العنوان ترجمات مختارة: الجيش الروسي على شفا الانهيار
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1996
مشاهدات 74
نشر في العدد 1220
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 08-أكتوبر-1996
لقد كان الجنرال ألكسندر ليبيد صريحًا –كعادته- عندما وصف حالة الجنود الروس الذين كانوا يحاربون في الشيشان بأنهم أقزام مرضى أضناهم الجوع، ولم تغط أجسادهم النحيلة إلا ملابس داخلية يعشش فيها القمل، وهذا هو الوصف الذي أطلقه الجنرال الذي تحول إلى السياسة بعد عودته من الشيشان، حيث شاهد الأحوال المتردية للجنود الروس الذين فقدوا من رفاقهم ما لا يقل عن ٢٥٠ جنديًا لقوا حتفهم في أعقاب توغل الثوار المسلحين بأسلحة خفيفة إلى جروزني العاصمة الشيشانية في مطلع شهر أغسطس الماضي.
وقد قام الرئيس المريض بوريس يلتسين قبل بضعة أسابيع بتكليف رئيس الأمن القومي الروسي الجنرال ليبيد بإدارة شؤون الحرب المدمرة التي اندلعت في الشيشان، وكان في صدارة أولويات ليبيد إيجاد مخرج من المستنقع الشيشاني في أسرع وقت ممكن، بيد أن المشاكل التي تُعاني منها روسيا من الناحية العسكرية أكبر بكثير من مشكلة الإقليم القوقازي الذي يسعى إلى الانفصال من الاتحاد الروسي، ذلك أن الآلة العسكرية للاتحاد السوفييتي السابق التي كان العالم بأسره يخاف منها طوال عقود هي أقرب الآن إلى الانهيار، ويات من الضروري بالنسبة للديمقراطية في روسيا ولاستمرار يلتسين في ولايته الثانية إجراء إصلاحات عسكرية جذرية لإنقاذ الجيش الروسي المتواضع الآخذ في التهالك.
إن الغرب يهمه أيضًا نجاح أو فشل ليبيد في مهمته الجديدة، فإذا كانت روسيا قد فقدت معظم هيبتها كقوة عسكرية تقليدية، فإنها ما زالت تحتفظ بمعظم المخزون الاستراتيجي النووي الذي ورثته من الاتحاد السوفييتي سابقًا، حيث إنها الدولة الوحيدة على وجه الأرض القادرة على تدمير الولايات المتحدة أو أي دولة معادية أخرى لتزيلها من الوجود بمجرد ضربة نووية واحدة، وإنه كلما ضعفت القوات النظامية الروسية كلما زاد احتمال لجوئها إلى استخدام أسلحتها النووية من أجل فرض هيمنتها، وذلك في حالة تعرضها لضغوطات أكثر من جانب أي دولة معادية لها.
مؤشرات الانهيار:
وعبر العهد القيصري ومرورًا بالحقبة الشيوعية لم تتمتع أي مؤسسة بمكانة أعلى، أو لعبت دورًا أكثر حيوية من أجل الحفاظ على تماسك روسيا أكثر من المؤسسة العسكرية، واليوم أصبحت حالة المؤسسة العسكرية كما وصفها وزير الدفاع الجنرال إيغور روديونوف فإن قواتنا المسلحة لا تملك فيلقًا واحدًا قادرًا على خوض معركة قتالية أو التنقل بواسطة السكك الحديدية أو جوًا لو تلقى إنذارًا لمدة ساعتين أو ثلاث، وهناك دلالات أخرى تؤكد مدى تدهور حالة المؤسسة العسكرية في روسيا.
فمن ناحية التدريب، توقف الجيش الروسي عن القيام بالتمرينات العسكرية على مستوى الفرق العسكرية، كما أصبحت معظم الدبابات والفرق المدفعية غير صالحة للقتال، وعلاوة على ذلك فإن الطيارين يقومون بطلعات جوية بمعدل لا يتجاوز ١٠% من معدل الطلعات التي يقوم بها نظراؤهم في القوة الجوية الأمريكية. كما أن قادة الغواصات البحرية يضطرون إلى استدعاء أفراد طواقم الإبحار من بواخر أخرى لتكملة طواقم تشغيل غواصات الخفر.
أما من ناحية التجهيزات، فقد كانت الصناعة العسكرية مزدهرة طول الحقبة السوفييتية ولم تعرف الماكينة الصناعية العسكرية التوقف، واليوم أصبحت كبريات الشركات لصناعة الدبابات متوقفة عن العمل، كما أنه لم يتم إنجاز بناء أي سفينة حربية منذ عام ۱۹۹۱م، بالإضافة إلى أن السلاح الجوي الروسي لم يتسلم إلا عددًا أقل من ۱۰ طائرات حديثة خلال عام ١٩٩٥م. أما الجيش الروسي فإنه لا يملك إلا كمية قليلة من الملابس العسكرية الجديدة لدرجة أنه أصبح يسمح للجنود ارتداء ملابس مدنية أثناء الخدمة.
أما من ناحية التمويل، فقد بلغت النفقات العسكرية ٨٠ تريليون روبل حوالي ۱۷ بليون دولار أمريكي خلال عام ١٩٩٦م وهذا المبلغ يقل عن ثلث المبلغ الذي يطالب به القادة العسكريون، وأقل من ١٠% من النفقات العسكرية الأمريكية، وهناك إجماع لدى الخبراء الغربيين على أن النفقات العسكرية الروسية الفعلية أعلى بكثير من هذا المبلغ ولكنها دون معدل النفقات العسكرية في حقبة الاتحاد السوفييتي سابقًا، ولم يكن أمام القادة العسكريين إلا اللجوء إلى نهب المخزونات الحربية من المواد الغذائية والبنزين لسد احتياجاتهم.
أما من ناحية الروح المعنوية، فقد اضطر مئات الآلاف من الضباط إلى البحث عن وظائف ثانية، كما انتشرت الجرائم وحالات الفساد داخل المؤسسة العسكرية إلى مستوى يضاهي مستوى تفشيها في أوساط المدنيين، كما أن الضباط يسيئون إلى بعضهم البعض مثلما يسيئون إلى الأفراد دون رتبهم العسكرية، بل يقوم حرس الحدود بالتجارة في المخدرات، وقد شهدت المناطق الجنوبية في روسيا قيام زوجات الضباط التابعين للقوة الجوية الروسية بمظاهرات لدى القواعد العسكرية للمطالبة بدفع رواتب أزواجهن، وقد حاولت إحداهن قبل فترة وجيزة الانتحار برمي نفسها أمام طائرة حربية كانت تجري ببطء على مدرج لدى إحدى تلك القواعد العسكرية.
إن العنصر الوحيد الذي بقي مستثنى من سلسلة الانهيارات داخل المؤسسة العسكرية هو مخزون روسيا من الأسلحة الاستراتيجية النووية، فقد بقيت قوة الصواريخ الاستراتيجية، التي تملك ۷۰۰ منصة متحركة ومثبتة لإطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات قيد التشغيل وتعمل أيضًا بكفاءة، وهي القوة الوحيدة التي حصلت على الأموال التي كانت بحاجة إليها من بين كافة القوات داخل المؤسسة العسكرية الروسية.
فشل مشروعات الإصلاح:
وكان الشروع في الإصلاحات متوقعًا في عام ١٩٩٢م في عهد وزير الدفاع السابق بأفيل جراتشيف، ولكن تم تأجيله لفترة أربع سنوات أخرى، ولم يتم عمل أي شيء حتى الآن، ويعزو الخبراء إخفاق مشروع الإصلاحات إلى ضعف القيادة ووجود صراعات بين القيادات وتحرر المقربين لجراتشيف من الأوهام التي كانت تحيط مكانة وقدرات روسيا ما بعد الحرب الباردة.
ومن أجل الإسراع في الإصلاحات، قام يلتسين بتعيين روديونوف في يوليو المنصرم ليحل محل جراتشيف الذي لا يتمتع بأي شعبية، ويتسم روديونوف بأنه غير راديكالي ويقترب من سن التقاعد، كما أنه حذر بالفطرة، وقد تم تهميشه في عام ۱۹۸۹م عندما صوت لصالح إنهاء احتكار الحزب الشيوعي للسلطة، كما حمل مسؤولية عمليات القمع العنيفة لأحداث الشغب في جورجيا، وقد عمل طوال السنوات السبع اللاحقة على استخدام منصبه كمدير لأكاديمية الأركان العامة من أجل التفكير في السياسة الأمنية الروسية في هذه الحقبة التي لم يعد يتوقع نشوب حرب عالمية أخرى فيها.
إن مهمة روديونوف أسهل إلى حد ما من مهمة جراتشيف، ذلك أنه يشرف على عدد أقل من القوات، حيث أصبحت القوات المسلحة الروسية اليوم تضم حوالي مليونًا ونصف جندي، في حين أن الاتحاد السوفييتي كان يملك جيشًا قوامه ٤.٢٥ ملايين جندي، غير أن هذا التغيير في العدد يرجع جزئيًا إلى زيادة قوات وزارة الداخلية والوحدات الخاصة مثل وحدة الحالات الطارئة التابعة لوزارة الداخلية والتي قوامها ۱۲ ألف جندي، الأمر الذي خلق مشاكل جديدة، وفي ظل تشتت القيادات فإنه بات من المستبعد إمكانية إجراء أي إصلاحات عسكرية.
وقد تجلت ظاهرة تشتت القيادات في الشيشان؛ حيث تفيد بعض التقارير بأن القوات التابعة لوزارة الداخلية الروسية في جروزني لم تكن مستعدة للانسحاب عندما بدأت القوات النظامية للجيش الروسي بالانسحاب من مواقعها، وقد أثارت هذه البلبلة غضب ليبيد لدرجة أن طالب بعزل وزير الداخلية أناتولي كوليكوف من منصبه، وهو الذي تحملت قواته العبء الأكبر من القتال في الشيشان خلال السنة الماضية، وأن الخلاف بين القادم الجديد ليبيد وكوليكوف المقرب ليلتسين منذ أمد طويل مؤشر لاستمرار الصراعات على السلطة في الكرملين، مما سيشكل عائقًا أمام الإصلاحات العسكرية.
وهناك مشكلة رئيسية أخرى تتمثل في مدى إمكانية تحول روسيا من نظام التجنيد إلى إنشاء جيش مكون من متطوعين محترفين بحلول عام ٢٠٠٠م وهو ما تعهد يلتسين به أثناء حملته الانتخابية الأخيرة، ويرى غراتشيف أن تكاليف مثل هذا الجيش ستصل إلى ستة أضعاف نفقات الجيش الحالي، كما أن ظاهرة العزوف عن الخدمة العسكرية أخذت تتفشى بشكل ملحوظ، ولكن يبدو أن نظام التجنيد سيبقى في روسيا لفترة أطول، وقد شهد شرق سيبيريا مؤخرًا قيام رجل بتحويل منزله إلى قلعة محصنة وخاض بجوار ابنه معركة تبادلا فيها إطلاق النار مع رجال الشرطة، وذلك للحيلولة دون تجنيد ابنه، ويبلغ متوسط عدد الهاربين من الخدمة العسكرية سنويًا ٦٠ ألف هارب، في حين يبلغ عدد المستنكفين عن الخدمة العسكرية المسجلين في عام ١٩٩٥م فقط ۲۳ ألف شخص، أما الذين هم قيد خدمة التجنيد فإنهم يعتبرون من حثالة الناس، ويتم تسريح ثلثهم لاعتبارات صحية.
وقد ذكر روديونوف في مقابلة صحفية أجريت معه مؤخرًا بأنه يفضل أن يكون بحوزته جيش مكون من عسكريين محترفين قوامه ١.٥ مليون جندي مع إعطاء مزيد من الاهتمام بالأسلحة النووية وخفة الحركة وتوفر معدات متطورة، وأضاف روديونوف بأن روسيا ما بعد الحقبة الشيوعية بمثابة قوة إقليمية وليست عالمية، وإن مهمتها العسكرية الرئيسية هي دفاعية، ويجب أن تظل كذلك في المستقبل وتتمثل في صد واحتواء أي هجمة أولى، ولم يتطرق روديونوف إلى هوية الأعداء الحقيقيين أو الوهميين الذين يقصدهم، غير أنه بالرغم من احتجاجات موسكو المتواصلة ضد توسيع حلف الناتو، فإن هناك توافقًا في الآراء لدى غالبية الخبراء الروس بأن الصين ومنطقة الشريط الجنوبي المتقلبة الممتدة من القوقاز إلى آسيا الوسطى هي المناطق التي يتوقع نشوب صراع فيها.
ومن المتوقع أيضًا أن يتم عزل كبار المسؤولين في الجيش من مناصبهم إذا بقي ليبيد المندفع لفترة طويلة في منصبه، وسيكون من بين من سيجردهم من مناصبهم قادة الجيش الذين شاركوا في حرب الشيشان إلى جانب كبار الضباط المتحالفين مع جراتشييف المشتبه في تورطهم في الفساد، وهناك النائب في البرلمان والجنرال السابق ليف روخلين الذي اتهم مؤخرًا ثلاثة جنرالات في الجيش باختلاس ما يعادل ٣٠ مليون دولار أمريكي من صندوق الجيش، وأن التحقيقات جارية حاليًا.
إن سياسة فرق تسد والخداع التي يتبعها يلتسين قد قلصت من احتمالات الإتيان بأي إصلاحات داخل الجيش، حيث إنه يدين الكثير للجيش الذي أنقذه في عام ١٩٩١ في انقلاب أغسطس، وفي عام ١٩٩٣م إبان المواجهة في البرلمان الروسي، وكذلك خلال حملة انتخابات الرئاسة الأخيرة، عندما كانت أوضاع العسكريين محل نقاش حيث تعهد أمام قادة الجيش بتخصيص أموال إضافية، وتوفير أسلحة أفضل للجيش، بيد أنه لم يف بوعوده الانتخابية حتى هذه اللحظة مثلما نكث بوعده بإجراء إصلاحات جذرية في الجيش، ولذلك فقد فقد معظم قادة الجيش ثقتهم بيلتسين، ولم يعودوا يلتفتون لوعوده.
إن أكبر مصدر للقلق هو تزايد عدد الضباط الذين سئموا من موجة الديمقراطية الأخيرة والتي اعتبروها العامل المسبب إلى حد ما لعجز الحكومة عن إطعام الجنود أو تحصيل الضرائب، وهناك من الخبراء من لا يستبعد وقوع عملية انقلاب في وقت قريب، ذلك أن قادة الجيش لن يتريثوا للقيام بذلك، حيث إنهم يرون بأن خطط روديونوف معقولة ولكنها إذا كانت لن تؤدي إلى أي شيء، فإن كل شيء يمكن أن يحدث، إن المقربين ليلتسين لا يعتبرون الجيش هامًا، وكما ذكر أحد كبار الضباط، فإن هؤلاء المقربين له يريدوننا أن نتعفن، وفي ظل تعثر الديمقراطية في روسيا فإنه إذا ما جازف يلتسين على ترك القوات المسلحة تتعفن فإن ذلك سيكلفه هو شخصيًا عواقب وخيمة.