; تركيا- الانتخابات المبكرة سيناريو جديد لمنع الرفاه من تشكيل الحكومة | مجلة المجتمع

العنوان تركيا- الانتخابات المبكرة سيناريو جديد لمنع الرفاه من تشكيل الحكومة

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1996

مشاهدات 109

نشر في العدد 1183

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 09-يناير-1996

دميريل وتشيللر وأجاويد يخططون لانتخابات مبكرة تمتطي فيها تشيللر صهوة الحصان القومي

احتدمت حدة معركة تشكيل الحكومة التركية الجديدة، والتي تخوضها مختلف الأحزاب التركية لمنع حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان من تولي رئاستها، رغم أن التكليف الرسمي لن يكون قبل اليوم الثلاثاء أو غدًا الأربعاء، وسيكون بالقطع لنجم الدين أربكان وفقًا للعرف والقواعد السياسية بصفته رئيسًا للحزب الذي حصل على المركز الأول في انتخابات ٢٤ ديسمبر الماضي «١٥٨» مقعدًا.

وفي إطار الحرب التكتيكية تلك بدأت تظهر ملامح سيناريو تأمري يقضي بمنع وصول الرفاه إلى الحكم حتى ولو كان ذلك عبر حكومة ائتلافية، وبالطبع لا يلعب العسكر دورًا فيه، بل الدور منوطًا بتانسو تشيللر -رئيسة الوزراء السابقة «١٣٥» مقعدًا، والذي سحب الشعب ثقته من حكومتها، إذ إنها ممسكة بتلابيب السلطة بشكل لم يكن متوقعًا، خاصة وهي تتشدق ليل نهار بالديمقراطية، إذ إنها وبدعم خفي من قصر الرئاسة بشنقايا تسعى لإجراء انتخابات مبكرة أخرى خلال شهر مايو المقبل تستفيد فيها من تلافي الأخطاء في الانتخابات السابقة، وتخطط لإقامة تحالف مع حزب الحركة القومية بزعامة ألب الدين أرسلان تورکش «حصل على ٣٥ مقعدًا إلا أنه لم يمثل في المجلس لعدم وصوله لنسبة الـ ١٠٪»، وذلك بهدف ضرب حزب الوطن الأم المنافس الرئيسي لها في الساحة اليمينية، وتتقدم على حزب الرفاه بالأصوات والمقاعد طبقًا لحسابات أرقام ٢٤ ديسمبر الماضي، ولذلك تعمل جاهدة لعرقلة الرفاه في تشكيل الحكومة.

وإن كان الرئيس التركي سليمان دميريل لا يرى صعوبة في تشكيل الحكومة، إلا أنه قال إن إجراء انتخابات مبكرة لا يعني نهاية الدنيا، وهي إشارة ذو دلالة سياسية تدعم تشيللر حتى تستمر في سيناريو الانتخابات المبكرة، لذلك بدأت تتهم حزب الرفاه بأنه يهددها بتقديمها للمحاكمة إذا رفضت تشكيل حكومة ائتلافية معه والهدف من تلك الادعاءات.

  • أولًا: تصوير الرفاه بأنه حزب متكالب على السلطة.
  • وثانيًا: تحجيم القوى الموجودة داخل حزبها، والتي لا ترى ضررًا من التحالف مع الرفاه. 

كما أن بولنت أجاويد -زعيم حزب اليسار الديمقراطي، والذي كان أحد أضلاع سيناريو حكومة ثلاثية ائتلافية تضم الوطن والطريق معه، ويرأسها رغم أن له ٧٦ مقعدًا فقط لتفادي الخلاف على منصب رئاسة الوزراء بين كل من مسعود يلماظ -زعيم الوطن الأم، وتانسو تشيللر- زعيمة الطريق القويم، بدأ فيما يبدو حملته الانتخابية الجديدة ضد تشيللر وفتح النار عليها وشبهها بإميلدا ماركوس زوجة ديكتاتور الفلبين السابق، وتساءل كيف تكون تلك رئيسة للوزراء وهي تضع أموالها في الخارج، مشيرًا إلى أنها ليست صاحبة حق في إدارة الدولة، وقال إن حكومة غير ناجحة ستكون مفيدة للرفاه، وأشار إلى الانتخابات المبكرة، رغم تأييده لحكومة من الوطن الأم والطريق القويم، والشعب الجمهوري، إلا أن دنیز بيقال -زعيم الحزب الجمهوري- صرح بأنه لا يريد دخول أية حكومة.

السيناريو الجديد

وفي ضوء تصريحات كل من تشيللر وأجاويد بأنهما لا يمكنهما أن يشتركا في حكومة واحدة لاختلاف وجهات النظر في الكثير من القضايا، ولصعوبة لقاء تشيللر ويلماظ بسبب الصراع على المنصب وعدم كفاة المقاعد«266» مقعدًا، والمطلوب ٢٧٦ مقعدًا على الأقل، وفي إطار المعلن من كل الأحزاب بأنها لا تريد الائتلاف مع الرفاه -وإن كان ذلك يدخل من وجهة نظري في إطار التكتيك للحصول على أفضل الشروط لإقامة الحكومة، وإجبار الرفاه على تقديم التنازلات -فإنه سيكون من الصعب تشكيل حكومة تركية، مما يعطي المبرر الدستوري للرئيس دميريل بحل مجلس الشعب الجديد والدعوة لانتخابات مبكرة في مايو المقبل مع استمرار تشيللر في الحكم.

خلافات في وجهات النظر

بل إن حزب الرفاه نفسه يواجه تباينًا في وجهات النظر حول تشكيل الحكومة، فهناك جناح يريد حكومة مع الوطن الأم ويقوده كل من مليج جوكشك -رئيس بلدية أنقرة، وعضو الوطن السابق قبل انضمامه للرفاه، وحسن حسين جيلان -الأمين العام المساعد للحزب، وعبد اللطيف شنر -نائب رئيس المجموعة البرلمانية، ومصطفى باشي -نائب إسطنبول، ويعتمد هذا الجناح على وجود ما بين ۲۰- ۳۰ نائبًا داخل الوطن الأم أقرب إلى أربكان من يلماظ أمثال: كوركوت أوزال، علي جوشكن، وعبد القادر أقصوى محسن يازجي أوغلي -زعيم حزب الوحدة الكبير المتحالف مع الوطن.

والجناح الثاني يميل للتحالف مع الطريق القويم ويقوده كل من شوكت كازان -نائب رئيس المجموعة البرلمانية للرفاه، وأوعوزخان أصيل تورك -نائب الرفاه، بل إن كازان التقى مع نوزت أرجان نائب رئيس المجموعة البرلمانية في الطريق القويم، كما أن أصيل تورك نفى وجود ارتباط بين تحركات مليج جوكشك الحزب، وانتقد بشكل غير مباشر تطورات أحداث جوكشك مع بشارده دك، والذي كذبها بوكشك، واعتبرها محاولة لافتعال أزمة من قبل شيللر، إذ إنها ادعت بأن جوكشك هددها بأنها لهذا لم تتحالف في حكومة مع الرفاه سيتم تقديم ملفاتها للمحاكمة، وهو ما نفاه مليج جوكشك جملة وتفصيلًا، مشيرًا إلى أنه يدعم تحالفًا مع الوطن الأم ودافع عبد الله جول -نائب رئيس حزب الرفاه- عن مليج ووصفه بأنه سياسي جيد، ويعرف ما يقول.

جبهة الرفض

والجناح الثالث في الحزب يقوده رضا ولوجاك -الأمين العام المساعد، وكذلك رجب الطيب أردوغان -رئيس بلدية إسطنبول ويميلون إلى عدم إقامة حكومة ائتلافية لا مع الوطن الأم، ولا مع الطريق القويم والبقاء في المعارضة إلى أن يحين الوقت ليكون الرفاه على رأس الحكم وحده، ليمكنه تطبيق برنامجه وعدم التنازل عن بعضه لترضية الحلفاء في الحكومة.

التكتيكي والإستراتيجي

وبالطبع في حالة مثل تركيا فإنه من الناحية الإستراتيجية لمستقبل الحزب، فإن رؤية الجناح الثالث أصوب خاصة وأن مشكلات تركيا الاقتصادية الصعبة تجعل من المستحيل حلها في عدة سنوات عبر حكومة ائتلافية تحكم بروتوكول تنازلات مشتركة، وهو ما سيضعف حزب الرفاه مستقبلًا مثلما حدث في السبعينيات، فبعد اشتراك حزب السلامة في الحكومة الائتلافية تضاءلت شعبيته.

إلا أنه من الناحية التكتيكية والواقعية، فإن جود الرفاه في السلطة وعلى رأس الحكومة سيكون مفيدًا من ناحيتين:

الأولى: طمأنة العالم الغربي من أن الإسلاميين ليسوا نحولًا وإنما هم رجال دولة يمكن التعامل معهم.

الثانية: إثبات ديمقراطيتهم، وإعطاء الأمل للإسلاميين في الدول الأخرى بمواصلة العمل من أجل إبراز أصواتهم عبر الأقنية الديمقراطية علاوة على إمكانية تحقيق بعضًا من الأهداف.

وفي تصريح لـ «المجتمع» قال شوكت کازان: إن تشكيل حكومة ائتلافية مع أحزاب أخرى لا يعني تنازلًا عن مبادئ الرفاه، مشيرًا إلى أن برنامج النظام العادل الذي طرحه الحزب على الجماهير في الانتخابات لا يمكن تنفيذه إلا إذا جاء الحزب منفردًا لتشكيل الحكومة، أما وإن الجماهير لم تعط الأغلبية المطلوبة لتحقيق البرنامج فإنه وفقًا لمصالح البلاد فإنه يجب وضع برنامج مشترك يرضي أطراف الائتلاف الحاكم، ولا يتناقض مع مبادئ حزب الرفاه، كما أن تشكيل حكومة يرأسها الرفاه سيحقق بدون شك بعض النتائج والمكاسب المتوخاة.

تحالفات مستقبلية

إضافة إلى أن تشكيل حكومة بين الرفاه والوطن الأم يمكن أن يفشل سيناريو تشيللر بإجراء انتخابات مبكرة تأتي فيها في المركز الأول على الحصان القومي الذي تعثر بسبب دعوة نصرت دميرال -النائب العام السابق ومرشح حزب الحركة القومية عن أنقرة- إلى العودة للأذان باللغة التركية مثلما فعل عصمت إينونو، إذ أنها يمكنها أن تحصل على 30٪ وتحطم حزب الوطن الأم، وتتقدم على الرفاه.

وبالطبع فإنه في حالة إجراء انتخابات مبكرة فإن الجميع وليس تشيللر فقط هي التي ستخطط إذ إن الرفاه يمكن أن يتحالف مع الحزب الديمقراطي الشعبي «كردي» حصل على أكثر من 4٪ «25 مقعدًا» وبسبب النسبة لم يدخل المجلس، وبحساب المقاعد سيكون للرفاه والديمقراطي الشعبي في تلك الحالة ۱۸۳ مقعدًا «۱۵۸ للرفاه + ٢٥ للديمقراطي الشعبي»، وللطريق القويم مع الحركة القومية ۱۷۰ مقعدًا «۱۳۵ للطريق + ٣٥ للحركة القومية»،

أي أن الرفاه سيكون هو الأول أيضًا ولن تتخطاه تشيللر، بل قد تعطيه الجماهير فرصة تشكيل الحكومة وحده لتلافي حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها البلاد، وتؤثر سلبًا على الحياة اليومية للعباد، ولن تكون تلك النتيجة مفاجأة ولكنها منطقية في ضوء الأوضاع السائدة في تركيا حاليًا وفي ظل نجاحات حزب الرفاه في البلديات.

إنصاف إعلامي متأخر

كما أن تشيللر فقدت ورقة تخويف الغرب من نجاح حزب الرفاه، خاصة بعدما جاءت إشارات من واشنطن وبون وبعض العواصم الغربية بأنها لا تمانع من وصول الرفاه إلى الحكم، مشيرة إلى أن العلاقات تتم مع دول وليست مع أحزاب، كما أن هناك بعض المقالات المنصفة بدأت تظهر في الصحف الغربية، فأربكان زعيم مختلف عن باقي المجموعات الإسلامية الموجودة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على حد قول ستيفن كينزر في الدنيويورك «تايمز» مثلما أن تشيللر ليست تاتشر على حد قول الـ«صانداي تايمز» التي انتقدت وجود ثروة لتشيللر في الولايات المتحدة، وقالت عنها إنها تسببت في أكبر أزمة في تاريخ الجمهورية التركية منذ عام ١٩٢٣م. مشيرة إلى أن تركيا تنتظرها حالة عدم استقرار قد تؤدي إلى تمزقها.

الموت الثاني لأتاتورك

وإذا كان انتصار الرفاه في المعركة الانتخابية يوم ٢٤ ديسمبر الماضي رغم أنه لم يكتسحها كما يتمنى وجاء بفارق حوالي ٢٪ عن الحزبين التاليين اعتبرته مجلة «لوبونيت» الفرنسية الموت الثاني لأتاتورك، وأنه سيؤثر بعمق على السياسة التركية، لأنه سيكون من السهل جدًا على الرفاه الحصول على الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة منفردًا، فإذا كان أتاتورك مات جسديًا منذ عشرات السنين، فإنه بقي رغم ذلك حيًا في وجدان الشعب التركي من خلال خطط التأليه وعبر المناهج التعليمية ولدوره البارز في إقامة تركيا، وبالتالي فإن الموت الثاني الذي قصدته المجلة هو المعنوي. رغم أن حزب الرفاه لا يقترب من هذا الموضوع لحساسيته المفرطة، ويقوم ببناء مناراته الفكرية ويعيد من خلالها الشعب التركي إلى ذاته دون أن يلتهي بتحطيم أبنية أخرى مصيرها للزوال الحتمي لانتهاء عمرها الافتراضي.

ولأن المستقبل لحزب الرفاه، فإن الوطن الأم سيضطر للتحالف معه للاستفاده من بعده الإسلامي مستقبلًا، ولتفويت الفرصة على غريمه الطريق القويم للانتصار عليه، وبالتالي احتوائه «الطريق القويم» داخل صفوفه، وإنهاء دوره على الساحة السياسية التركية.

الرابط المختصر :