; ترشيد خيارات مصر تجاه «إسرائيل» | مجلة المجتمع

العنوان ترشيد خيارات مصر تجاه «إسرائيل»

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر الخميس 01-سبتمبر-2016

مشاهدات 75

نشر في العدد 2099

نشر في الصفحة 48

الخميس 01-سبتمبر-2016

مصر بحاجة إلي الديمقراطية وحكم الشعب وممارسة دورها العربي.. و«إسرائيل» تريد تحجيمها وخلق مشكلات لها

«إسرائيل» هي التي تحرشت بمصر في كل الحروب وكان بوسعنا منع العصابات الصهيونية من إقامة الكيان عام 1948م لولا الانقسام العربي والمؤامرات

«إسرائيل» تدرك قوة الجيش المصري وعقيدته ولذلك تعمد إلى إرهاقه في سيناء بمحاربة الإرهاب

استبداد «مبارك» وتقاربه المبالغ فيه مع «إسرائيل» جعلا مصر سنداً للمشروع الصهيوني بعد أن كانت سداً منيعاً في وجهه

ثورة 25 يناير أصابت «إسرائيل» بالصرع.. وأحداث 30 يونيو هدَّأت من فزعها بعد التخلص من الإخوان ووأد فرصة الحكم الديمقراطي

السفير د. عبدالله الأشعل كانت «إسرائيل» ولا تزال العامل الأساسي في تشكيل النظام السياسي في مصر، وتشكيل علاقاتها الخارجية الرئيسة.. الإشكالية التي تناقشها هذه المقالة هي الأهمية المركزية لـ «إسرائيل» في نظام مصر وعلاقاتها الدولية الأساسية. 

تريد «إسرائيل» تحجيم مصر، وخلق المشكلات لها، ومصر بحاجة إلى الديمقراطية وحكم الشعب وممارسة دورها العربي، وكلها محظورات عند «إسرائيل»، فكيف عالجت مصر المسألة «الإسرائيلية» في النظم السابقة؟ وما الصيغة التي تسمح لمصر بتحقيق الأهداف السابقة؟

5 حقائق تحكم العلاقة

هناك 5 حقائق لا سبيل إلى تجاهلها؛ وهي بصدد موقف مصر من «إسرائيل»:

الحقيقة الأولى: إن مصر تثق تماماً بأن «إسرائيل» مشروع استعماري استيطاني، وعندما قمت بدراسة مدى توافر هذه الحقيقة التاريخية العلمية عند كل رؤساء مصر العسكريين؛ وجدت أنه لم يشذ منهم أحد، فقد آمن بذلك محمد نجيب، وجمال عبدالناصر، وأنور السادات، وحسنى مبارك، ولا أظن أن للسيسي رأياً آخر! كما أن هذا المشروع يستهدف مصر في المقام الأول، وأنه في خدمة الغرب بما فيه الولايات المتحدة التي تقدمت الساحة بعد تراجع بريطانيا على المسرح الدولي، منذ الحرب العالمية الثانية.

الحقيقة الثانية: إن «إسرائيل» هي التي تحرشت بمصر في كل الحروب، وإن مصر كان بوسعها وحدها أن تمنع العصابات الصهيونية من إقامة «إسرائيل» على الأرض عام 1948م، لولا الانقسام العربي والمؤامرة والعمالة والاحتلال وظروف مصر الداخلية. 

كما تدرك «إسرائيل» قوة الجيش المصري وعقيدته، مثلما تخشى الديمقراطية في مصر، ولذلك تعمد إلى إرهاق الجيش في سيناء في حرب «الإرهاب» التي لا شك عندي أن لـ «إسرائيل» يداً فيها، وهي التي تحرّض بمناسبة هذا الملف على «حماس»، وأنها صرحت بأن القضاء على الإخوان يمثل ظرفاً مثالياً لها، كما سعدت أشد السعادة بانتكاسة الديمقراطية في مصر بعد انزعاجها من ثورة 25 يناير.

فمصر الدولة والجيش والنظام الديمقراطي والدور المصري في العالم العربي، كلها مع التواصل المصري الفلسطيني من أهم المحظورات عند «إسرائيل». 

ولا يحتاج المراقب المبتدئ إلى عبقرية لكي يدرك أن «إسرائيل» تعمل على هذه الساحات الخمس بضمان أمريكي حتى تظل مصر مهددة بإرهاب يستنزف طاقتها ويرهق جيشها ويلهيها عن التطور والنمو، وأن تظل في أوضاع اجتماعية واقتصادية تقعدها عن ممارسة دورها العربي أو التواصل مع الشعب الفلسطيني، ومع لبنان والأردن وسورية في إطار التكامل العربي، وهو أشد ما أفزع «إسرائيل» من دعوة عبدالناصر، فسعت إلى إسقاطه مع مشروعه بضربة نجلاء لم تقتصر على الجانب العسكري وحده.

الحقيقة الثالثة: إن كل رؤساء مصر حاولوا التوصل إلى سياسة ناجحة مع «إسرائيل» توفر لمصر الأمن وتجنبها الصدامات، بحيث توجه موارد الحرب إلى التنمية في ظل السلام، وللأسف فشل كل الرؤساء في ذلك، فعبدالناصر آمن بأن المشروع الصهيوني هو الذي يعيق مصر عن أي تقدم، وهذه معضلة مزمنة، وهي الفكرة التي آمنت بها مصر الملكية منذ حذر النقراشي باشا أمام مجلس الأمن من هذا «السرطان» الذي انقض على مصر والعالم العربي.

ولكن عبدالناصر لم يدرج موقفه وسياسته تجاه «إسرائيل» في المبادئ الستة لحركة يوليو التي أعلنها، وربما ظن أن هناك فرقاً بين التصور النظري البشع للمشروع الصهيوني وبشاعة تحرك المشروع على الأرض، ولكن لا بد أن عبدالناصر قد فهم تماماً أن دعوته إلى استقلال القرار المصري، وتأميم القناة، والدعوة إلى القومية العربية رسالة لـ «إسرائيل» بأن تعاجل بالتركيز على عبدالناصر قبل أن يبني الجيش، وبالفعل كان الهجوم على القوة المصرية في غزة محرجاً، دفع عبدالناصر إلى طلب السلاح من أمريكا، ثم روسيا، ثم صار أميل للمعسكر الشيوعي، فصار هدفاً للولايات المتحدة، وهكذا نجحت «إسرائيل» في التخطيط للإيقاع بعبدالناصر من نقاط ضعفه، كما أوضح «شارون» في مذكراته.

كان رأي عبدالناصر في تسوية المشكلة هو رحيل اليهود من فلسطين، ويعودون إلى حيث جاؤوا، ويستقر الفلسطينيون في وطنهم، وهو موقف مثالي أخلاقي يقطع الصلة بالسياسة التي تهتم بالسؤال: كيف؟ فكان الصدام والعدوان والمؤامرة من جانب «إسرائيل». 

أما السادات، فقد أراح نفسه وانتهى إلى منهج تبسيطي لا يقل بؤساً عن منهج عبدالناصر، فكلاهما مدرك للمشكلة ولكنه لجأ إلى التبسيط.

كان نداء القومية العربية يعني احتواء فلسطين في الجسد العربي الذي يلفظ العامل الغريب السرطاني، أما منهج السادات فقد مكَّن «السرطان» من هذا الجسد؛ فبدأ بالجزء المصري من هذا الجسد، فيما أكده باعتزاز مدير المخابرات الحربية «الإسرائيلي» الأسبق «عاموس يادلين» من أن «الموساد» تمكن من اختراق جميع مفاصل الدولة المصرية من خلال فهم مصر للسلام، فقد فهمت السلام على أنه خروج مصر من التصدي للمشروع الصهيوني وإطلاق يد «إسرائيل» لكي تفرض السلام «الإسرائيلي» PaxIsraeliana ، ذلك أن الخلل في منهج المواجهة ومنهج التسليم هو أن زعامات مصر تعاملت مع مصر و «إسرائيل» على أنها دول عادية على خلاف الحقيقة، فمصر مجالها ومصدر قوتها هو أسرتها العربية التي وحّدتها المواجهة وفرّقها التسليم، فكانت مصر في كل الأحوال هي الخاسر الأكبر بعد فلسطين.

الحقيقة الرابعة: إن مصر العاجزة عن الوقوف على قدميها وعن صيانة وسطها العربي للقيام بدور فيه هي الفريسة المثالية لـ «إسرائيل»، وهو ما أكده «نتنياهو» في تصريح علني خلال الأسبوع الثاني من يوليو 2015م.

استبداد مبارك، وتقاربه المبالغ فيه مع «إسرائيل»؛ جعلا مصر سنداً للمشروع الصهيوني بعد أن كانت سداً منيعاً في وجهه، فسهلت مصر اختراق «إسرائيل» في إطار التقارب المصري «الإسرائيلي»، والصبر الإستراتيجي الأمريكي الذي عبر عنه «أوباما» خلال زيارته في مايو 2015م لـ «إيباك» اليهودية في نيويورك. 

أدى استبداد مبارك أيضاً إلى توغل «إسرائيل» في الأحشاء المصرية، فضلاً عن أن ذلك البعد لـ «إسرائيل» كان ولا شك له أثر في تراجع مصر في الداخل والخارج، حتى أكد «بنيامين بن أليعازر» بأن مبارك هو كنز «إسرائيل» الإستراتيجي، وبذلك اكتسب نظامه حصانة وتحالفات إقليمية قوية ظن أنها تعصمه من ثورة شعبية، فلما وقعت في 25 يناير 2011م أصابت «إسرائيل» بالصرع حتى هدأ روعها منذ 30 يونيو 2013م وزوال حكم الإخوان، ولم يكن وجود الإخوان هو المفزع لها، ولكن الخوف من تطور الثورة الشعبية إلى حكم ديمقراطي لن تحتمله «إسرائيل». 

وهكذا صارت المعادلة واضحة؛ وهي أن مصر بحاجة إلى أن تميز بين السلام الذي يعني تسوية المشكلات لكن يفتح باب التنافس والتدافع، بحيث لا تسلم مصر ضمن فهمها للسلام بأن تخرج من الساحة العربية، وتغمض العيون عن مواطن إضرار «إسرائيل» بها، وهذا المنهج يحتاج إلى عقليات مختلفة تماماً وإرادة تستبطن الواقع، وهو أن مصر المزدهرة ذات الدور العربي، المستقرة داخلياً لا يمكن تصورها مع سعي «إسرائيل» إلى إضعاف مصر وإرغامها على الاتفاق على التخلي عن دورها كجزء من هذا السلام الغريب.

وقد حذر البعض في بداية التقارب مع «إسرائيل»، وفي مقدمتهم د. عادل غنيم، في تقديمه لترجمة كتاب «الدولة اليهودية» لمؤلفه «تيودور هرتزل» الذي أرجو أن يتدبره شباب اليوم ويتعرفوا على أبجديات الصراع مع هذا «السرطان»، فقد أكد د. عادل غنيم (ص52 من الطبعة الثانية من الترجمة) أن السلام مع «إسرائيل» أخطر من الحرب؛ لأن المطلوب هو المحافظة على هويتنا ومقومات نهضتنا ووعينا وحذرنا حتى لا نهزم في السلام كما هزمنا في الحرب.

والحقيقة الخامسة والأخيرة وهي: الصراع مراحل وميادين وصور، وإذا كنا حتى الآن قد هُزمنا في الميدانين، رغم الحكم العسكري، فالمقطوع به هو أنه أحد أهم أسباب الهزيمة وإعاقة نشأة مجتمع مدني ديمقراطي يهزم المشروع الصهيوني بأدوات حضارية. 

ثورة يناير هي المقدمة، وعلى الأجيال القادمة متابعتها وليس اليأس من تباطؤ ثمارها.>

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2062

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1116

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان