; تركستان بلاد المسلمين المنسية | مجلة المجتمع

العنوان تركستان بلاد المسلمين المنسية

الكاتب محمد هيثم عياش أبو حسني

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1983

مشاهدات 65

نشر في العدد 638

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 27-سبتمبر-1983

ماذا يعرف المسلمون عن تركستان المسلمة التي تعاني من القهر الروسي الأحمر!

الإمام البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي ليس عَلمًا مجهولًا من أعلام المسلمين وهو أحد الذين حفظوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بلده بخارى فهي مجهولة لدى المسلمين اليوم لا يعرف معظمهم أين تقع، كما إنها إحدى بلاد المسلمين المنسية، ويوجد كثير من بلاد المسلمين قد مر عليها النسيان وكانت يومًا من الأيام تلعب في التاريخ الإسلامي دورًا مشرفًا.

وكما فقد المسلمون بلاد الأندلس بسبب ضعفهم وتفرقتهم ومصانعتهم لعدوهم فقد المسلمون في هذا القرن بلادًا كثيرة منها فلسطين وأفغانستان وإريتريا وبلاد الـ «32» مليون مسلم في تركستان، ولذلك لعدم تمسك المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله، ولوجود حكام يسمون أنفسهم كما قال الشاعر:

مما يزهدني في أرض أندلس *** تلقيب معتمد فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها *** كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

  • موقعها:

تركستان تعني بلاد الترك، وهو مصطلح يستخدم منذ القرن السادس بصورة عامة في الشرق، أما في المصطلحات السوفيتية الحالية فيطلق على تركستان، آسيا الوسطى، وقازاغستان، أو الجمهوريات السوفييتية وهي مؤلفة من خمسة جمهوريات، وهي: قازاغستان، قيرغيزيا، طاجكستان، تركمانستان، وأوزبكستان، وتبلغ مساحة تركستان الغربية وهي التي احتلها الاتحاد السوفييتي (3994400) كلم2 ويقطنها حوالي 35 مليون نسمة أما تركستان بشطريها الشرقي والغربي خمسة ملايين كلم2 وتعتبر تركستان بفضل موقعها أرضًا وأصلة بين آسيا وأوروبا، تلتقي في حدودها مع كل من بشكيريا التترية وجنوب سيبيريا، ومنغوليا والصين والهند وباكستان عند سلسلة جبال بأمير، وأفغانستان و إيران ومع القوقاز عن طريق بحر قزوين.

  • أطماع تاريخية قديمة:

وكانت روسيا جاهدة للسيطرة على تركستان منذ بطرس الأول وبدأت المرحلة الأولى في حملات الاحتلال الروسي ضد تركستان عام 1714م وانتهت عام 1852م. وبدأت المرحلة الثانية من الحملات الحربية ضد أراضي تركستان عام 1853م ووجهت ضد خانات كوكاند التي حكمت أكثر من نصف مساحة تركستان وانتهت الحملات العسكرية الروسية ضد الدول المستقلة في تركستان مثل خانات كوكاند باحتلالها عام 1867م ومثل إمارة بخاري باحتلالها عام 1868م وضد خانات خيوي باحتلالها 1873م. ولقد تسببت هذه المرحلة التوسعية الثانية من قبل روسيا في نشوب الحروب مدة 42 سنة على أرض تركستان، وقد استولت روسيا على مجموع دولة خانات كوكاند، وجزء من أرض إمارة بخارى والجزء الأكبر من أرض خانات خيوي.

وبعد استيلاء الشيوعيين على الحكم في روسيا أعلن التركستانيون أرضهم في حدودها الوطنية جمهوريات بحكم ذاتي فلم يُرض ذلك الزعامة السوفييتية فقررت في شهر شباط من عام 1918م استخدام القوة العسكرية لإسقاط الحكومة المستقلة ذاتيًّا في مدينة كوكاند في تركستان وقاوم رجال الشرطة الوطنية القوات السوفييتية الروسية وانضم جزء من السكان إليهم.

  • حركة باسماتشي:

وبدأت بذلك الحركة التي تعرف في الكتب العالمية باسم حركة (باسماتشي ) التي لا تعني أكثر من كفاح تركستان من أجل الحرية ضد روسيا السوفييتية وحاولت الحكومة السوفييتية أن تهبط بقيمة هذا الكفاح الوطني باتهامه أنه حركة عصابات وسطو، ولكنها لم تنجح بذلك مما أرغم ستالين أن يعطي المعلومات التالية عن حركة باسماتشي: كان هدف حركة باسماتشي بين عام 1918- 1824م فصل الجمهوريات الوسطى من آسيا في روسيا السوفييتية وإعادة سيطرة الطبقات المستقلة فيها، ثم أعطى تعليماته للحكومة السوفييتية أن تضم إليها ضمًا نهائيًا المحميتين القيصريتين السابقتين (بخارى وخيوى) فتجعلهما تحت السيطرة الروسية المباشرة، وهاجمت القوات الروسية مدينة بخارى، وكانت هذه القوات تتألف من عشرة آلاف جندي، 46 مدفعًا، 229 رشاشًا، 10 سيارات مصفحة، 5دبابات، 13طائرة فاستطاعت احتلال المدينة في 2 أيلول من عام 1920م، وأبرق فرانسيس قائد جبهة تركستان إلى لينين بفخر كبير قائلًا له  إن الأعلام الحمراء ترفرف فوق مآذن بخارى، ولقد حدث هذا في نفس الوقت الذي سعت الزعامة السوفييتية خلاله بجد كبير أن تظهر في مؤتمر شعوب الشرق في باكو بمظهر العداء ضد الاستعمار، وألغيت الملكية في بخارى وأعلنت الدولة جمهورية شعبية، واعترفت الحكومة السوفييتية الروسية الشيوعية في المعاهدات المعقودة مع الجمهوريتين الشعبيتين في بخارى وخوارزم بحقوق السيادة التامة للدولتين، ولكن ظهر في عام 1934م أن الاعتراف المنصوص عليه بالمعاهدات بسيادة الدولتين لم يكن بالنسبة إلى الزعامة السوفييتية سوى لعبة تكتيكية، ذلك أنها ضمت البلدين دون إلغاء المعاهدتين وعن طريق استخدام الضغط العسكري والتسلل المستمر إلى الاتحاد السوفييتي ضمًا كاملًا عام 1914م، وبهذا أنهى وجود الدولتين التاريخيتين بخارى وخوارزم بشكل خاص، وأراضي تركستان بشكل عام.

  • شهوة روسية للمواد الخام :

وتركستان تعد من البلاد الغنية بالمواد الخام في نطاق حدود الاتحاد السوفييتي ويوجد فيها ما يلي:

26,7% من الحم، وأكثر من 32% من النفط الخام، 26% من النحاس، 100% من الزئبق، 86% من كل من الرصاص والقصدير، 100% من عنصر بزموت، 90% من عنصر الكروم، 90% من عنصر اليورانيوم، وأكثر من 95% من الكوبلت، كما تملك تركستان إمكانيات زراعية كبيرة بوصفها أرضًا زراعية جيدة للغاية وتلعب زراعة القطن، إنتاج الحرير، إنتاج الكاركول دورًا هامًا في هذا الصعيد.

  • الحقد على الإسلام :

ويوجد في تركستان سبعة عشر ألف مسجد كلها من بناء التتر والأتراك ومنها ما يوجد منذ عصر الفتوحات الإسلامية الأولى أيام الأمويين والعباسيين، وقد حول الشيوعيون معظم هذه المساجد إلى مستودعات ومتاحف محاولة للقضاء على الدين الإسلامي نهائيًّا ولكنهم لم يستطيعوا ولله الحمد والمنَّة.

ويمارس الاتحاد السوفييتي سياسة استعمارية رهيبة ضد تركستان وشعبها إذ إنه يحاول لأن يمزج الشعب في تركستان مع شعب آخركي لتضيع أصالته وعاداته وينسى معتقداته الدينية، ثم أخذ بترحيل بعض التركستانيين من أرضهم وإجبارهم على الإقامة في بلد أخر، هذه السياسة الاستعمارية لانتزاع السكان من كيانهم وأرضهم لم تتبع لأسباب اقتصادية واستعمارية وسياسية فحسب، بل لأسباب عسكرية إستراتيجية أيضا في مواجهة الصين، لقد وصف لينين القول أن تركستان أصبحت اليوم معسكر اعتقال كبير وبوتقة صَهْرٍ ودمج لكثير من المجموعات الشعبية في آن واحد، ويمكننا إدراك ذلك مما يفعله الاتحاد السوفييتي اليوم في أفغانستان والدول التي يسيطر عليها، وتعيش في تركستان اليوم مجموعة من الشعوب الأخرى وهم الذين أرسلهم الاتحاد السوفييتي إلى تركستان لدمجهم مع أهل ذلك البلد الأصليين فيعيش في تركستان مثلًا: الأوكرانيون، والأرمن والتاتريون، والكانيانيون، والروسالبيلويون، ومجموعات وطنية أخرى لم تحدد أسماؤها بالإضافة إلى مليون من ذوي الأصل الألماني، وعدد أقل من الأصل البولندي، وأضف إلى هؤلاء مجموعات الشركسيين والبليين من الآستونيين واللاتونيين واللتيين وغير هؤلاء.

  • السياسة الثقافية للروس:

وتشمل السياسة الثقافية السوفييتية سياسة المعاداة المتطرفة للإسلام، وصحيح أن الإسلام لم يكن الدين الوحيد الذي عانى من النظام السوفييتي الملحد بل يتعرض معه الدين المسيحي، أما الدين اليهودي فهو معترف به في الاتحاد السوفييتي لأن اليهود من مؤسسي الشيوعية العالمية، ويتعرض الدين المسيحي والإسلامي لحملات الإزالة التامة عن طريق الإلحاد الرسمي المنتهج في الاتحاد السوفييتي، ولكن إذا تم القضاء على النصرانية في روسيا على أيدي الروس النصارى أنفسهم من قبل فإن الضربات الموجهة للإسلام تتم على أيدي الروس، ولم يلتزم في العداء للإسلام أي روسي لا في العهد القيصري ولا في العهد السوفييتي موقف الحياد – قال لي الدكتور (ميرزا هايتي) رئيس الجبهة الوطنية لاستقلال تركستان: لماذا تناست الدول العربية والإسلامية قضية تركستان والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى و السهر»(1). (أخرجه البخاري) فقلت له ساخرًا أن الدول العربية لها مشاكل سياسية كثيرة فلذلك لم تستطع إلى الآن ومنذ أربعين عامًا حل هذه المشاكل فأوكلت إلى روسيا وأمريكا حلها بطرقهم الوحشية.

أضاف الدكتور ميرزا هايتي الذي حارب الاتحاد السوفييتي مع الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية وميرزا في العربية تعني (السيد) أضاف قائلًا: إن الصيام والزكاة والحج ممنوعة في تركستان، والجيل الناشئ لا يعرف شيئًا عن أمور دينه فلا يوجد في تركستان مصاحف للتداول ولا يوجد مدرسين لمادة التربية الإسلامية والمطلوب اليوم من دول العالم المسلم أن تبعث لتركستان من يفقه أهلها ويعلمهم مبادئ دينهم، وأن يبعثوا إلى شعب تركستان المسلم قرآنهم ليكون بينهم ليستطيعوا به وبعون الله تحرير بلادهم من رجس الشيوعية، فهل تستجيب لنا، وأنا لا أذكر قضية تركستان هنا ليزداد المسلمون همًّا على همّ، بل ليعلموا أن لهم إخوانًا يعانون من سياسة الاستعمار الروسي ما تشيب لهوله الولدان‘ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (الذاريات: 55)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

_______________ 

(1) أصل الحديث «بالسهر والحمَّى»

الرابط المختصر :