العنوان تركيا اليوم والعنف السياسي «٣»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1980
مشاهدات 93
نشر في العدد 493
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 12-أغسطس-1980
- نهاية العنف السياسي إما حرب أهلية أو انقلاب عسكري، وكلاهما شر!
- مسلسل العنف مستمر، ومعدل الضحايا ارتفع الى أكثر من عشرين يوميًا.
- متى ينتهي مسلسل الرعب؟! وبشكل آخر: كيف ينتهي؟
- الترابط قائم بين الأزمة الاقتصادية والعنف السياسي؟! وكل منهما يؤدي إلى الآخر بالتسلل!!
انتهينا في الحلقتين السابقتين، وبعد استعراض الأسباب الداخلية والخارجية للعنف السياسي في تركيا إلى أن الحلول المطروحة الآن لمشكلات تركية عاجزة عن إنقاذها تمامًا؛ لأنها أما حلول وقتية أو حلول أثبت الزمن إخفاقها التام، وتساءلنا: هل يعود الشعب التركي إلى أصالته بعد طول غربة وتغريب؟! وهل يكون خلاصه على أيدي الحل الإسلامي؟!
والآن: ما هي إمكانيات الحل الإسلامي المطروح؟! والحلول العاجلة للأزمة السياسية؟! وإلى أين وصل العنف السياسي؟!
الخلاف الإسلامي:
يمثل حزب الخلاص الوطني. التطلعات المشروعة للمسلمين في تركيا الآن، وبرنامجه السياسي لا يختلف عن بقية الأحزاب والجمعيات الإسلامية العاملة في العالم الإسلامي، ولكن عدة عقبات تقف في طريقه للوصول إلى حل جذري لمأساة تركيا المعاصرة منها:
- أنه ما يزال حزبًا جديدًا على الساحة التركية، نشأ منذ بداية السبعينات، ومع أنه أستقطب قطاعات واسعة من الشعب التركي إلا أنه أصيب ببعض الهزات «كانشقاق مجموع النظام عنه، والمناورة السياسية التي جعلته يخسر في الانتخابات الأخيرة حوالي نصف نوابه، فانخفض عددهم من 45 إلى 24 نائبًا» وهو يلاقي ما يلاقيه كل تجمع إسلامي في العالم الثالث خاصة من ضغوط ومؤامرات وعقبات، أهمها أنه يعيش واقعًا صعبًا بالنسبة لوجوده الفكري، ذلك أن الدستور التركي علماني بحت. يمنع أي شيء يتعلق بالدين في السياسة. وأي توجه إسلامي لا بد أن يصطدم بتراث أتاتورك نفسه، وهنا لا يجد أربكان زعيم الحزب إلا أن يشيد نوعًا ما بإنجازات أتاتورك، وقد حدث هذا بعد أن جرى هجوم واسع على أتاتورك في أحد المساجد واتهم بالإلحاد والانحراف وذلك في أيار الماضي.
على الرغم من النشاط المتزايد لحزب السلامة الوطني الخلاص نفسه على المستوى الشعبي، فإن قدرته السياسية الحالية تنحصر في استطاعته حجب الثقة عن الحكومة، بمجرد أن يصوت مع حزب الشعب الجمهوري، وقد كاد يحصل حين تقدم الحزب الجمهوري بمشروع لطرح الثقة بوزير الداخلية «مصطفى غولكوغيل» بسبب قوله: إن الحزب تسبب في مجزرة كوروم الجديدة - وهي التي قتل خلالها ٩٥ علويًّا تركيًّا بين قتيل وجريح - مع أن المتسبب الحقيقي هو حزب «الحركة القومية» ولولا استقالة الوزير لكان على حزب الخلاص أن يصوت ضد الحكومة؛ لأنها حكومة أقلية. وهكذا نرى أن قدرة الحزب سياسية أكثر من أي شيء آخر. وما دام العنف موجودًا بين اليمين واليسار، وحتى ضد الجيش؛ فإن دور «الخلاص الوطني» سيبقى محدودًا. أما بقية التجمعات الإسلامية؛ فإن دورها غالبًا مقيد أو غير فاعل، وأكثرها يصوت إلى جانب العدالة، ذلك أن هذا الحزب يعطي بالشمال ما يسلبه باليمين بعد حين، وأكبر مثل على ذلك: العملية الدعائية الواسعة المصاحبة لفتح مسجد «آيا صوفيا» التاريخي بعد إغلاقه عن الصلاة وتحويله إلى متحف لفترة لا تقل عن نصف قرن!!
فالهدف الواضح سياسي تكتيكي؛ ذلك أن الانتخابات ربما كانت أقرب من التصور، وهي أحد الحلول العاجلة المطروحة الآن «قد نفرد حلقة خاصة لاتجاهات التجمعات الإسلامية المختلفة وتوجهاتها السياسية إن شاء الله».
صراع الكبيرين:
قلنا سابقًا: إن المشكلة الرئيسية في السياسة التركية هي صراع حزبي العدالة والشعب على السلطة... وقد اشتبك الآن صراع آخر جديد هو التنافس الشخصي بين زعيميهما «ديميريل وأجاويد». ويرى بعض المراقبين حلًّا للأزمة في اتفاقهما.
وقد جد الآن شيء جديد هو محاولة التوفيق بينهما. وقد اجتمعا فعلًا بدعوة من الرئيس المؤقت إحسان صبري على مأدبة عشاء في القصر الجمهوري لمدة أربع ساعات، وقد تفاءل بعض المراقبين واعتبروا اللقاء إشارة إيجابية على طريق الحل، ولكن تصلب أجاويد في رفضه للائحتين تتعلقان بإعلان حالة الطوارئ وإقامة محاكم خاصة عرقل مساعي الوفاق، بشكل تام، وإن اتفق الطرفان على معالجة العنف السياسي بتعديل القانون الجنائي التركي؛ لتشديد العقوبة بحق المجرمين وبالفعل، فإنه صدرت أحكام بالإعدام على 22 شخصًا لاشتراكهم في مجزرة «كرمان مرعش» عام 1978 وخفضت أحكام أخرى على 14 شخصًا إلى السجن مدى الحياة، وحكم على 350 شخصًا بالسجن لمدد معدلها 6 سنوات، وكان المدعون العسكريون قد طالبوا بإصدار أحكام بالإعدام على 267 شخصًا في القضية نفسها، وقد صدرت الأحكام السابقة في 8 آب 1980، ويلاحظ من تاريخها أنها صدرت بعد اجتماع الزعيمين الحزبيين!!
فهل ستثمر هذه السياسة المتشددة الجديدة في كبت العنف أم أنها ستزيده اشتعالًا؟! وتستمر المحاولات للوفاق، ولكنها تبقى شكلية؛ وذلك أن بعض المصادر يذكر بالمناقشات السابقة حول ضرورة مكافحة العنف التي جرت بين الزعيمين المتصلبين على مائدة الرئيس السابق «فخري كورو تورك» بعد الإنذار المشهور الذي وجهه الجيش إلى الأحزاب المتناحرة؟!
إذن يسقط هذا الحل المطروح الآن بسبب عدم جديته وواقعيته.
دور الجيش:
يتخوف المراقبون من أن يعود الجيش التركي إلى التدخل لحل المشكلة السياسية التي أنتجتها الديمقراطية الغربية في تركيا، ولقد سبق له أن تدخل مرتين في مايو 1960؛ حيث أنهى حكم جلال بيار وعدنان مندريس وفي مارس 1971؛ حيث أجبر ديميريل على الاستقالة.
والآن يطرح الحل العسكري بديلًا للديمقراطية الشكلية في تركيا، ولقد بدأ جيش أتاتورك يهز كتفيه منذرًا بتحركه، فقدم إنذاره شديد اللهجة إلى السياسيين في مطلع هذا العام، وحاول الحزبان الرئيسيان الوفاق، ولم يفلحا، واستمر العنف إلى درجة أجبرت الحكومة على إخضاع عشرين ولاية للحكم العرفي، ولكن يبقى الحكم مع ذلك بيد السلطات المدنية؛ ذلك أن الجيش ليس عدوًا للديمقراطية، ولكنه - وهنا العجب - حاميها، فكيف سيستلم الجيش السلطة بشكل مباشر؟! ذلك لن يكون إلا إذا خرج أتاتورك جديد وهذا بعيد.
مسلسل العنف:
ويبقى مسلسل العنف مستمرًا، ويسقط في كل يوم على الساحة التركية ضحايا جديدة، ففي نهاية الشهر الماضي سقط خمس عشرة ضحيةً خلال يوم واحد، كما حصل خطف واغتيال في أنحاء متفرقة من تركيا، وفي إحصاء جديد للقتلى بلغ العدد «2500» شخص خلال الأشهر الثمانية الماضية. هذا في الداخل، أما في الخارج فيستمر المسلسل، ولكنه على أيد خارجية هي «جيش التحرير الأرمني!!» فقد قتل في آخر تموز دبلوماسيًّا تركيًّا في أثينا هو غالب عثمان، وقد أصيبت زوجه وولداه، كما أصيب ثلاثة أشخاص بعد هجوم على القنصلية التركية في مدينة ليون بفرنسة، ويدعي الأرمن أنهم يشنون هجماتهم حتى يتخذ حكم عادل في مذابح الإبادة التي حدثت لهم عام 1915!!
فإلى متى يستمر هذا المسلسل المرعب؟! ومتى يقف؟! بل إننا نتساءل: كيف سيقف هذا المسلسل المجنون!!