; ما وراء حجاب الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان ما وراء حجاب الإسلام

الكاتب دانيل بايبس

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-2000

مشاهدات 51

نشر في العدد 1389

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 22-فبراير-2000

هذا المقال يعكس بجلاء الفهم الخاطئ لدى كتاب الغرب عن الحالة الإسلامية الراهنة، لكنه يعكس بجلاء أوسع التدخلات الغربية الواقعة والمحتملة في عالمنا.

  • التجربة علمتنا- وبشكل أكثر إثارة في الجزائر- أن الدولة إذا أقامت انتخابات مرتجلة، فإن الإسلاميين سينجحون فيها لذلك فإن علينا ألا ننظر إلى الانتخابات كخطوة أولى في العملية.. بل تأتي في النهاية بعد إقامة مجتمعات متمدنة.

بينما يمر الشرق الأوسط والعديد من الدول الإسلامية بحالة من العنف وعدم الاستقرار، يبقى السؤال الملح: هل يشكل الإسلام خطراً؟ وسوف أجيب بلا، ولكن إذا كان السؤال: هل تشكل الأصولية الإسلامية خطراً؟ فالجواب هو نعم.

ويمكننا فهم الفرق من خلال النظر في ثلاث مسائل: الإسلام، والإسلام فقط وليس الأصولية، وتجربة المسلمين التاريخية، وما هو الإسلام الأصولي أو كما يسمى الآن "الأسلمة"؟ وكيف يجب على الغرب الرد عليه؟

الإسلام هو دين حوالي مليار شخص، أي ما يقارب سدس البشرية، وهو دين سريع الانتشار خاصة في إفريقيا وفي العالم بأسره. ويجد أتباع الإسلام جاذبية قوية في دينهم. فالإسلام له قوة ذاتية استثنائية كما عبر عن ذلك أحد الكتاب: "إن لعالم الرجال وأسرهم إعجاب منقطع النظير". ويشعر المسلمون بالثقة أن دينهم هو الأفضل، وهذا يعود في جزء منه إلى:

1- الإسلام هو واحد من ديانات التوحيد في الشرق الأوسط، ولا يضير المسلمين أن ديانتهم جاءت بعد اليهودية والنصرانية، بل إنهم يعتقدون أن دينهم مكمل لسابقيه، فهم يرون اليهودية والنصرانية نسخة منقوصة من الإسلام وأن الإسلام هو الدين النهائي.

إن ولاء المسلمين لدينهم ليس له نظير، ويعود في جزء منه إلى ذلك الشعور الذاتي بالثقة وفي الجزء الآخر إلى حقيقة أن المرتدين وهم الذين يتركون الإسلام إلى دين آخر، يواجهون عقوبات زاجرة.

وحين ننظر إلى الإسلام من الناحية التاريخية، ولا أعني هنا الإسلام كعقيدة، تبدو لنا حقيقة رئيسة وهي أنه في الوقت المعاصر- ولنقل في القرنين الماضيين- يعيش الإسلام في حالة من الصدمة. وقد وجد المسلمون صعوبة في فهم وتفسير أسباب هذا التردي، ودعني أوضح ذلك:

منذ البداية، كان الإسلام ديناً ذا نجاحات عالمية. الرسول محمد ﷺ خرج من مكة عام 622م وبعد أن كان لاجئاً عاد في عام 630م كحاكم لمكة، وبحلول عام 715م وصل المسلمون إلى إسبانيا في الغرب والهند في الشرق. وخلال العصور الوسطى، كان المسلمون أكثر الشعوب نجاحاً، إذ إن ثقافتهم كانت الأكثر تقدماً، وكانت معدلات أعمارهم أطول، وكان لديهم أعلى معدلات التعليم، وكانوا على قمة الابتكارات التقنية. أن تكون مسلماً كان يعني أنك منتمٍ إلى حضارة متفوقة. وقد افترض المسلمون وجود علاقة بين النجاح الدنيوي والإسلام. وتكون الشعور لدى المسلمين أن كون الواحد منهم مسلماً، يعني أن الرب يتعاطف معهم في أمور الدنيا بالإضافة إلى الأمور الروحية.

والصدمة الحديثة ظهرت رمزياً قبل مائتي عام تقريباً، في يوليو من عام 1798م عندما حط نابليون رحاله في مصر. فمنذ ذلك الوقت فصاعداً تنبه المسلمون إلى الحقيقة المؤلمة، أنهم ليسوا في القيادة. وبالطبع فإن هذا التغيير لم يحدث فجأة عام 1798م، فالأزمة بدأت في الظهور منذ ستة قرون سابقة. وخلال تلك الأحقاب الطويلة، كان المسلمون في غالبيتهم جاهلين بتطورات الأحداث في أوروبا. لماذا يجد المسلمون أنفسهم الآن متأخرين في مجالات القوة العسكرية والتطور الاقتصادي والصحة وطول العمر والتعليم؟

وبعد قرنين من الزمان يبقى السؤال نفسه. فأينما توجه نظرك تجد المسلمين متجمعين في القاع سواء تحدثنا عن الاستقرار السياسي، جوائز نوبل، ميداليات الأولمبيات، أو أي شيء آخر على أي مستوى يسهل قياسه. وقد تمثل بحث المسلمين عن حل لهذه الأزمة بظهور ثلاثة توجهات: العلمانية، والإصلاحية، والإسلامية.

يرى التيار العلماني أن الطريق إلى تقدم المسلمين يكمن في اتباع الغرب. فهم يرون تحديداً أن الجوانب العامة للإسلام "التطبيقية" غير صالحة لهذا العصر. فالإسلام يجب أن يصبح معتقداً شخصياً، وأن قوانين الإسلام المقدسة والتي تسمى "الشريعة"، والتي تحكم مسائل كالنظام القضائي وقوانين الحرب، وطبيعة التعامل الاجتماعي بين الرجل والمرأة، يجب أن تلغى. والدولة العلمانية الرائدة في هذا المجال هي تركيا، حيث قام مصطفى كمال في الفترة ما بين 1923-1938م بفرض تغيرات جذرية في الدولة. ولكن العلمانية في موقع الأقلية لدى المسلمين في ظل الأمثلة القليلة إلى جانب تركيا.

التيار الإسلامي هو الوسط الغامض. فإذا كانت العلمانية تشكل التعلم من الغرب، فالتيار الإسلامي يرى الاقتباس المناسب من الغرب. يقول الإصلاحيون شيئاً كهذا: "انظروا.. إن الإسلام والمبادئ الغربية متماثلة في القاعدة، لقد فقدنا تتبع إنجازاتنا التي أخذها الغرب واستغلها. إن علينا أن نتبنى الطرق والمبادئ الغربية ونستطيع أن نفعل ذلك دون عناء لأن هذه الطرق هي طرقنا في الأصل". وللتوصل إلى هذه النتيجة عاد الإصلاحيون إلى النصوص الإسلامية ودرسوها في ضوء المفاهيم الغربية. وبشكل عام يندمج الإصلاحيون في مثل هذه التفسيرات، وعندما يأتي الحديث عن العلم، يقولون: ولا يوجد هناك مشكلة، فالعلم أصله إسلامي، فكلمة "Algebra" في الإنجليزية من العربية "الجبر". وبما أن الجبر هو جوهر علوم الرياضيات، والحساب والرياضيات هي جوهر العلوم، فجميع العلوم والتقنية الحديثة تفرعت منا، لذلك فليس هناك سبب لرفض العلوم الغربية، وكل ما في الأمر هو أن ندمج في حياتنا ما أخذه الغرب عنا في الأصل. ونتيجة لذلك يحظى التيار الإصلاحي بالانتشار في العالم الإسلامي.

التيار الإسلامي: وهو ما سأركز عليه في هذا التقرير: ويستند هذا التوجه إلى أن سبب تخلف المسلمين هو عدم تمسكهم الجيد بالإسلام. ولكي يستعيد المسلمون عظمتهم، فإن عليهم أن يُسيّروا حياتهم وفق الشريعة. فإذا فعل المسلمون ذلك، فإنهم سيتربعون ثانية على قمة العالم كما حدث منذ ألف سنة مضت. وهذا الأمر ليس بالمهمة السهلة، فالقانون المقدس «الشريعة» يحوي مجموعة كبيرة من الأحكام التي تنظم جوانب عديدة من الحياة تتعارض غالبيتها مع التطبيقات الحديثة.

الشريعة تمثل إلى حد بعيد القانون اليهودي، ولا يوجد شبيه لها في المسيحية. فعلى سبيل المثال: تحرم الشريعة التعامل بالربا، وهذا ينطوي على آثار عميقة في الحياة الاقتصادية. وتغطية المرأة، وأكثر من ذلك الفصل بين الجنسين.

ويرفض الإسلاميون التأثير الغربي أجمعه مع وجود استثناء رئيس وحيد فيما يخص التقنية العسكرية والاستعمالات الطبية. وفي هذا التوجه الذي لا ينبني على نظرية التعلم من الغرب ولا على ما كان إسلامياً من البداية- العلم- يقوم الإسلاميون وبخفية بالاقتباس من الغرب وينكرون أنهم يتعلمون ذلك.

فالإسلاميون يرفضون رفضاً قاطعاً عادات الغرب وفلسفته، ونظمه السياسية وقيمه، ولكنهم مستعدون لتعلم تقنيات محددة من الغرب. بالإضافة لذلك، فهم يحملون عداوة شديدة لغير المسلمين، وبخاصة اليهود والنصارى، وكلامهم وأكثر من ذلك أفعالهم تثبت هذا الشيء مراراً وتكراراً.

وباختصار قلب الإسلاميون الإسلام إلى عقيدة فكرية. إن مصطلح "الأسلمة" هو مصطلح مقيد لأنه يدل على أنه أيديولوجية مماثلة لأيديولوجيات القرن العشرين. فبعد الماركسية واللينينية والفاشية جاءت الأسلمة، لتمثل نسخة بصيغة إسلامية لأفكار متطرفة غير واقعية في هذا العصر. وتطعم مجموعة كبيرة من الأفكار السياسية والاقتصادية الغربية في الدين الإسلامي.

وعندما يأتي الإسلاميون إلى الحكم، كما حدث في إيران والسودان وأفغانستان، تكون النتيجة مشكلات الانكماش الاقتصادي الذي يهيمن. فإيران، التي حكمها الإسلاميون لمدة عقدين، هي أفقر الآن مما كانت عليه منذ عشرين سنة. تحجيم النساء يعتبر مطلباً أساسياً، ويظهر هذا في أشد وضوح في أفغانستان وهو منتشر جداً. الحقوق الشخصية معدومة، تنتشر الأسلحة على قدم وساق، ويتبعها الإرهاب وأشكال أخرى من العدوان. وباختصار، هذه دولة خارجة على القانون، «الإسلامية» هي خطر حقيقي على المسلمين وغير المسلمين.

وتجدر الإشارة إلى أن الأسلمة ليست هي الإسلام التقليدي، ولكنها شيء حديث جداً. وفي أكثر من نقطة بعد أخرى، هناك فوارق شاسعة بين الاثنين: فالإسلام التقليدي يسعى إلى تعليم البشر كيف يعيشون حياتهم وفقاً لإرادة الإله، فيما يطمح الإسلاميون إلى إيجاد مجتمع عادل. عقيدة المسلمين التقليديين تمتد إلى أكثر من ألف سنة من مناظرات الفقهاء وآراء العلماء وغيرهم. وبكونهم يرجعون مباشرة إلى القرآن فقط ويرفضون مجموعة العلوم الإسلامية الأخرى. ويختلف المسلمون التقليديون عن الإسلاميين حتى إن التقليديين لا يعرفون الشيء الكثير عن العالم المعاصر، لم يتعلموا اللغات الغربية، ولم يدرسوا في الغرب ويتعلموا أسراره المتطورة. ولكن الإسلاميين منغمسون إلى حد كبير في هذه المسائل، فالشبكة الإلكترونية الدولية تعج بالمواقع للإسلاميين، وأنا أشك إن كان هناك موقع واحد للمسلمين التقليديين.

الأسلمة ليست طريقاً إلى الوراء، بل إلى الأمام. فهي تبحث في مشكلات الوقت المعاصر، ومع بعض الاستثناءات، الإسلاميون ليسوا أشخاصاً من الريف، بل هم من سكان المدن الذين يتحتم عليهم التعامل مع مشكلات حياة المدينة المعاصرة. فعلى سبيل المثال، فإن التحديات التي تواجه المرأة العاملة تعتبر على قائمة النقاش لدى الإسلاميين. وماذا يجب على المرأة التي يجب عليها أن تنتقل في وسائل النقل العامة المكتظة أن تفعل لتحمي نفسها من تعرض وتعدي الغير عليها؟ الإسلاميون لديهم جواب جاهز: أسدلي الحجاب على جسمك ووجهك، وبذلك تكونين قد أرسلت إليهم إشارة واضحة من خلال الملابس الإسلامية أنك لست عرضة للمعاكسة.

وفي موضوع الأسلمة، فإنني أعتقد- على غير ما هو شائع- أن الأسلمة لم تظهر كردة فعل للظروف المعيشية السيئة. فلو كان ذلك صحيحاً، لكانت بنجلاديش أقوى معاقل الإسلاميين، ولكنها ليست كذلك. ولو كانت نتيجة للفقر، لكان العراق، والذي يشكل اقتصاده الآن 10% مما كان عليه قبل عشرين سنة، مرتعاً للأصوليين، ولكنه ليس كذلك.

فماذا يجب علينا أن نفعل تجاه التيار الإسلامي

أولاً: هناك معركة كبيرة بالانتظار، وهذه المعركة ليست بين الغرب والإسلام كما يقول صموئيل هانتنجتون، بل إنها حول روح الإسلام. والمتصارعون فيها هم نوعان من المسلمين: الإسلاميون ضد من يرفضون برامجهم الشمولية المتطرفة. وهي في النهاية، معركة بين العلمانيين والإسلاميين، بين أتاتورك تركيا وخميني إيران. في هذه المعركة، نكون نحن غير المسلمين مجرد متفرجين، وسنتأثر حتماً بنتيجة هذه المعركة، ولنا فيها دور علينا أن نلعبه في مساعدة طرف ضد الآخر، ولكن في المحصلة دورنا هذا يعتبر ثانوياً.

ثانياً: علينا أن نميز بين الإسلام الدين، وبين الأسلمة «الأيديولوجية» العقيدة السياسية. وهذا يعني شجب الأسلمة وليس الإسلام.

ثالثاً: ولأن الإسلاميين يعتقدون أننا في الغرب فاسدون خلقياً وليس لدينا مبادئ، وأننا مترهلون سياسياً، فإنه يجب علينا أن نريهم أن لدينا مبادئ وإرادة، وأننا لسنا كما يتصورون. وهذا يعني أن علينا أن نتخذ مواقف قوية وأفعالاً واضحة ونبين لهم بما لا يدع مجالاً للشك أنهم لا يستطيعون إيذاءنا بدون دفع الثمن.

وبكلمات أخرى فعلى الغرب:

- دعم تلك الدول المسلمة وغيرها التي تناهض الخطر الإسلامي، وفق ما جاء على لسان أحد الجنرالات الأتراك: الأسلمة هي العدو العام رقم 1. وهذا من السهولة بمكان نسبياً في حالة الدول التي فيها نظام ديمقراطي، وهي أقل حدة في الدول التي لا تكون كذلك كالجزائر. وباعتبار هذا الخيار غير السائغ، فإنه علينا أن نخير تلك الدول ما الذي لا ترغبه ونسألها أن تحسن من تصرفها.

- الضغط على الدول الإسلامية لتخفيض عداوتها تجاهنا ودعم وتعزيز أولئك الذين يناهضون الإسلاميين في العالم الإسلامي، فهؤلاء وحيدون في نضالهم ويتطلعون إلى الغرب من أجل الدعم والتأييد.

- تصنيف الجماعات الإسلامية التي تمارس العنف بما هي عليه في الواقع، أعني «منظمات إرهابية»، ومحاربتها على هذا الأساس.

- معاملة هذه الجماعات على أساس ما هي عليه، جماعات متشددة أعلنت الحرب علينا، وعلينا ألا نتعاون أو نشجع أو نندمج في حوار معها، لأن ذلك يمثل الدخول معهم في اللعبة ويحقق لهم الاعتراف.

- تشجيع إقامة مجتمعات متمدنة- وليس انتخابات- لأن التجربة علمتنا وبشكل أكثر إثارة في الجزائر، أن الدولة إذا أقامت انتخابات مرتجلة فإن الإسلاميين سينجحون فيها حتماً، لأن لديهم تنظيمات جاهزة. لذلك، علينا ألا ننظر إلى الانتخابات كخطوة أولى في العملية، بل تأتي في النهاية. ففي البداية، يأتي العمل الشاق لبناء المجتمع المدني بمؤسساته الطوعية، وحكم القانون، وحفظ حقوق الأقليات وحقوق الملكية وغير ذلك. وبعد هذا التطور التدريجي للمجتمع المدني فقط تأتي القاعدة المناسبة لإقامة الانتخابات.

هل الإسلام الأصولي يشكل خطراً؟ 

نعم بالتأكيد، ولكن الإسلام العادي لا. الإسلامية ظاهرة عميقة حديثة لها القوة أن تحدث خراباً ليس فقط في أودية أفغانستان بل هنا في كندا.

الرابط المختصر :