العنوان تركيا تبعث الروح في الدول الناطقة بالتركية
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1994
مشاهدات 67
نشر في العدد 1121
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 18-أكتوبر-1994
أخيرًا، وبعد تأجيله مرتين- من المقرر أن يُعقد في أزمير على مدى يومي ۱۷ و۱۸ أكتوبر، تشرين أول الجاري، مؤتمر القمة الثاني لرؤساء الجمهوريات التركية «تركيا- أذربيجان- كازاخستان- أوزبكستان- ترکمانستان- قيرغيزستان، وذلك إذا لم يتم تأجيله في آخر لحظة كما حدث في المرتين السابقتين حيث كان من المقرر عقده في باكو العاصمة الأذربيجانية في أكتوبر من العام الماضي إلا أنه أُجل لشهر يناير الماضي ثم تم تأجيله للمرة الثانية بسبب الضغوط الروسية وإن كانت باكو وأنقرة قد بررتا التأجيل لأسباب ترتبط بالإعداد الجيد للقمة.
ولذلك تأتي أهمية انعقاد المؤتمر في إسطنبول العاصمة التاريخية للخلافة العثمانية، وهي المرة الثانية التي يُعقد فيها في تركيا حيث عقدت القمة الأولى بدعوى من الرئيس الراحل تورغوت أوزال في أكتوبر ۱۹۹۲ وكانت تحت اسم «قمة أنقرة» حيث أثار تسمية القمة باسم قمة الدول التركية مخاوف الشرق والغرب معًا حيث يعملان على عرقلة توحيد العالم التركي من الأدرياتيكي حتى سور الصين- كما كان يحلم الرئيس الراحل تورغوت أوزال، وذلك تحت شعار العثمانية الجديدة والتي جاءت لتلبي طموحات الشعوب التركية.
كما أن عقد القمة في تركيا يشير إلى وجود مخاوف جدية لدى الجمهوريات التركية من الغضب الروسي حيث لم تعرض إحداها استضافة القمة بدلًا من أذربيجان الذي يرجع سبب عدم عقدها فيها لعدم استقرار الأمن والفوضى السياسية الحالية واحتدام الصراع مع أرمينيا.
ولكن انعقاد القمة- في حد ذاته أينما كان مكانها- خاصة بعد فشل المحاولات الانقلابية المدعومة- روسيا ضد الرئيس حيدر علييف في أذربيجان- وانتصاره على محاولة صورت حسينوف خلال الشهر الحالي بفضل الدعم التركي سواء السياسي أو الاستخباراتي يعني عودة الروح للحلم التركي وتقوية المشاعر الاستقلالية لدى زعماء الجمهوريات التركية ويعد ذلك انتصارًا سياسيًا لأنقرة.
وعمومًا فإن القمة الأولى كانت قد تمخضت عن صيغة تنسيقية بين الجمهوريات التركية رغم بروز محورين فيها أحدهما مع التقارب القوي مع تركيا، وكان يتزعمه رئيس أذربيجان السابق أبو الفيض التشي بيه الذي تطرف في اقتراحاته لدرجة أنه نادى بأن تكون اللغة التركية هي اللغة الرسمية في الدول التركية، وهو ما عارضه نزار باييف الرئيس الكازاخستاني بدعم من ترکمانستان حيث أكد في كلمته على أن علاقات الجمهوريات المستقلة في آسيا الوسطى مع تركيا لن تكون على حساب إيران.
وتأكيدًا لاتجاه قام عقب القمة بزيارة طهران لاحتواء مخاوفها من التحرك التركي، خاصة وأن الرئيس التشي بيه كان يردد في كل مكان يذهب إليه قوله: «لقد ظهر الذئب الأغبر للأتراك، إن هذه فرصة تاريخية للعالم التركي البالغ سكانه ۲۰۰ مليون نسمة، وإذا لم نستفد من هذه الفرصة لن يسامحنا التاريخ».
ومن المعروف أن الرئيس الأذربيجاني السابق أبو الفيض التشي بيه كان يعتبر العدو المنتظر لإيران خصوصًا وهو يدعو إلى إقامة أذربيجان الكبرى أولًا ومنها جزء كبير في إيران يضم ٢٠ مليون نسمة، ثم توحيد العالم التركي ثانيا مما يعني في النهاية تهديد وحدة الأراضي الإيرانية وكان من أهم نتائج القمة الأولى الاتفاق على التوصل إلى صيغة تكامل اقتصادية بين الجمهوريات التركية علاوة على عدم إغضاب روسيا وإيران والصين والغرب وتمثل ذلك في بروز محور إيراني داخل القمة يتزعمه نزار باييف وروسي تتزعمه أوزبكستان، كما رفض نزار باييف حضور عيسى يوسف ألب تكين زعيم تركستان الشرقية خشية إغضاب الصين مما یعني غیاب ممثل لـ ٣٠ مليون تركي علاوة على عدم توجيه الدعوة لقبرص التركية خشية إغضاب الغرب.
ورغم ذلك لم ترض كافة الأطراف عن التقارب بين العالم التركي لأنه يهدد مصالح تلك الدول التي عملت جميعها على إفساد التوجه الجديد، حيث أعطت واشنطن ضوءًا أخضر لروسيا لملء الفراغ الناتج عن غياب الاتحاد السوفيتي بعد انهياره بدلًا من تركيا ولذلك وضعت موسكو صيغة جديدة لتفريغ نتائج القمة التركية وجذب الدول التركية من جديد إلى القطب الروسي من خلال فكرة الاتحاد السلافي الجديد والذي أعلن عنه في 11 يوليو تموز ۱۹۹۳ وضم كلًا من روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء بهدف إقامة اتحاد اقتصادي للدول السلافية وغيرها من الدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق بشرط عدم عضويتها بمنظمات أخرى أي مثل منظمة التعاون الاقتصادي الإيكو، والتي تضم تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان والجمهوريات التركية الأخرى.
وكانت تركمانستان قد أعلنت عن رغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الجديد إلا أن الفكرة لم تسر وفق المخطط لها وتراجعت بقدر تراجع فكرة العالم التركي وسط تهديدات وزير الخارجية الروسي فإنه لن يسمح لقوة معادية لموسكو بملء الفراغ في المنطقة.
كما نجحت إيران في استقطاب طاجيكستان والذي من المقرر أن لا تحضر القمة الثانية رغم حضورها القمة الأولى «لغتها فارسية» وضمنت موقعًا داخل آسيا الوسطى من خلال تعاونها مع كازاخستان وتركمانستان.
وإذا كان تأجيل انعقاد القمة في باكو في المرة الأولى يرجع للتغيرات السياسية التي حدثت في أذربيجان، حيث وصل إلى السلطة في «يونيو» حزيران ۱۹۹۳ حيدر علييف الذي كان عليه ترتيب بيته من الداخل وعدم إغضاب روسيا في المرحلة الأولى لذلك تباعد مع تركيا، وأعلن عن دخول كومنولث الدول المستقلة وتقرر تأجيل القمة التي كانت مقررة في أكتوبر ١٩٩٣ إلى موعد لاحق تم تحديده ليكون في يناير الماضي إلى أنها أجلت ثانيًا، بسبب موقف أوزبكستان.
وإن كانت الخارجية التركية على لسان فرحات أطمان المتحدث الرسمي باسمها قد بررت التأجيل بعمل الاستعدادات التي تضمن نجاح القمة إن المعلومات المتداولة آنذاك، أشارت إلى أن أوزبكستان كانت هي سبب التأجيل وأبلغت المسئولين عن عدم حضورها أعمال القمة حتى لا يفهم من حضورها أنها تتخذ موقفًا معاديًا من أرمينيا شريكتها في كومنولث الدول المستقلة، ولذلك يجب حل الصراع الأذربيجاني- الأرمني قبل عقد القمة وهو بالتأكيد طلب مستحيل.
▪ التحريض الروسي
وكان الرئيس الروسي بوريس يلتسين قد قال في اجتماع كومنولث الدول المستقلة الذي عقد في عشق آباد في نهاية العام الماضي: «هذه هي القمة، ولا أهمية لقمم أخرى، وهو ما فهم منه رؤساء الجمهوريات التركية بأن موسكو لا تنظر بارتياح إلى عقد قمة للدول التركية مرة أخرى كالتي عقدت في أنقرة في نهاية أكتوبر ۱۹۹۲ والمعروفة باسم قمة أنقرة والتي تقرر في ختام أعمالها عقد مؤتمر سنوي لزعمائها للتخطيط لعملية توحيد ۲۰۰ مليون تركي في العالم- كما قال الرئيس الأذربيجاني السابق التشي بيه والدعوة لاستخدام اللغة التركية كلغة عالمية في الأمم المتحدة.
▪ مواجهة موسكو
وعمومًا فإن الرئيس حيدر علييف احتوى آثار التأجيل بزيارة إلى أنقرة كانت الأولى في 3 فبراير شباط الماضي ثم توالت الزيارات فيما بعد وأعلن في آخر زيارة له أوائل الشهر الحالي أنه سيعود إلى تركيا لحضور قمة الدول التركية الثانية في إسطنبول، وذلك في الوقت الذي كانت روسيا تقوم فيه بحياكة المؤامرات لإسقاطه بعد توقيع اتفاقية البترول والتي أغضبت موسكو ولذلك فإن عقد القمة التركية سيكون تحديًا لروسيا ومحاولة من الجمهوريات التركية لتنسيق مواقفها بدلًا من السقوط واحدة تلو الأخرى في يد الدب الروسي من جديد سواء كان ذلك عبر شبكة كومنولث الدول المستقلة أو فخ الاتحاد السلافي أو غيره من الصيغ التي تطرح بهدف إعادة الاتحاد السوفيتي من جديد.
▪ تحقيق الحلم
أما تركيا فإن الفرصة ما زالت أمامها لتحقيق حلم الرئيس الراحل تورغوت أوزال الذي لخصه في كلمات بسيطة عميقة لدى استقباله لبعض نواب حزب الوطن الأم الذين كانوا قد استقالوا من الحزب وينوون تشكيل حزب جديد، حيث قال إنه يجب على تركيا أن تكون حذرة حتى لا تقع في الأخطاء التي وقعت فيها من قبل على مدى التاريخ، ورأى أن هناك ظروفا جديدة في المنطقة تتيح لتركيا أن تكون قوة مهمة في المنطقة مرة أخرى، وقال إن أمام تركيا أعمالًا كثيرة في مساحة جغرافية من البحر الأدرياتيكي وحتى سور الصين، وأكد بأن هذا الوضع أهم الفرص التي أتيحت لتركيا منذ أكثر من ألف عام، وأنه إذا أرادت تركيا دخول القرن الـ ۲۱ كدولة قوية وكبيرة فإن عليها انتهاز هذه الفرصة.
كما أن على أنقرة الاستفادة من انتصار علييف ضد عناصر موسكو والتي لها فضل في ذلك، وهو الأمر الذي دفع روسيا على لسان يلتسين نفسه إلى نفي الاتهامات الموجهة لبلاده في أحداث أذربيجان، وأعلن دعمه لشرعية حكم علييف، وذلك في محاولة لتجميل وجه بلاده أولا على المستوى الدولي ولتأكيد قوته في نفس الوقت لأن معنى ارتباطه بالأحداث بعد فشلها فإنه يعني ضعف موسكو وإمكانية مواجهة مخططاتها وهو ما سيساهم «في تحدي الجمهوريات التركية لموسكو وينمي فيها روح الاستقلالية المحاصرة» داخل أسطورة الرعب وسيناريوهات الحرب الأهلية.
وعمومًا أيا كانت نتائج القمة فإن المغزى السياسي لانعقادها يعني عودة الروح إلى العالم التركي من جديد وبزوغ الأمل من جديد لتشكيل تكتل تركي إسلامي يكون له مكانة على الخارطة الدولية قد يستفيد منه العالم الإسلامي مستقبلًا، كما أنه سيكون ردًا بليغاً على الذين تصوروا تباعد تركيا عن الجمهوريات التركية وحتى تبدد أنقرة المخاوف، قال فرحات أطمان المتحدث الرسمي باسم الخارجية التركية بأن هذه القمة لن تكون ضد أي دولة، وذلك في تصريحاته يوم 7 أكتوبر الجاري، ورغم ذلك فإن المخاوف لن تتبدد لأن أي تقارب بين مجموعة من الدول الإسلامية يثير مخاوف لا محل لها من الإعراب السياسي.
| تركيا | قيرغيزستان | كازاخستان | أوزباكستان | أذربيجان | تركمانستان | |
| سليمان دميرل | أسكر أكاييف | نزار باييف | إسلام كريموف | حيدر عليف | صابر مراد ينازوف | الرئيس |
60 مليون
| 4 مليون و612 ألف نسمة 52% قبرغيز 21.5% روس 13% أوزبك | 17 مليون و242 ألف نسمة (1993) 40% فازان 38% روس 6% ألمان 5% أوكران | 21 مليون و871 ألف نسمة (1993- 7% أوزبك 11.8% روس) | 7 مليون و384 ألف نسمة (1993) 82% آزاريين 6% أرمن 7.6% روس | 3 مليون و908 ألف نسمة (1993) 72% تركمان و12% روس 9% أوزبك | عدد السكان |
| 779 ألف و542 كم | 1885.2 كم | 717428 كم | 447293 كم | 865.6 كم | 477 ألف كم | المساحة |
| 79.554 مليار دولار | 7.2 مليار دولار | 39.24 مليار دولار | 27.49 مليار دولار | 10.28 مليار دولار | 8.97 مليار دولار | الدخل القومي |