; تركيا.. معركة الرئاسة تشعل قضايا أوروبا والجيش والحجاب | مجلة المجتمع

العنوان تركيا.. معركة الرئاسة تشعل قضايا أوروبا والجيش والحجاب

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2007

مشاهدات 63

نشر في العدد 1751

نشر في الصفحة 26

السبت 12-مايو-2007

رئيس تركيا هو رمز للجمهورية والعلمانية، وأول من تولى رئاسة الجمهورية عام ١٩٢٣م ثم ألغى الخلافة الإسلامية في عام ١٩٢٤م هو مؤسس الدولة العلمانية مصطفى كمال، ما يجعل المنصب ذا أهمية رمزية كبيرة بالنسبة للأتراك، ولهذا اتحد العلمانيون على منع وصول عبد الله جول إلى منصب الرئاسة، لأنه إذا وصل فستبدأ تركيا مرحلة جديدة من تاريخها. فللمرة الأولى، سيمسك إسلاميون بزمام السلطات الثلاث: رئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان، ثم رئاسة الجمهورية. وإذا وصل جول ستصبح زوجته أول سيدة محجبة تدخل قصر الرئاسة التركي، وهي قضية رمزية أخرى تقلق الجيش والعلمانيين في تركيا.

ورغم تحذير أوروبا للعسكريين بعدم عرقلة المسيرة الديمقراطية، إلا أن النخبة العلمانية من السياسيين والقضاة نجحوا في التأثير على المحكمة الدستورية التركية التي أيدت اعتراض المعارضة بأن نصاب ثلثي أعضاء البرلمان في جلسة التصويت على مرشح الرئاسة لم يكن مكتملًا.

الجيش

ويتخوف الجيش من أن تسود مبادئ الإسلام مجالات الحياة اليومية، لذا أعلن عن تصميمه على الدفاع عن مبدأ العلمانية المطبق في البلاد، وذكر بيان الجيش التركي أنه «يجب عدم نسيان أن القوات المسلحة التركية هي طرف في هذه المناظرة، وأنها مدافع شرس عن العلمانية».

ومضى البيان قائلًا: «إن القوات المسلحة التركية ضد هذه المناظرات، وستبرز موقفها وتصرفها في حال الضرورة، ولا يجب أن يشك أحد في هذا».

وردت الحكومة بمذكرة تؤكد أن رئاسة الأركان «تبقى تحت أوامر رئيس الوزراء». 

يذكر أن الجيش التركي قام بثلاثة انقلابات في أعوام ١٩٦٠م و۱۹۷۱م و۱۹۸۰م وأرغم أول رئيس وزراء إسلامي لتركيا وهو نجم الدين أربكان- الذي عمل معه أردوغان وعبد الله جول ومعظم قادة حزب العدالة مرحلة طويلة من المسيرة السياسية- على الاستقالة في ١٩٩٧م.

ومن المتوقع أن يصير جول قائدًا للجيش، وهي تجربة قد لا تكون مريحة للمؤسسة العسكرية، وهو قد أمضى فترة شهر العسل في سجن عسكري خلال انقلاب عام ١٩٨٠م.

معركة الرئاسة: تنتهي ولاية الرئيس الحالي أحمد نجدت سيزر، ذي التوجه الكمالي في ١٦ مايو، على أن يخلفه سياسي يتولى اختياره البرلمان الذي يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الإسلامية، وقد رشح عبدالله جول وزير الخارجية نفسه للرئاسة بعد إنجازات كبيرة للحزب خلال فترة حكمه للبلاد. فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية للحكم عام ۲۰۰۲م نجح في حلحلة جميع الأزمات الخانقة التي كانت تعيشها تركيا واحدة تلو الأخرى، فبلغ متوسط النمو الاقتصادي خلال الفترة من عام ٢٠٠٣ م، ٢٠٠٦ م، 7.2% وتضاعف دخل الفرد في تركيا خلال تلك الفترة.

 لكن رغم تلك الإنجازات إلا أن ترشيح جول لمنصب الرئاسة قوبل بتحديات كبيرة منها انسحاب المعارضة من جلسة التصويت وإفشالها لعملية الاستفتاء داخل البرلمان. 

ثم إلغاء المحكمة الدستورية نتائج الجولة الأولى من تصويت البرلمان، في الوقت الذي تصاعدت فيه تهديدات الجيش التركي بوصفه وصيًا على العلمانية، وكذا تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية لإجبار حزب العدالة والتنمية على التراجع، ومن ثم لم يجد رئيس الوزراء إلا أن يعلن اقتراحًا رسميًا إلى البرلمان يطالب بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة وبالفعل أكد البرلمان التركي إجراء انتخابات مبكرة في ٢٢ يوليو، والتي كان من المقرر إجراؤها في نوفمبر.

 الحجاب: وفي خضم التطورات الجارية عادت قضية الحجاب مرة أخرى إلى الأفق التركي مع ترشح جول، ففي حال فوزه بالرئاسة ستدخل أول سيدة أولى محجبة «زوجته» قصر الرئاسة في أنقرة، بالإضافة إلى أن ابنة جول ترتدي الحجاب أيضًا.

 ويمنع الرئيس التركي الحالي ارتداء الحجاب داخل القصر، وتم شطب اسم أي سيدة محجبة من قائمة الضيوف المدعوين لحفل «يوم الجمهورية» في قصر الرئيس العام الماضي، ومن شأن دخول أول سيدة أولى محجبة قصر الرئاسة التركي أن يصيب النخبة العلمانية بالصدمة، ولكن ذلك لن يكون شعور ٦٣% من نساء تركيا المحجبات خارج بيوتهن، وهي النسبة التي أعلنتها الـ«بي بي سي»، نقلا عن استبيان حديث.

أوروبا

الموقف الأوروبي، أعلنته الرئاسة الألمانية للاتحاد الأوروبي بدعوتها إلى التزام القواعد الديمقراطية إزاء الانتخابات الرئاسية، وقال مفوض شؤون توسيع الاتحاد الأوروبي: «من المهم أن يترك الجيش مسألة الديمقراطية للحكومة المنتخبة ديمقراطيًا، وهذا اختبار سيظهر إن كانت القوات المسلحة التركية تحترم العلمانية الديمقراطية».

وهناك سؤال يتبادر للذهن وهو: هل صار ما يجري في تركيا مثالًا آخر على رفض الديمقراطية إذا أنت بالإسلاميين؟!

 فالحركة الإسلامية المعاصرة- من حيث أرادت أو لم ترد- وضعت نفسها في الطريق الحزبي الذي تسلكه الأحزاب المعاصرة إذا ما أرادت لنفسها الوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه.

 وقد لاحظ أعداء الإسلام أن البلاد الإسلامية التي تحكم بالديمقراطية البرلمانية ينتعش فيها الإسلام، وتقوى فيها الحركة الإسلامية وتفرض وجودها على الساحة كمنافس قوي للأحزاب الأخرى، ومن هنا حرص أعداء الإسلام على أن يحكم العالم الإسلامي بالحديد والنار بدلًا من الديمقراطية النيابية، فقامت الانقلابات العسكرية في معظم هذه البلدان لتخضع البلاد لحكم عسكري مباشر. 

ويحسب لأردوغان ذكاؤه في تقويت الفرصة على الجيش حينما أعلن إجراء انتخابات مبكرة كمخرج بديل لانقلاب الجيش الذي يدفع العلمانيون الأمور نحوه وستبدي لنا الأيام ما يحدث، فإن كان مليون تركي خرجوا ضد جول تقديسًا لرمزية أتاتورك، وإنكارًا على النظام الديمقراطي الذي سمح لنواب الشعب أن يختاروا الرئيس! فهناك عشرات الملايين الأتراك ممن يعتبرون عبد الله جول رمزا لدينهم، ولسان حالهم يقول للمعارضين إن كانت الديمقراطية إيجابية، فلماذا تقاعستم عن أداء واجبكم والحضور في البرلمان وإن كانت العلمانية هي فصل الدولة عن الدين، فلماذا تصرون على محاربة الدولة للدين؟

من هو عبدالله جول؟

 سياسي مخضرم عمره ٥٧ سنة وهو وزير الخارجية وكبير المفاوضين لدخول تركيا للاتحاد الأوروبي، تخرج في كلية الاقتصاد بجامعة إسطنبول عام ١٩٧٢م.

حصل على درجة الدكتوراه من الجامعة نفسها، في موضوع «تطور العلاقات الاقتصادية بين تركيا والعالم الإسلامي» في عام ١٩٧٨م.

عمل بعد عودته لتركيا أستاذًا في كلية الاقتصاد بجامعة سكاريا، وعمل خبيرًا اقتصاديًا في بنك التنمية الإسلامي في جدة في الفترة ما بين عامي ۱۹۸۳ -۱۹۹۱م، وحصل في العام نفسه على درجة أستاذ مساعد في الاقتصاد الدولي، وفاز في الانتخابات البرلمانية المبكرة عام ۱۹۹۱م، وأصبح نائبًا عن حزب الرفاه الإسلامي، ثم انتخب عام ۱۹۹۳ م مساعدًا لرئيس حزب الرفاه، ومسؤولًا عن الشؤون الخارجية للحزب، وانتخب نائبًا للمرة الثانية عام ١٩٩٥م، وعين وزيرًا للدولة ومتحدثا باسم الحكومة.

 ثم انتخب نائبًا للمرة الثالثة عن حزب الفضيلة عام ۱۹۹۹م، وبعد حل حزب الفضيلة كان من مؤسسي حزب العدالة والتنمية عام ۲۰۰۱م، لينتخب نائبًا بالبرلمان للمرة الرابعة عن مدينة قيصري في ۲۰۰۲م، وكلفه رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزار بتشكيل الحكومة، وتولى منصب رئيس الوزراء في نوفمبر ۲۰۰۲م، بعد منع أردوغان رئيس الحزب من خوض انتخابات ذلك العام، لاتهامه بتلاوة قصيدة إسلامية في حشد انتخابي!

وبعد عودة أردوغان عين نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للخارجية في مارس ٢٠٠٣م في حكومة حزب العدالة والتنمية الحالية. 

ويعد جول نموذجًا للسياسي المثقف اللبق، وهو يجيد اللغتين العربية والإنجليزية. تزوج عام ۱۹۸۰ وله ولدان وابنة محجبة.

الرابط المختصر :