; تركيا: شكل جـديد لانقلابات العلمانيين ضد الشرعية | مجلة المجتمع

العنوان تركيا: شكل جـديد لانقلابات العلمانيين ضد الشرعية

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2013

مشاهدات 34

نشر في العدد 2057

نشر في الصفحة 20

السبت 15-يونيو-2013

للوهلة الأولى قد يعتقد البعض أن أحداث «ميدان تقسيم في مدينة إسطنبول حراك شعبي ضد حكومة رجب طيب أردوغان»، أو انتفاضة أو ربيع تركي، كما يحلو لبعض القنوات الفضائية العربية الناطقة باسم الدول المؤيدة لنظام «بشار الأسد»، وهو ما تتمناه النخب الليبرالية التي تدعي الثورية في بلاد شهدت من قبل «ربيعًا عربيًا»، ولم تتمكن من قطف مكاسب؛ بسبب رفض الجماهير لها في أول انتخابات ديمقراطية طالما دعت إليها.

«عثمنة» ميدان «تقسيم» ضربة جديدة للعلمانية في تركيا

العلويون الأتراك البالغ عددهم ۲۰ مليونًا استفزهم إطلاق اسم السلطان «سليم الأول» على الجسر الثالث الذي دشنه «أردوغان» 

والمعرفة تفاصيل الصورة في «ميدان تقسيم»، علينا معرفة الأسباب المعلنة والمخفية والقوى المشاركة وأسلوب التحريض المتبع في هذا الحراك الذي يحاول البعض اللحاق به خشية أن ينجح في الإطاحة بحكومة «أردوغان» المنتخبة شعبيًا؛ ما يعطيه زخمًا متلفزًا لا يمكن إنكاره.

 السبب المعلن للاحتجاج

المعلن في البداية رفض جماعات حماية البيئة إزالة حديقة «جازي» في ميدان إسطنبول التي أنشئت منذ أكثر من ٧٠ عامًا، وهو احتجاج مقبول بيئيا، لكنه يحتاج إلى إذن رسمي من محافظ المدينة، وفقًا للقانون التركي، وهو ما لم يتم بل وتغاضت السلطات عن الاعتصام الذي بدأه العشرات في الحديقة، وفجأة وعندما بدأت أعمال الإنشاءات في هذه المنطقة اعترض المعتصمون، والتحق بهم المئات من قوى يسارية غاضبة لأسباب خاصة بها، من خلال دعوات عبر الفيسبوك» و«التويتر»، وهو التكتيك الذي استخدم في مصر.

الشرطة تعاملت بخشونة مع المحتجين الذين كانوا أكثر عنفًا وعدوانية؛ ما دفع الشرطة إلى استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين أسوة أيضًا بما يحدث في بلاد أوروبية، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلًا، واعترض عليه رئيس الجمهورية «عبدالله جول»، ونائب رئيس الوزراء «بولنت أرينش ووزير الداخلية نفسه «معمر جولر»، وأشار إليه أيضًا رئيس الوزراء «رجب طيب أردوغان» واعتذر عنه.

لكن حزب الشعب الجمهوري»، المعارض الرئيس في البرلمان، لم يفوت الفرصة، وحاول توظيفها لإلحاق ضرر شعبي بحكومة «أردوغان» وهز هيبتها فانضم إلى الاحتجاجات مع أحزاب وقوى يسارية تستخدم العنف لتحقيق أهدافها، رغم أن أعضاء هذا الحزب صوتوا في مجلس بلدية إسطنبول على مشروع إعادة بناء وتجديد ميدان إسطنبول.

وبالفعل، احتشد مئات الآلاف في الميدان، ولم تتعرض لهم قوات الأمن التي أثرت الانسحاب، وتعاملت فقط. مع القوى اليسارية التي حاولت الوصول بالقوة إلى مكتب رئيس الوزراء في قصر دولمة بهجة في منطقة «بشيكطاش»، وهي المشاهد التي كانت وسائل الإعلام تنشرها وتبثها في محاولة لتصوير الموقف وكأنه مواجهات دامية بين الحكومة والشعب.

البعد الطائفي

وفجأة، اتضحت عناصر المؤامرة في الاحتجاج الذي بدأ بيئيًا دفاعًا عن الأشجار، عندما اعتبر العلويون الأتراك، البالغ عددهم ما بين ۱٥ - ۲۰ مليونًا، إطلاق اسم السلطان «سليم الأول» على الجسر الثالث على البوسفور الذي دشنه رئيس الوزراء «أردوغان» قبل اندلاع الاحتجاجات بأيام مستفزًا لمشاعرهم لأن هذا السلطان قتل ما بين ٤٠ - ٦٠ ألفًا بتهمة تعاونهم مع الدولة الصفوية، كما أن القلعة العثمانية التي ستقام في الميدان ترجع أيضًا إلى هذا السلطان.. وهنا بدأ العلويون يتزايدون في الميدان للاحتجاج على إحياء آثار هذا السلطان.

وبالطبع، فإن أجواء الطائفية ملتهبة في المنطقة، وتركيا خصوصًا، بعد انفجار الأزمة في سورية، وقد تكون حكومة «أردوغان» قد ساهمت في ذلك عندما أشار «حسين تشليك»، نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» أن دعم حزب الشعب الجمهوري» المعارض ل نظام الأسد» يرجع لكونه علويًا وهي سقطة سياسية دون شك من جانب «شليك»؛ لأن العلويين اعتبروا موقف «أردوغان» في سورية يرجع لأسباب طائفية.

إلا أن «بن علي يلدريم» وزير النقل التركي صرح أنه لا تراجع عن إطلاق اسم السلطان «سليم» على الجسر الثالث، مشيرًا إلى أن التاريخ أصبح في ذمة الماضي، ولو نظرنا إلى ذلك فلن نستطيع المضي قدما، ولفت الانتباه إلى أن نصف مسميات «حي الفاتح» في إسطنبول هي باسم السلطان «سليم الأول» فلماذا لم ينتفضوا؟ هكذا تساءل الوزير.

شرب الخمر

ولم يستطع المحتجون إخفاء أسباب مشاركتهم في الاحتجاجات بقولهم: إن «أردوغان» أصبح متسلطا على حياتهم، ويتدخل في حرياتهم الشخصية واعتبروا القرارات الأخيرة والتي من بينها منع بيع الخمور بالقرب من المدارس والبيوت ومحطات البنزين، ومنع تقديم الخمور من التاسعة مساء إلى السادسة صباحًا.. إلخ، علاوة على الضوابط الخاصة بالتدخين وأماكنه؛ أنها تحد من حريتهم. 

كما أن «ميدان تقسيم يعتبر رمزًا للعلمانية والتغريب في تركيا، بل أن القوى العلمانية نجحت في منع «أردوغان» عندما كان رئيسًا لبلدية إسطنبول، وأثناء حكومة نجم الدين أربكان يرحمه الله تعالى، من إقامة جامع في «ميدان تقسيم»؛ وبالتالي فإن محاولات المعارضة عرقلة تنفيذ المشروع ترجع لأسباب أيدولوجية؛ لأن إعادة الوجه العثماني للميدان يعني انتصار المشروع الإسلامي التركي في تركيا العلمانية، وهو الرمز الثاني لهم بعد مصطفى كمال أتاتورك؛ لذا تداعى العلمانيون الأتراك من كل حدب وصوب لحماية هذا المنجز.

إلا أن «أردوغان» أعلن تصميمه على المضي قدما في تنفيذ المشروع، وأعلن في مقابلة متلفزة أنه سيقيم جامعا في الميدان أيضًا، وبالطبع لا يستطيع زعيم حزب «الشعب الجمهوري» إعلان اعتراضه على إقامة الجامع؛ لأنه يخطب ود الشريحة الإسلامية في الوقت الحالي، في محاولة من جانبه في نفي تهمة العداء للدين عن حزبه، وهي التهمة التي تؤثر بالسلب على شعبيته.

مطالب المحتجين

أردوغان: مستعد للتضحية بنفسي من أجل طالبي الديمقراطية

ولأن الحكومة منفتحة على مناقشة طلبات المعترضين السلميين من أنصار البيئة، استقبل «بولنت أرينش» وفدًا من الميدان، وقدم طلباته للحكومة، ومنها عدم إزالة الحديقة ومركز «أتاتورك الثقافي»، وإقالة محافظي إسطنبول وأنقرة وهطاي ومديري الأمن في هذه المحافظات ومنع استخدام الغاز، ورفع المنع عن التظاهر في ميداني تقسيم، في إسطنبول، وكيزلاي. في أنقرة... لكن المثير للجدل إعلان بعض أعضاء الوفد أنهم يريدون عدم بناء الجسر الثالث، وإلغاء إقامة المطار الثالث في إسطنبول، ومنع شق مضيق صناعي جديد يربط البحر الأسود ببحر مرمرة، وهي وعود انتخابية لحكومة «أردوغان» انتخبه المواطنون على أساسها؛ ما يعني أن هدف المظاهرات منع الحكومة من تحقيق وعودها؛ وبالتالي فقدان شعبيتها.

ومن اللافت أن أسلوب عمل الجماعات الموجودة في «ميدان تقسيم» تتطابق مع ما حدث في «ميدان التحرير» بالقاهرة، بل إن الشعارات قد تكون نفسها، بل ويستخدمون شعار ارحل بالعربية دون أن يعرفوا معناه كما أن ناشطين من منظمات المجتمع المدني من دول أوروبية وعربية تتواجد في الميدان لدعم المجموعات التركية.

«أردوغان» يتهم المعارضة

وفي رده الأخير على الهامات المعارضة، أعلن أردوغان أمام المجتمعين في مؤتمر للاتحاد الأوروبي في إسطنبول، وبعد عودته من رحلته إلى المغرب العربي، قال: إنه مستعد للتضحية بنفسه من أجل طالبي الديمقراطية لكن هناك مجموعات ومنظمات مغرضة حاولت استخدام مظاهرات «تقسيم» لتحقيق أهداف مشبوهة، وإن لديه الأدلة والبراهين التي تثبت ذلك، وتساءل أين كان هؤلاء النواب المعترضون على المشروع عندما عرضت حكومته المشروع التطويري المتعلق به میدان تقسيم، في البرلمان قبل انتخابات عام ٢٠١١م التشريعية؟ لماذا انتظروا حتى اليوم؟ إنهم غير صادقين في دعواهم، وإنما يسعون للاستفادة من تلك الاحتجاجات لتحقيق مكاسب سياسية، والنَّيْل من الديمقراطية والحكومة.

الرابط المختصر :