; تركيا: بستة أصوات فقط أفلتت حكومة أربكان من اقتراع حجب الثقة | مجلة المجتمع

العنوان تركيا: بستة أصوات فقط أفلتت حكومة أربكان من اقتراع حجب الثقة

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1997

مشاهدات 58

نشر في العدد 1251

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 27-مايو-1997

نجح نجم الدين أربكان رئيس الوزراء التركي في الدفاع عن حكومته في جلسة مجلس الشعب التي عقدت يوم الثلاثاء الموافق ۲۰ مايو الجاري، إذ فشلت أحزاب المعارضة: الوطن الأم واليسار الديمقراطي، والشعب الجمهوري، وتركيا الديمقراطي والمستقلون في إدراج بند لسحب الثقة من الحكومة على جدول أعمال المجلس وذلك بفارق ٦ أصوات في الجلسة التي شارك فيها ٥٣٧ نائبًا من أصل ٥٥٠ إذ أيد بقاء الحكومة ۲۷۱ من عدد نوابها الـ۲۸۰ منهم ١٥٩ من الرفاه و۱۲۱ من الطريق القويم، وبستة أصوات من حزب الوحدة الكبير (إسلامي - قومي بزعامة محسن يازجي أوغلى رجحت كفة أربكان بينما طالب ٢٦٥ نائبًا بإسقاطها عدد نواب المعارضة ٢٦٠ نائبًا). 

نتيجة مهمة:

 النتيجة متواضعة خاصة وأن سبعة نواب من الطريق القويم دعموا المعارضة وهم يليم أرز وزير الصناعة السابق والذي تقرر إخراجه من الحزب، ويلديرم أقتونا وزير الصحة السابق. وهما من مهندسي التحالف بين الرفاه والطريق إلا أنهما عارضا استمرار الحكومة فيما بعد. وحكمت إيدين، وتوران إرينشي والهان أقوزدم، وحسن دنیز كورود، كما لم يحضر الجلسة ٦ نواب آخرين من الطريق القويم منهم اليهودي جيفي كميحي، ورغم ذلك فإن النتيجة تعتبر مهمة وذات دلالات سياسية لو قرأناها في ظل المعطيات السياسية التركية ووسط حالات الاستقطاب والتحالفات المعقدة. إذ واجه أربكان جبهة واسعة من أحزاب المعارضة جميعًا. عدا حزب الوحدة، واتحادات العمال والغرف والبورصات وجمعية رجال الأعمال والصناعة الأتراك ووسائل الإعلام والمؤسسة العسكرية وإن كان تحركها بشكل غير مباشر. علاوة على محاولات تحريك الشارع ضد الحكومة ليلة التصويت. إصدار بيانات من القوى السابقة يومها، بل حاول مسعود يلمظ أثناء كلمته إحداث وقيعة بين الجيش والرفاه عندما أعلن أن العملية العسكرية التي يقوم بها الجيش التركي في شمال العراق علم بها أربكان من الصحف وليس من رئاسة الأركان، مشيرًا إلى ادعاءات صحفية بأن الجيش خشي إبلاغ الحكومة بالعملية فتتسرب معلومات إلى حزب العمال الكردي، وقال إن هذا يعني عدم وجود انسجام بين القيادة السياسية والجيش، وهو ما كذبه شفيق بير نائب رئيس الأركان التركي ولم يذكره يلمظ وعمومًا لا يمكن إنكار إصابة الحكومة بجراح أيضًا في تلك المواجهة إذ استقال أحد نواب الرفاه. وهي الحادثة الأولى في الحزب منذ الانتخابات البرلمانية السابقة، كما استقالت إيشيلاي سيجون وزيرة الدولة من جناح الطريق القويم احتجاجًا على سياسة الحكومة، وعلى حزب الطريق القويم اتخاذ موقف ضد النواب الذين صوتوا مع المعارضة خاصة أن مجلس الحزب كان قد اتخذ قرارًا ملزمًا برفض طلب المعارضة، وهو ما يعني إخراج نواب أهمهم دوغان جوريش رئيس الأركان السابق، وإن كانت عملية التصويت السري ستنقذ النواب وتحفظ ماء وجه تشيللر ولكنها ماذا ستفعل مع الستة الذين لم يحضروا الجلسة، إذ إن إنقاذ الحكومة كان على يد النواب الستة من حزب الوحدة الكبير الذي يدعم الحكومة مع الكراهية الشديدة - على حد قول زعيمه محسن يازجي أوغلي وكذلك النائب المشلول أيدن مندريس - من الرفاه- والذي حضر الجلسة رغم حالته الصحية، الأمر الذي تتضاءل معه مبررات عدم حضور نواب الطريق الستة وكذلك نائب الرفاه أرطوغرل يلتشين بيار.

 نجاح تكتيك الانتخابات المبكرة:

ويضاف إلى ذلك أن تكتيك أربكان وقدرته على المناورة الشديدة ساعدا في إنقاذ الحكومة فقد أعلن العديد من قيادات حزب الرفاه في تصريحات صحفية احتمال انتقال رئاسة الوزراء للسيدة تانسو تشيلر قبل موعدها في حالة الذهاب إلى انتخابات مبكرة، كما أن تسريب نبأ قبل جلسة التصويت بأنه تم الاتفاق على إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في أكتوبر من العام المقبل مع الانتخابات المحلية وتسليم تشيلر السلطة في سبتمبر من هذا العام كان له مفعول إيجابي جعل الكثير من نواب الطريق يصوتون لصالح استمرار الحكومة بدلًا من الوقوع ثانية تحت أيدي تشيلر في معركة اختيار مرشحي الحزب وترتيب القوائم، خاصة أنهم لم يستمتعوا بعد بالنيابة ولم يستعيدوا ما أنفقوه في تلك المعركة الانتخابية، كما أنهم يخشون المعركة القادمة في ظل تنامي شعبية حزب الرفاه والاتجاهات القومية المحافظة، ولكن بعد جلسة التصويت والتي اعتبرها أربكان تجديدًا لدماء الثقة في الحكومة أعلن الاستمرار حتى عام ۲۰۰۰. مسعود يلمظ زعيم الوطن الأم لم يهدأ له بال وصرح بأنه سيعيد الكرة ثانية بتقديم طلب استجواب ثان وثالث لسحب الثقة من الحكومة وإعادة أجواء التوتر ثانية وهو أمر يؤثر بالقطع على الاقتصاد التركي حيث تتراجع مؤشرات البورصة وتنخفض قيمة صرف العملة التركية وتتوقف الاستثمارات الأجنبية وتنخفض أسعار المشروعات التي تقدمها الحكومة للخصخصة بما سيؤدي إلى فقدان الحكومة لمزيد من النواب إما بالاستقالة أو الخروج عن الصف، وبالتالي تفقد الحكومة أغلبيتها تدريجيًا قبل أن تقرر الذهاب إلى انتخابات مبكرة وتكون الكرة -في تلك الحالة- مع المعارضة التي يمكنها تشكيل حكومة واسعة برئاسة يلمظ حسبما يهدف زعيم حزب الوطن الأم.

 نظرة إلى المستقبل: 

وربما يتعين على أربكان أن يشرك حزب الوحدة في حكومته بعد أن أصبح من خطوط دفاعه الأساسية في معركة البقاء في السلطة، وكذلك العمل على إجراء انتخابات برلمانية مبكرة تتواكب مع انتخابات البلديات لتوظيف إنجازات هذه الأخيرة في الدعاية للرفاه. ولكن يبقى عليه قبل أن يخوض غمار الانتخابات أن يحقق بعض المكاسب لقاعدته الإسلامية مثل رفض مشروع التعليم الذي يستهدف القضاء على المدارس الدينية والسعي لتقنين فصول تحفيظ القرآن وإلغاء قانون «القيافة الوطني الذي يمنع ارتداء الجلباب أو الزي العثماني، واتخاذ موقف حازم إزاء اتفاقات المؤسسة العسكرية مع إسرائيل. وتشير استطلاعات الرأي العام إلى تقدم حزب الرفاه بنسبة 1% بحيث يصل رصيده في حالة إجراء الانتخابات العامة إلى ٢٥% وإذا حدث أن تحالف مع حزب الوحدة الكبرى والمجموعات الإسلامية في حزب الحركة القومية الذي ينهار حاليًا بسبب الصراع على الزعامة يمكن للرفاه أن يضم ٣٥ من أصوات النواب، وهي نسبة تمكنه من تشكيل الحكومة منفردًا. ولكن هل يفعل؟ أغلب الظن أنه سيبحث عن حليف علماني محافظ كالطريق القويم بهدف امتصاص غضب العلمانيين وتهدئة مخاوف العسكر، ولكن الحليف سيكون مطيعًا هذه المرة، وربما كان السيناريو الأخير هو الحل المناسب للشعب التركي الذي سئم معارك السياسة لأنه هو ضحيتها الوحيد.

الرابط المختصر :