العنوان تركيا اليوم.. والعنف السياسي «2»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1980
مشاهدات 69
نشر في العدد 492
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 05-أغسطس-1980
- أخفق يسار الشعب ويمين العدالة في حل مأساة تركية، فكيف الخلاص؟!
- من يستفيد من التحرش بالجيش بالاغتيال؟!
- هل يضرب الجيش ضربته وينهي اللعبة الديمقراطية الهزيلة؟!
- العنف من صلب التكتيك اليساري. ولهذا فهو مستمر ما دام هناك يسار!!
- أمريكا وروسيا متفقتان على إنهاك تركيا!! فلماذا؟!
- هناك أمل يتقدم ببطء -رغم العوائق- ويحمل الخلاص لتركيا الجريحة....
استعرضنا في الحلقة الماضية الأزمة السياسية الحالية في تركيا ومظاهر العنف فيها وتساءلنا عن سبب العنف وتبين لنا أن هناك أسبابًا داخلية وخارجية للعنف ونتابع في هذه الحلقة بقية الأسباب الداخلية والخارجية.
3- العنصرية:
أبرز العناصر غير التركيا هم الأكراد، وهؤلاء يشكلون احتياطيٍّا هائلًا للاضطرابات وخاصة بعد تحرك إخوانهم في كردستان الإيرانية وهم يبلغون في تركيا «10 ملايين نسمة»، ويستخدمهم السوفيات الآن ويعبئهم للمستقبل، حيث يقوم بتدريب ألف رجل منهم في كل دفعة ثم يعيدهم إلى مناطقهم مع أسلحتهم الخفيفة والمتوسطة، ولأن أغلبهم فقراء فهم يهاجرون إلى المدن فيزيدون في بؤسها وينشرون البطالة ويصبحون وسطًا صالحًا جدًّا لاستقبال البذرة الشيوعية الخاصة فتزداد أعمال العنف.
4- اليمين واليسار:
يدخل العنف في صلب التكتيك اليساري وفي تركيا حوالي 30 منظمة يسارية سرية صغيرة، أبرزها الحزب الشيوعي ولكنه يعمل من خلال واجهات علنية مثل: «الشباب الثوري» الذين يؤمنون بالماركسية وحرب التحرير الشعبية ولهم سيطرة على بعض الجامعات والطلاب وهم يقومون الآن بسلسلة من التفجيرات اليومية والصدامات مع رجال الشرطة ويعتبرون هذا كله خطوة تدريبية لتصعيد الأعمال إلى حرب الشوارع أي الحرب الأهلية!! وينشط اليسار في صفوف الأكراد وله تجمع اسمه «بيوت الثقافة للشرق الثوري» وهدفه: شرق كردي ثوري ماركسي!! هكذا!.
وبالمقابل لليمين المتطرف تنظيماته العسكرية وأبرزها حزب «الحركة القومية» الذي يتحرك تحت شعار «ليحفظ الله الأتراك» وواجهته الطلابية «بيوت الفكر» هي التي تنفذ الصدام في الجامعات ضد «الشباب الثوري».
5- الاقتصاد المتدهور:
السياسة الاقتصادية في تركيا مخفقة تمامًا.. فهي قد اعتمدت على المساعدات الغربية «من الولايات المتحدة خاصة»، يقابل ذلك ضعف في الإنتاج الصناعي والزراعي نتيجة أعمال الإرهاب وللاضطراب السياسي المستمر وتبدل الحكومات المتعاقبة ما بين يسار الشعب ويمين العدالة!!
وهذا أدى إلى بطالة واسعة في صفوف العمال فجعلهم بيئة صالحة للإرهاب وقد أرهقت الديون الخزينة، وزاد التضخم المالي، وجاءت إجراءات الحكومة الاقتصادية لتزيد من حدة الأزمة، فقد خفضت قيمة العملة ورفعت أسعار المنتجات التي تنتجها المؤسسات الحكومية كالسكر والتبغ والكهرباء، فزاد هذا في النقمة الشعبية، وقد يؤدي بها إلى الانفجار الاجتماعي.
6- الجيش:
لأن أتاتورك نفسه كان عسكريٍّا، لذلك يزعم الجيش لنفسه دور الحامي لمبادئه، وهو يقف محايدًا بالنسبة للأحزاب ولكنه اضطر للتدخل مرتين «1960 – 1971» حين زاد العنف وأخفقت السياسة في حله، واليوم يبدو الجيش مستعدًا لإنهاء مشكلات تنامت خلال عشر سنوات منذ الانقلاب الثاني، وقد وجه نداء إلى الحزبين المتنافسين لإنهاء الصراع بينهما، وقد حاول الرئيس السابق فخري كور وتورك بدوره بعد إنذار الجيش توجيه نداء للوحدة الوطنية ولكن التدهور ما زال مستمرًا وجاء الرئيس المؤقت إحسان صبري وهو يحاول أيضًا، وقد أذاعت أنباء الأسبوع الماضي خبرًا عن اجتماعه مطولًا بزعيمي الحزبين، ولا تدرى النتائج ولكن الذي يدرى هو أن العنف مستمر، فهل يضرب الجيش الشكل الدستوري المتهافت للحكم ويتدخل للمرة الثالثة؟ لقد أصبح الجيش نفسه هدفًا لعمليات الاغتيال فقد قتل الملازم عمر كوش في ديار بكر على أيدي يسار بين أكراد. واستهدف جنرال ولكنه لم يصب، ومن بين ضحايا هذا العام من قوات النظام سبعون قتيلًا!! ويبدو ضرب الجيش خطة يسارية لأن ذلك سيدفعه إلى الرد بالسيطرة على الحكم ولن يكون حكمه شعبيٍّا مقبولًا، لذلك سيؤدي الوضع إلى الثورة المدمرة لكل الهياكل، وهنا يأتي دور اليسار!!
السبب الخارجي:
منذ تناهب الأقاليم التابعة للرجل المريض على أيدي الاستعمار الحديث، بقيت تركيا محلًا للمطامع الاستعمارية، وتسهم هذه المطامع في تأريث العنف الداخلي جريًا على خطة الإنهاك الذي يسبق الابتلاع!!
1- أمريكا:
رغم أن أمريكا حليف قديم لتركيا، فإنها تريد حليفًا طيعًا ولذلك بمجرد أن خرجت على إرادتها في مسألة غزو قبرص عام 1974م عاقبتها بقطع المساعدات، وخاصة في شحن الأسلحة. ولكن تركية ردت على ذلك بالتهديد بقطع العلاقات والارتماء في حضن الروس وطرد القواعد العسكرية، ورغم أن العلاقات عادت، فإن المخابرات المركزية تشجع العنف والإرهاب لإضعاف تركية وإلهاء الجيش عن دوره الوطني، إن مجمل العلاقات مع أمريكة أظهر أن التحالف مع الغرب ليس كافيٍّا لتحقيق الازدهار أو القوة!! فإنه بعد ربع قرن في عضوية الحلف الأطلسي ما يزال المعدل السنوي لدخل الفرد التركي ألف دولار مقابل عشرة آلاف للفرد الأمريكي!!
وهنا يتساءل الأتراك عن جدوى هذه التحالفات مع الغرب وتصبح المصالح الأمريكية هدفًا لهجمات اليسار.
2- روسية:
بعد الثورة الإيرانية ودخول الروس إلى أفغانستان صارت تركيا الدولة الوحيدة التي تحوي محطات مراقبة أمريكية على الحدود مع روسية. ولذلك يدأب الاتحاد السوفياتي لإخراج هذا الجار القريب من حلف الناتو ليحقق هدفين رئيسيين:
1- التخلص من المراقبة الأمريكية.
2- الوصول إلى منابع النفط في الخليج.
وللوصول إلى هدفيه، يشجع أعمال العنف اليساري ويدعمها حسب العقيدة الشيوعية في إثارة الاضطرابات ليسهل الانقضاض كما أنه يشجع الأكراد على الانفصال ويمهد لذلك بتدريبهم وتسليحهم.
3-اليونان:
الصراع مع اليونان تاريخي يرقى إلى عصر هيلين طروادة، ومشكلة قبرص، والمياه الإقليمية في بحر إيجة هما محلا الاحتكاك المباشران ولقد كانت قبرص سببًا في عقوبات شديدة تلقتها تركية من الغرب بسبب غزوها 1974م ويقال: إن لمنظمه «أينوسيس» اليونانية التي تطالب بضم قبرص إلى اليونان، يدًا في العنف الداخلي بتركية كما يقال أن اليونان يشجعون الأرمن على القيام بعملياتهم العنيفة خارج تركية.
4- الأرمن:
كان الأرمن من جملة شعوب الدولة التركية، ولكنهم تعرضوا للإبادة الجماعية في الحرب العالمية الأولى، وقد ذبح منهم حوالي مليون شخص واليوم وبعد أكثر من خمسة وستين عامًا مرت على تلك المذابح يقوم بعض الأرمن بالثأر لقتلاهم. ويتساءل الأتراك بدهشة بالغة ما الذي يدعو الأرمن الآن للقيام بهذه العمليات الثأرية الفردية بعد إسدال الستار عليها منذ أكثر من نصف قرن؟!
- والجواب عند المخابرات التركية التي تتهم السلطات اليونانية بتشجيع الأرمن!! وتتركز هجمات الأرمن على الدبلوماسيين الأتراك في الخارج فقد قتل وجرح بين 1973- و1980 خمسة عشر دبلوماسيٍّا تركيًّا. وكان آخر القتلى الملحق الصحفي «بالمازكولبان» في باريس على أيدي «كوماندوز الانتقام الأرمني»!!
5- البلغار!!
تعتبر تركية ممرًا للعتاد العسكري إلى الفلسطينيين والأفغان، كما تعتبر بلغارية مصدرًا للسلاح الذي يهرب إلى الداخل ومن الطبيعي أن يجرب السلاح فيه قبل أن يشتريه الزبون، ولكن السخرية المرة هي في أن السلاح يجرب في الشعب التركي المسكين، مما يزيد في أعمال العنف المتصاعد.
محاولة للخروج:
أخفقت محاولات اليسار الحكومي على يد بولند أجاويد في حل المشكلات الراهنة وأهمها حوادث العنف السياسي، فاستقالت الحكومة ليشكلها العدالة اليميني برئاسة سليمان ديميريل. فماذا فعل؟ فبينما يرى أجاويد الخلاص عن طريق تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي، يراه ديميريل عن طريق المزيد من الارتماء في أحضان المساعدات الغربية، ففي بداية توليه الحكم طلب مهلة ثلاثة شهور ليجعل من تركية مكانًا أفضل للحياة مما سبق!! كل ما عمله هو إجراءات استهدفت تجميد الوضع الراهن انتظارًا لتدفق المساعدات الخارجية التي جاءت كما يلي: مليار و625 مليون دولار قرضًا من صندوق النقد الدولي، ومليار و100 مليون دولار من منظمة التعاون والإنماء الاقتصادي و600 مليون دولار من البنك الدولي و250 مليون دولار من السعودية وحتى لا تقع الدولة في الإفلاس أعلن ديميريل سلسلة من التدابير لتعزيز وضع الاقتصاد الوطني منها. تخفيض قيمة العملة رفع أسعار منتجات مؤسسات الدولة، واعتماد نظام جديد بالنسبة للرساميل الأجنبية لتشجيع الاستثمار الخارجي. ولكن لا يمكن الحكم على فعالية هذه السياسة إلا على المدى الطويل أما الآن فإنها قد تزيد النقمة الشعبية وتمهد للانفجار!! وعلى الصعيد الأمني أعلن ديميريل عن اعتقال «2599» شخصًا بتهم الإرهاب والعنف، وأصدرت الحكومة الأسبوع الماضي قرارًا بمنع التظاهرات والتجمعات أثر مقتل النقابي اليساري كما أعلن عن اجتماع بين أجاويد وديميريل وإحسان صبري الرئيس المؤقت للبحث في الوحدة الوطنية للقضاء على أعمال العنف.
فهل ستفلح هذه الجهود في حل أزمة تركية المستعصية؟!
كلمة أخيرة:
نقول: إنه ما دامت الأسباب موجودة، فكل ما يصدر عنها باق ومستمر؛ إن المجمع التركي واقع تحت ضغط عنيف قد يصدعه تمامًا ويلقي بردائه العلماني المتهافت بعيدًا، هذا الضغط كما لاحظنا ينبعث من محاور رئيسية ثلاثة: أزمة اقتصادية خانقة. وعنف إرهابي متصاعد ومطالب سياسية لأقليات قومية ودينية، فكيف الخلاص؟!
ترى «الأيكونومست» أن مرض تركية الحقيقي هو في دستورها غير العملي ويجب تعديله عاجلًا أو آجلًا ما لم تقله الصحيفة؛ أن هذا الدستور العلماني لم يعد مستطيعًا احتواء رغبة شعبية عارمة تحارب التغريب من منطلقها الإسلامي، هذه القوة الجديدة التي سمتها «دير شبيغل» «المقاتلون باسم الله» هي أمل الخلاص لتركية اليوم والغد!! أما النظام الديمقراطي الغربي فهو مخفق تمامًا وإلا فما هذه الديمقراطية التي تقتل أربعة آلاف شخص منذ 1978م وأما حكم العسكر فهو أكثر إخفاقًا كما يظهر في كل مكان من العالم. وأما العنف بشكليه اليساري واليميني، فهو وسيلة مؤقتة للتعبير لأنه عندما تغلق المنافذ الطبيعية للتعبير والتغيير يصبح العنف الوسيلة الوحيدة لذلك، ولكنه ما دام عنفًا مدمرًا إرهابيٍّا فلن يأخذ المشروعية مهما كانت أهدافه ومسوغاته!، فماذا يبقى لتركية حتى تنهض من تحت الدمار وتخرج من سرداب الإرهاب!! إنه رغم كل شيء ما تزال البلاد على شيء من التماسك ذلك لأن الشعب التركي يتميز بصبر شديد ومرونة في تجاوز الأحداث، ولكن الصبر مهما يطل فسينفد!! فما الحل ومن أين يأتي الخلاص؟!..
قبل عدة أيام سمحت الحكومة بإعادة الصلاة إلى مسجد أيا صوفيا التاريخي الشهير الذي حوله الكماليون إلى متحف؟!
فهل هذا الحدث إشارة إلى عودة الروح الأصيلة إلى الشعب التركي المسلم؟! بعد طول غربة وتغريب؟!! وهل يكون خلاصه النهائي على أيدي الخلاص الإسلامي؟! نأمل ذلك والله غالب على أمره!