الثلاثاء 16-نوفمبر-1982
كيف نال دستور أفرين93٪ في الوقت الذي قاطعت الاستفتاء معظم الأحزاب التركية؟
عندما قام العسكر في تركيا بانقلابهم العسكري في الثاني عشر من أيلول «سبتمبر»۱۹۸۰ بقيادة الجنرال كنعان أفرين ومعه أربعة أخرون من الجنرالات شكلوا معًا مجلسًا للأمن القومي الذي قام بالمهام التشريعية والتنفيذية تمهيدًا لوضع دستور جديد للبلاد لا ينحرف عن المبادئ «الكمالية» العلمانية التي فرضها كمال أتاتورك.
وقد فهم هذا الانقلاب في حينه على أنه صناعة أمريكية جاء تنفيذًا لسياسة أمريكا في الشرق الأوسط التي تهدف إلى إعادة ترتيب أوضاع المنطقة بما يخدم مصالحها ويرسخ أقدامها و يبسط سيطرتها وأهم من ذلك كله يحد من اندفاع الحركة الإسلامية في المنطقة
ولذلك قالت صحيفة «الأسبوع العربي» في 4/10/1982 كان يمكن أن تسير تركيا على خطى إيران فتخرج من النظام رغم كل عيوبه إلى الفوضى بما فيها من احتمالات تدمير كل شيء.
ولأن إیران لیست بدار استقرار لما يكتنف داخليتها من مشاكل فإن واشنطن ربما بدأت تعتقد أن تركيا الأطلسية باتت المكان الوحيد الذي يمكن للأمريكيين عبره التحرش في المنطقة، بمراقبة العملاق السوفياتي، لذا كان لا بد من مجيء الجنرال وهكذا كان؟ وبعد أن تمت مطاردة الإسلاميين في تركيا وحلت جميع الأحزاب السياسية عاد الحديث عن إعادة الديمقراطية وشكلت لجنة دستورية لإعادة الدستور إلى البلاد
برئاسة البروفسور «أدرهان الديكاجتي» وهو يميني محافظ يساعده »رأفت إبراهيم غلو» وهو رئيس الاتحاد التركي لأرباب العمل، وبالرغم من أن أعضاء اللجنة الدستورية كانوا خمسة عشر عضوًا إلا أن ثلاثة عشر منهم بخلاف» الديكاجتي وغلو« لم يوافقوا على مشروع الدستور الجديد.
ومع ذلك فقد عرض مشروع الدستور الجديد على »الجمعية الاستشارية» التي اختارها العسكر بعناية من ١٦٠ عضوًا حيث وافق منهم على مشروع الدستور ۱۲۰ عضوًا بعد إجراء بعض التعديلات عليه.
وفي يوم 7/11/1982 طرح مشروع الدستور لاستفتاء شعبي وأعلن أن ٩٣٪ من الذين أدلوا بأصواتهم وافقوا على الدستور كما وافقوا على انتخاب »کنعان أفرین« رئيسًا للجمهورية لسبع سنوات قادمة. وعبثًا حاولت بعض الجهات الشعبية فصل الاستفتاء على الدستور عن الاستفتاء على رئاسة الجمهورية إلا أن الاستفتاءين قد تما معًا.
ومشروع الدستور الجديد يمنح رئيس الدولة سلطات واسعة ويحد بشكل قوي من الحريات الشخصية وحرية الصحافة والعمل النقابي ولا يرضي سوى العسكريين وأرباب العمل. ومن الجدير بالذكر أن العسكريين الأتراك يشكلون مؤسسة تقاعدية تسمى »أدياك» تعتبر أكبر تجمع رأسمالي في تركيا.. وهكذا تلحق تركيا بعض البلاد العربية التي يحكمها العسكر الذين يضعون بأيديهم النسبة النهائية التي لا تقل عن ٩٠ ٪ أبداً.
والشيء المثير للدهشة.. كيف حصل »أفرين» ودستوره على نسبة ٩٣٪ علمًا أن شعب تركيا مسلم في معظمه يرفض الدستور العلماني و يرفض تسلط العسكر، كما أن هنالك أحزابًا أخرى كحزب العدالة الذي كان يرأسه ديمريل. وحزب الشعب الذي كان يرأسه أجاويد تعارض وجود العسكر ودستور أيفرين فمن أين جاءت.
ماذا يقولون في الدستور؟
يقول أستاذ القانون التركي »ممتاز سو يسال« تعليقًا على هذا الدستور: » لا يجوز أن يحكم على الشعب التركي بالعيش في ظل مثل هذا الدستور». وأما رئيس اتحاد المحامين الأتراك »عطيلاساف« فإنه يقول: »إن هذا الدستور الجديد يجتث الحريات من جذورها ويضفي صبغة دستورية على نظام «ديكتاتوري» وأما رئيس منظمة الصحفيين العصرية في أنقرة »أحمد أباكاي« فإنه يعلق على هذا الدستور قائلًا: «إن الصحافة ستواجه أوقاتًا مظلمة عصيبة». حتى رئيس النقابة الوحيد الذي مازال مسموحًا له بالعمل في تركيا »صفقت بلماز» فإنه يقول: »إنه لم يعد بوسعه أن ينظر بثقة إلى المستقبل، فلن يبقي هذا الدستور على أي حركة نقابية في تركيا«
ماذا يقول الدستور؟
يحكم رئيس الجمهورية لمدة سبعة أعوام. وليس من الضروري أن يكون رئيس الجمهورية
من البرلمانيين كما أنه في أوقات الطوارئ يحكم بمراسيم لا تحتاج لموافقة البرلمان. ورئيس الوزراء الذي يعينه رئيس الجمهورية ويعزله ليس من الضروري أن يكون من أعضاء البرلمان أيضًا. وإذا ما سقطت الحكومة ولم تتشكل حكومة جديدة خلال شهر فإن بوسع رئيس الجمهورية أن يحل البرلمان ويحق لرئيس الجمهورية أن يعين قضاة المحكمة الدستورية ومحافظ البنك المركزي، والمدير العام ومعه ثلاثة من مجلس إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وجميع عمداء الجامعات وجميع الأعضاء المؤسسين الأكاديمية اللغة التركية.
وسيكون رئيس الجمهورية مستقبلًا إلى جانب كونه رئيسًا لمجلس الأمن القومي رئيسًا لمجلس المراقبة الذي سيشرف على النقابات والمنشآت العامة والروابط المهنية والمؤسسات. وكذلك رئيسًا المجلس التحكيم الأعلى الذي أسس منذ الانقلاب العسكري ويبت في جميع المسائل العمالية كالأجور وساعات العمل والحقوق الاجتماعية ولا يجوز الاستئناف ضد الأحكام التي يصدرها هذا المجلس.
ولا يسمح الدستور الجديد للنقابات والاتحادات والجمعيات والمنظمات والمؤسسات أن تسعى لتحقيق أهداف سياسية أو تمارس أي نشاط سياسي أو تتلقى دعمًا من أحزاب سياسية أو تقدم لها الدعم. ويذكر الدستور أن الصحافة »حرة« ثم يقيد هذه الحرية بالعبارة التالية » لا يجوز للأنباء أن تكون غير منسجمة مع الزمن». والمؤلفات غير المنشورة يمكن أن تعتبر أعمالًا توجب العقاب والمؤلفات المطبوعة يمكن أن تصادر دون محاكمة وأن تغلق المطابع لمدة محدودة أو دائمة.
وينص الدستور في مادته السادسة عشرة على »أن لكل إنسان حقًا في الحياة« ولكن هذا الحق في الحياة يصبح لاغيًا على يد الشرطي وفي حالات معينة، فيجوز للشرطي أن يطلق النار في حالة الدفاع عن النفس أو عند مقاومة تنفيذ حكم باعتقال أحد الأشخاص أو بإلقاء القبض عليه أو للحيلولة دون هرب أحد المعتقلين أو السجناء أو إخماد ثورة أو انتفاضة.
»قواعد« مع الدستور
وفي اليوم الذي توجه فيه المواطنون الأتراك إلى صناديق الاقتراع على الدستور الجديد وهو يوم7/11/82 نشرت صحيفة »واشنطن بوست« الأمريكية خبرًا مفاده أن الولايات المتحدة الأمريكية توصلت إلى اتفاق مبدئي مع تركيا بشأن إقامة قاعدة عسكرية جديدة في شرق تركيا لاستخدامها من قبل قوات منظمة حلف شمال الأطلسي »الناتو«. وذكرت الصحيفة أن الاتفاق يتضمن كذلك تحديث قاعدتين عسكريتين في شرق تركيا هما قاعدة »أرزروم« وقاعدة »باتمان«
مغزى القواعد العسكرية
يقول السفير الأمريكي في أنقرة »روبرت هيوب« أن الترتيبات المتعلقة باستخدام القواعد الجوية التركية تقع كلها ضمن إطار منظمة حلف شمال الأطلسي وتهدف إلى تسهيل تنفيذ خطط هذه المنظمة في حالة وقوع هجوم مسلح على تركيا.
أما المراقبون فإنهم يقولون أن لهذه القواعد صلة بقوات الانتشار السريع التي يجري تشكيلها الآن والتي يعتبر الشرق الأوسط أحد المسارح التي قد تستخدم فيها هذه القوات. وقد ذكر أحد المحللين الصحفيين في الولايات المتحدة أن إنشاء قواعد جديدة وتحديث القواعد القديمة في تركيا المقصود منه التصدي لأي تحرك سوفياتي إلى منطقة الخليج. ويدور همس في واشنطن عن مخاوف الولايات المتحدة من تطورات الحرب العراقية الإيرانية ولذلك تريد أن تكون تركيا قاعدة دائمة لقوات الانتشار السريع.
وأشار أشخاص لهم اطلاع على مجريات الأحداث السياسية في تركيا إلى أن أنقرة دأبت منذ سنوات عديدة على حث الولايات المتحدة على تحديث قواعدها الجوية العسكرية ولكن دون جدوى. وإن الأمريكيين بعد سقوط الشرطي السابق »شاه إيران« بدأوا يظهرون اهتمامًا بهذا البرنامج الذي يتناول إنشاء وتحديث عشر قواعد جوية بالإضافة إلى المساعدات العسكرية لتركيا بقيمة ٤٠٠ مليون دولار.
الدور المنتظر
ترى.. ما هو الدور الذي يجري إعداد تركيا للقيام به منذ أن استولى الجنرالات على الحكم؟ وما هي العلاقة بين حكم العسكر والدستور الجديد والقواعد العسكرية؟ من خلال الإجابة على هذه التساؤلات نكون قد ألقينا الأضواء على ما يجري في هذه الدولة »المسلمة» شعبًا »العلمانية» نظامًا، وما يعد لها من أدوار في المستقبل القريب وضمن المخطط الشامل الذي وضعه البنتاجون الأمريكي بالتنسيق مع الكرملين أو بالتنافس معه لكبح جماح المد الإسلامي وإذلال هذه الأمة المسلمة وتثبيت أقدام السرطان الصهيوني في قلب الوطن العربي.
وليس أدل على ذلك من التصريح الذي أدلى به صلاح خلف »أبو إياد» لصحيفة المصور القاهرية من أن دولة إسلامية »هي تركيا على سبيل المثال« رفضت أن تمر عبر مجالها شحنات أسلحة كانت قادمة للمقاومة الفلسطينية أثناء معارك بيروت ولبنان. ولقد حصل الانقلاب العسكري في تركيا في الوقت الذي كان فيه الشارع الإسلامي في تركيا يموج بالثورة ويطالب بقطع العلاقات مع »إسرائيل» وعودة الإسلام إلى الحياة العامة، والقضاء على كل مخلفات »الكمالية» التي جاء بها مصطفى كمال وهو من يهود الدونمة.
و مجرد استلام الجيش للسلطة وتثبيت أقدامهم عن طريق »دستور« يكبل حريات الشعب كما أسلفنا يعني أن حكم الشرطة هو السائد الآن في تركيا، ولكن عندما بدأت أمريكا في إعادة بناء القواعد العسكرية وتجديدها في تركيا فإنها تريد للشرطي التركي أن يخرج دوره عن نطاق الحدود التركية ليصبح شرطي المنطقة بلا منازع بعد أن أصبح شاه إيران في خبر كان.
ويلاحظ هنا أن الموقع الجغرافي لتركيا هو موقع متوسط بين أوروبا والبلدان العربية ومن ثم بلدان العالم الإسلامي في آسيا. وهذا يعني في الفكر الإستراتيجي »الأمريكي» أن تركيا التي مازالت قاعدة للغرب على الحدود الجنوبية للمعسكر الشرقي، فإن هذا الاستخدام الإستراتيجي لها غير كاف. ولا سيما أن المساحة الشاسعة لها تؤهلها لأن تكون:
أولًا: قاعدة للغرب تمكن الأمريكيين وحلفاءهم من القفز إلى الشرق الأوسط والخليج ساعة يريدون.
ثانيًا: شرطيًا متحركًا بين الخليج والشرق الأوسط وحتى أواسط آسيا أيضًا وذلك ضمن دائرة النفوذ الأمريكية المرسومة على خارطة الوفاق الدولي بين الشرق والغرب..