا المنهكة فاقدة الوعي، وقد وصلت هذه الجيوش بالفعل إلى أنقرة، وهناك انقلبت الأمور على أعقابها،
ونالت الجيوش اليونانية على يد الأتراك ما جعل الحقد والكراهية يحكمان تصرفات وسياسات العاصمة اليونانية منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا. ولقد عملت اليونان وبصورة مقصودة دائمًا، وعن طريق استخدام حق الفيتو (النقض) في أطر الاتحاد الأوروبي، على عرقلة جميع الإجراءات التي كانت تطرح المصلحة تركيا على مائدة العمل في الاتحاد، وعندما كانت تعجز عن الحيلولة دون ذلك تلجأ إلى وضع القيود والشروط الثقيلة التي لا تليق، ولا يمكن قبولها من قبل شعب يتحسس كرامته بشكل عميق كالشعب التركي. وبين هذا السلوك وذاك يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في متاهة لا يجد سبيلًا واضحًا للخروج منها، فحق النقض والرفض ليس إلا حقًا مشروعًا وأساسيًا في النظم الديمقراطية. ولا يمكن مناقشته أو تعديله، ومهما كانت النتائج، بل وحتى لو اضطر الاتحاد الأوروبي -كما يفعل الآن- إلى سلوك سياسة مزدوجة مع تركيا.
● قضية الأكراد ولقد حدث هذا مرارًا، وليست قضية الأكراد أو موضوع حقوق الإنسان إلا مثلًا واضحًا على هذا السلوك، فعلى الرغم من أن تركيا كانت قد ارتكبت بعض التجاوزات إلا أنها في الواقع لم تكن على الإطلاق تقارن بما كانت تهوله وسائل الإعلام الغربية، كما أن الغرب ما فتئ يخلط وبصورة منتظمة بين المنظمات الكردية الشيوعية الإرهابية، وبين الشعب الكردي، وذلك على الرغم من أن أي تحقيق وقائعي يجري على الساحة يمكنه أن يكشف النقاب عن مناهضة الشعب الكردي لهذه التنظيمات. أما فيما يتعلق بموضوع حقوق الإنسان فإنه يجعل ببعض الدول الأوروبية التي تدين مرة إثر أخرى سلوك الأتراك في هذا المجال أن تعيد النظر في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في أراضيها وتحت سمعها وبصرها. ولكن وللأسف الشديد فإن ما يحدث في الاتحاد الأوروبي هو أن معالجة أوضاع حقوق الإنسان تختلف بصورة جذرية عن معالجتها داخل حدود هذا الاتحاد عنها عندما تخص بلادًا أخرى، ولعله من الضروري التأكيد على أنه يحسن بالاتحاد الأوروبي أن يعيد النظر وبصورة شاملة في العقلية، وفي السلوك الذي ينتهجه في هذه القضية بالذات، وهي قضية جديرة بأن تهز صورة أوروبا ومكانتها. وبالإضافة لذلك فإنه يتم نسيان أمر جوهري، وهو أن الأتراك يشكلون شعبًا يتمتع بدرجة عالية جدًا من الشعور الوطني القومي ويفتخرون بتاريخ شديد الحضور في وجدانهم.
● تركيا.. وأوروبا لقد نشأت الدولة التركية على أرضية صعبة للغاية، وعلى أسس سياسية رفيعة المستوى وأكثر ذكاء من تلك التي اتبعتها القوى العظمى بعد نهاية الحرب العالمية الأولى في تلك المنطقة. ولولا أن الإمبراطورية العثمانية كانت قد تمرت لاختلفت الكثير من الأوضاع في إسرائيل وما حولها على وجه الخصوص. ولا يمكن أن ننسى قط أن أنقرة على الرغم من سقوط إمبراطوريتها، ما فتئت تتبع سلوكًا ممتازًا في سياساتها تجاه الشعوب الإسلامية خاصة تلك التي تحررت من ربقة السلطة الشيوعية، والاتحاد السوفييتي، فهي تقدم مساعدات هائلة في مجال تطور ونمو تلك الشعوب،
وعلى وجه الدقة فيما يخص إعداد النخبة المختارة من الطبقة اللازمة لحكم البلاد. وتسيير دفة الأمور فيها، من رجال أشداء مختصين بعد أن عملت روسيا على استئصال كل من له القدرة على القيادة الاجتماعية والسياسية والفكرية في تلك الشعوب لا ينبغي أن يغفل الاتحاد الأوروبي عن هذه القضية، إنها وبالذات تجعل من تركيا مسألة أساسية وجوهرية في أوروبا اليوم، وإنه من دواعي الأسف الشديد، أن لا يتطرق أحد إلا نادرا لهذه الوجوه الخاصة بالأوضاع المحيطة بتركيا، كما أنه من البديهي في هذه الحال أن يفقد الأتراك قدرتهم على المزيد من الصبر في وجه سياسات الاتحاد الأوروبي مع بلادهم ويجب أن تفهم أوروبا بوضوح، مطالبة تركيا لها بإنهاء هذه المسرحية. لقد كان من الممكن لأوروبا أن تتفهم تصريحات وزيرة الخارجية التركية لو أن الغرب تناول تلك التصريحات التي وجه إليها أشد النقد وأقساه بشيء من الموضوعية والمنطق. إنه لا يوجد شعب واحد في العالم يتمتع بشيء من الشرف والكرامة، ثم يسمح بأن يعامل بالطريقة التي يعامل بها الاتحاد الأوروبي الشعب التركي.
وإن الواجب يقتضي في أوروبا أن يتفهم الشعب مرة واحدة، وفي وضوح وصراحة بأن تركيا تمثل ركنًا حيويًا على درجة عالية من الأهمية بالنسبة لأوروبا في المستقبل ولا يعود ذلك لمكانة أنقرة القيادية في المشرق فحسب، ولكن وبشكل رئيسي بسبب الدور الخطير جدًا الذي تلعبه تركيا على ساحة الجمهوريات الإسلامية التي كانت في منظومة الاتحاد السوفييتي، حيث مازالت تركيا تملك نفوذًا هائلًا على أرض الواقع في تلك الساحة وسيكون لها دور فعال في قضية الحركات المتطرفة والأصولية في تلك المناطق الإسلامية، ومن أجل ذلك بالذات ينبغي على الأوروبيين أن يسارعوا لتثبيت قواعد صلبة الأفضل العلاقات الممكنة مع تركيا. أما أن يجر ذلك إلى أن تصبح تركيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي، فهذه قضية أخرى، ولكن ومما لا شك فيه أن تكريس الوضع الحالي بما هو عليه، سيعود بأسوأ النتائج على الطرفين. فبالنسبة للأتراك، ينبغي أن نفهم بأن تركيا بلد لن يستطيع المزيد من الصبر، ولابد له من اتخاذ قرار حاسم، وبالنسبة لأوروبا فإن تركيا لا تخرج عن كونها أحد أركان الأمن الأوروبي الأساسية.
وإذا استمرت الأوضاع على هذا الحال بين أوروبا وتركيا فإن نشوء سياسات رد فعل أصولية من الجانب التركي الآن ستكون -ضمن أسباب أخرى- وبصورة رئيسية بسبب السياسات الأوروبية المكرسة خلال الأعوام الأخيرة ضد تركيا. إن من المنتظر أن تتخذ أوروبا وفورًا، قرارًا فاصلًا بشأن تركيا،
وخلال الأشهر الاثنا عشر المقبلة على الأكثر، وسيكون من الخير لأوروبا أن تعترف اليونان خاصة بأن تركيا اليوم لا تمت إلا بصلة قليلة لتلك الإمبراطورية التي نشأت منذ مائتي عام، ونفس الكلام يمكن قوله على اليونان نفسها. لقد حانت ساعة مراجعة التفكير لدى أولئك السياسيين الأوروبيين الذين بالغوا في ردود الفعل تجاه تصريحات تانسو تشيللر، وينبغي على هؤلاء أن يعيدوا النظر في مهماتهم الواقعية التي لم تختارهم شعوبهم ليشغلوا من خلالها عناوين الصحف، ولكن ليكونوا المدافعين الحقيقيين عن مصالح الذين انتخبوهم. وهذه الشعوب لا تطالب اليوم إلا بنظام عالمي يضمن لنا -كأوروبيين- أمنًا دائمًا، وإن سياسات أوروبا الحالية تجاه تركيا بعيدة كل البعد عن هذا الهدف الأساسي لشعوبنا.