; تركيا والاتحاد الأوروبي.. العقوبات ومسار العلاقات | مجلة المجتمع

العنوان تركيا والاتحاد الأوروبي.. العقوبات ومسار العلاقات

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الجمعة 01-يناير-2021

مشاهدات 67

نشر في العدد 2151

نشر في الصفحة 42

الجمعة 01-يناير-2021

للمرة الأولى ترتفع أمواج الخلافات بين تركيا والاتحاد بهذه الصورة رغم العلاقات الاقتصادية الجيدة بينهما

الاتحاد بات حساساً لفكرة التضامن الداخلي بعد الأزمات الوجودية التي تواجهه مثل «بريكست» وأزمة الديون واليورو

ثمة تغير جذري بالعلاقات التركية الأوروبية نحو التوتر والتصعيد بالسنوات الأخيرة بلغ ذروته عام 2017م

العقوبات الرمزية التي فرضت على تركيا ليس لها تأثير على اقتصادها ولا على العلاقات التركية الأوروبية

بداية ديسمبر الماضي، قررت قمة قادة الاتحاد الأوروبي في اجتماعها الدوري توقيع عقوبات على تركيا بسبب ملف شرق المتوسط، وما أسمته القمة «تصرفات تركيا غير القانونية والعدائية» ضد اليونان وقبرص اليونانية.

وتأتي هذه العقوبات بعد ثلاثة أشهر تقريباً من القمة السابقة التي لوحت بالعقوبات دون أن تقرها، داعية أنقرة للحوار ولوقف أنشطتها في شرق المتوسط. 

قال دبلوماسي في الاتحاد الأوروبي: إن العقوبات التي تم إقرارها على تركيا من قبل الاتحاد الأوروبي «فردية»، ولكن قد يقر الاتحاد لاحقاً إجراءات إضافية إذا ما واصلت تركيا أعمالها في منطقة شرق المتوسط، قاصداً أنشطة المسح الجيولوجي والتنقيب وغيرها، ويفترض، في هذا الإطار، أن يعد الاتحاد قائمة بالشخصيات التركية المستهدفة بالعقوبات لعرضها على الدول الأعضاء لإقرارها، وهي قائمة يتوقع أن تضم مسؤولين في شركة النفط التركية وشخصيات أخرى ترتبط بأعمال التنقيب في المتوسط.

تاريخ العلاقات:

تلقي هذه القرارات بظلالها على تاريخ طويل من العلاقات التركية الأوروبية التي تعود لقرون خلت، وتراوحت بين التحالفات والحروب، لكن القصة الأهم تعود لعقود سابقة حين بدأ المشروع الأوروبي وأرادت أنقرة أن تكون جزءاً منه، دون جدوى حتى اللحظة.

ترى تركيا نفسها من أوروبا وإن لم تكن فيها (جغرافياً)، بينما يراها الأوروبيون في أوروبا ولكن بالتأكيد ليست منها (انتماءً)، منذ ستينيات القرن الماضي، تنتظر تركيا على أبواب الاتحاد الأوروبي -بمختلف مراحله وتسمياته- وقـُبلت عضواً مرشحاً في عام 2004م ثم بدأت مفاوضات الانضمام في العام الذي يليه.

بيد أنه في السنوات الماضية مرت مياه كثيرة تحت الجسر، واختلفت سياقات عديدة؛ فلا الاتحاد بقي على حاله ولا تركيا، لا الاتحاد ما زال يريد تركيا، ولا هي بقيت بنفس مستوى الحاجة إليه، وارتفعت أمواج الخلافات بينهما كما لم يحدث سابقاً، رغم العلاقات الاقتصادية والتجارية الجيدة بينهما؛ حيث يعدُّ الاتحاد الأوروبي أكبر شركاء تركيا التجاريين، ويختلف الجانبان على عدد من القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية، وأضيف لها مؤخراً مسألة شرق المتوسط.

شرق المتوسط

تربط تركيا باليونان خصومة مركبة يمتزج فيها التاريخي بالديني بالثقافي بالجيوسياسي؛ حيث هناك خلافات بين الجانبين بخصوص السيادة على عدة جزر في بحر إيجة، فضلاً عن الخلاف التقليدي بخصوص قبرص، إضافة لملف شرق المتوسط الذي ازداد أهمية في السنوات القليلة الأخيرة مع اكتشافات الغاز الطبيعي بعدة مناطق في حوض المتوسط.

هنا، وإضافة إلى الخلاف التاريخي على السيادة وأهمية الجزر الصغيرة فيما يتعلق بنفوذ ودور الدولتين في المتوسط، بات للأمر أهمية مضاعفة من الناحيتين الاقتصادية والجيوسياسية، تدعو اليونان لترسيم الحدود البحرية وفق منطق «التنصيف»؛ أي المسافة الوسط تماماً بين تركيا وأصغر الجزر التي تتبع للسيادة اليونانية، بينما ترفض تركيا ذلك وتدعو لمنطق «الإنصاف»؛ أي العدل والمنطق في توزيع المساحات والثروات، وخصوصاً أنها (تركيا) الدولة ذات الشواطئ الأطول على شرق المتوسط، كما أنها لا تسلّم لليونان بالسيادة على كل الجزر، إذ انتقل إليها بعضها بعد الحرب العالمية الثانية من إيطاليا، دون موافقة تركيا على ذلك، وهي التي كانت خلال حكم الدولة العثمانية تابعة لها.

المهم، أن اليونان وبتحريض ودعم من فرنسا حولت المسألة من خلاف تركي- يوناني، إلى تركي- أوروبي، مستغلة قوانين الاتحاد الأوروبي التي تتطلب الإجماع في القرارات المهمة؛ ما يدفع باقي الدول لاسترضائها في هذا الملف لنيل موافقتها على قرارات وملفات أخرى، وخصوصاً ملف بيلاروسيا مؤخراً، حيث ربطت اليونان موافقتها على قرارات الاتحاد بخصوصه بتوقيعه عقوبات على تركيا، كما أن الاتحاد بات حساساً جداً لفكرة التضامن الداخلي بعد الأزمات الوجودية التي تواجهه مؤخراً، مثل «بريكست» وأزمة الديون وأزمة اليورو والخلافات بين دول شرق الاتحاد وغربه.

العقوبات

ثمة تغير جذري في العلاقات التركية- الأوروبية نحو التوتر والتصعيد في السنوات القليلة الأخيرة، بلغ ذروته في عام 2017م، ورغم تراجعه نسبياً في السنتين الأخيرتين، فإنه ما زال حاضراً، منذ فترة، تلوّح بروكسل ببطاقة العقوبات في وجه أنقرة، مدفوعة بهذه الخلافات من جهة، وبالتحريض الفرنسي- اليوناني وابتزاز الاتحاد في قضايا أخرى (تتطلب قراراتها الإجماع) من جهة أخرى.

ولكن رغم اللهجة الحادة لكثير من التصريحات الأوروبية، لم يكن متوقعاً صدور عقوبات على أنقرة في قمة قادة الاتحاد في أكتوبر 2020م، لعدة أسباب؛ فمن جهة ليس هناك إجماع على هذا التوجه داخل الاتحاد، فموقف فرنسا التحريضي يختلف عن موقف ألمانيا الهادئ وعن موقف إيطاليا -مثلاً- الأقرب لتركيا في بعض القضايا، كما أن جُملة المصالح والمهددات التي تجمع الطرفين، والتأثيرات المتوقعة لأي عقوبات على دول الاتحاد وليس فقط تركيا، وقناعة بعض الدول الأوروبية بصحة سردية تركيا ودُفوعها، وتجاوب أنقرة أكثر من مرة مع مبادرات الوساطة والحوار، وبعض بادرات حسن النية التي قدمتها تركيا، وحرص الاتحاد على الحفاظ على دور الوسيط في المستقبل، وقناعته بضعف أدواته في الضغط على تركيا حالياً، كلها عوامل كانت تقول بصعوبة توقيع العقوبات على تركيا، وهو ما كان في القمة السابقة، التي دعت للحوار وأمهلت تركيا حتى القمة التالية لتقييم سلوكها، محتفظة باحتمالية العقوبات.

في قمة قادة الاتحاد الأخيرة، لم تتغير مجمل العوامل سالفة الذكر، باستثناء إعادة تركيا سفينة «عروج رئيس» للعمل بعد إبقائها على الشاطئ لمدة؛ ولذلك، مرة أخرى، لم يكن متوقعاً أن تخرج القمة بعقوبات شديدة ومؤثرة، لكن هذه المرة كان المتوقع أن تصدر بعض العقوبات «الرمزية»، بسبب ازدياد التحريض الفرنسي- اليوناني، وكذلك رغبة الاتحاد في تقديم رسالة حازمة قدر الإمكان لتركيا كي لا يظهر وكأنه عاجز أمامها.

المستقبل

تزامنت العقوبات الأوروبية مع عقوبات أمريكية كذلك على تركيا ضمن قانون «كاتسا» (قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات) استهدفت مؤسسة الصناعات الدفاعية التركية ورئيسها وبعض الشخصيات الأخرى؛ ما أثار علامات استفهام حول علاقات تركيا الأوروبية والأمريكية في المستقبل، لا سيما في ظل التقارب مع موسكو.

بيد أنه من المهم ملاحظة تقديم أنقرة مؤخراً خطاباً سياسياً مختلفاً بدا وكأنه مؤشر على انتهاجها سياسة جديدة استعداداً لمرحلة رئاسة «بايدن» والديمقراطيين في الولايات المتحدة، فقد أكد «أردوغان» ارتباط بلاده الوثيق بحلفائها الغربيين، مؤكداً أنها «ترى نفسها في أوروبا وليس في أي مكان آخر، وتريد أن تبني مستقبلها مع أوروبا».

كما أن العقوبات الرمزية التي فرضت على تركيا ليس لها تأثير واضح على الاقتصاد التركي؛ وبالتالي من غير المتوقع أن يكون لها ارتدادات كبيرة على العلاقات التركية- الأوروبية، من جهة أخرى، يدرك الاتحاد الأوروبي –كما تدرك الولايات المتحدة- أن زيادة الضغوطات على أنقرة سيدفعها للتقارب والتنسيق أكثر مع موسكو، في حين يرغب الطرفان في عكس ذلك تماماً.

وعليه، في المحصلة، ليس من المرجح حصول متغيرات كبيرة على صعيد علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي، إذ ليس للعقوبات الأخيرة انعكاسات مباشرة عليها؛ ولذا، فالمتوقع أن تستمر العلاقات على تذبذبها صعوداً وهبوطاً، ومراوحتها بين العضوية الكاملة في الاتحاد/ وهو ما يبدو مستحيلاً وفق الظروف الراهنة والقطيعة الكاملة التي تبدو كذلك مستحيلة وفق منظومة المصالح المشتركة.

هذا الأمر الذي يدركه الطرفان سيدفعهما على المدى البعيد للبحث عن مسار ثالث بين المسارين المذكورين، الذي سيتمثل في الغالب بشراكة خاصة أو إستراتيجية أو أي صيغة بينية أخرى، تحفظ العلاقات بين الجانبين ومصالح كل منهما.

وهو ما يعني أن على الطرفين (تركيا والاتحاد) مسؤولية في بناء الثقة أولاً ثم تحضير الأرضية لهذا المسار الثالث، الذي سيتطلب بالضرورة تهدئة في الخطاب وتعزيزاً للحوار وتطويراً للمصالح المشتركة.

الرابط المختصر :