العنوان تركيا وسوريا.. أجواء ربيعية في عز الصيف!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003
مشاهدات 50
نشر في العدد 1564
نشر في الصفحة 20
السبت 16-أغسطس-2003
الزيارة المهمة التي قام بها مؤخرًا رئيس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو إلى تركيا تم تقييمها على أنها كانت «ناجحة»، لكلا البلدين، ولكن لأسباب مختلفة.
فبالنسبة للنظام السوري فإن الزيارة كانت تحمل في مضمونها محاولة لتعزيز العلاقات السورية – التركية في ضوء التهديدات الأمريكية الموجهة إلى سوريا وتحسس موقف أنقرة المحتمل من هذه التهديدات.
أما أنقرة التي كانت قبل أسبوعين من زيارة ميرو تستقبل الرئيس الصهيوني موشيه كاتساف، فإن الزيارة كانت بالنسبة لها بمثابة محاولة بلورة سياستها الخارجية وتطويرها، في ضوء تزايد التدخلات الدوليةفي الشرق الأوسط.
ومن الطبيعي أن تجد زيارة ميرو إلى أنقرة أصداءً واسعة في البلدين، فهي أول زيارة لرئيس وزراء سوري إلى تركيا منذ ١٧ عامًا.
هذه الزيارة جاءت تقريبًا بعد خمس سنوات من تحسن العلاقات بين البلدين اللذين كانا على شفير الدخول في حرب في أكتوبر ۱۹۹۸ بسبب الدعم السوري المزعوم للتمرد الكردي في جنوب شرق تركيا. ومما لاشك فيه أن هناك مجموعة من العوامل والأسباب لعبت دورًا كبيرًا . بدفع علاقات البلدين إلى رسم استراتيجية جديدة مهدت بدورها الأرضية اللازمة لبناء علاقات وطيدة يمكن التوقف عندها أهمها:
-اتفاق أضنة الذي أبرم بين البلدين في أكتوبر ۱۹۹۸ والذي أخمد نيران حرب أوشكت أن تشتعل بين الجارتين. وقد هدف الاتفاق إلى إيقاف الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني وزعيمه عبد الله أوجلان.
-كانت الحرب على العراق مناسبة أخرى لتأكيد التقارب السوري التركي. فحكومة حزب العدالة والتنمية التقت مع دمشق في معارضة الغزو الأمريكي، انطلاقاً من الأخطار المحتملة مثل نشوء دولة كردية مستقلة في شمال العراق وتعريض وحدة الأراضي العراقية للتقسيم.
-الرغبة المتبادلة بين البلدين في إيجاد مصالح مشتركة وبناء علاقات اقتصادية تجلب الفائدة للبلدين، وقد اقتضى هذا الأمر زيارات متبادلة بين وفود عالية المستوى أثمرت التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والمالية.
الأتراك نظروا إلى زيارة ميرو بحرارة كبيرة لكونه أتى من شمال سورية التي هي على مقربة منالحدود التركية، وأيضًا بسبب تعيينه في منصبه عام ۲۰۰۰ دون أن يكون متورطًا بأي أعمال سابقة.
الجو الودي الذي اكتنف علاقات البلدين في أواخر يوليو الماضي ساهم كثيرًا في تثبيت العلاقات الثنائية ودفعها باتجاه الحوار المفيد لحل المشكلات العالقة بين البلدين - وخصوصًا مشكلة المياه - وأيضًا على صعيد ترويج مناطق المنفعة المتبادلة مثل خلق الحوافز الجديدة للتجارة الحدودية.
النية الحسنة التي بينها الأتراك تجاه ميرو تؤكد أن زيارته كانت ناجحة، على الرغم من استمرار الغموض السوري بشأن إقليم الحدود المتنازع عليه بين البلدين، ولكن في جميع الأحوال، وطبقًا لوصف أغلبية المحللين الأتراك فإن «الأجواء الربيعية» بين البلدين – وإن كنا في عز الصيف – لم تحمل في مضمونها محاولة تعزيز الروابط الثنائية فقط وإنما تضمنت أيضًا القضايا المهمة التي تشغل بال الجانبين وهي النفوذ الأمريكي المتزايد في الشرق الأوسط ومحاولة البحث عن سبل صياغة سياسة مشتركة تؤمن لهما فرصًا أوسع في مستقبل العراقوالمنطقة.
دمشق متمسكة بعلاقاتها مع تركيا
يمكن القول إن الدوافع السورية وراء التقارب مع تركيا حاليًا تستند إلى مبررات أقوى من التي كانت عليه في الماضي، بحيث تميل دمشق إلى اعتبار أن وجود حكومة إسلامية في أنقرة أفضل بكثير من نظرائها العلمانيين الذين سبقوها .
ويمكن القول بأن سورية تشعر بابتهاج كبير إزاء وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة تمامًا كما كانت تشعر عندما قام رائد العمل الإسلامي السياسي البروفيسور نجم الدين أربكان بتشكيل حكومة إسلامية في عام١٩٩٦.
أما بالنسبة لمسألة العراق والقضية الكردية في كلًا من أنقرة ودمشق تدركان جيدًا أنه يوجد أمامهما خياران اثنان: إما العمل سويًا أو المخاطر في دخول منافسة لا تحمد عقباها..
في أوائل ومنتصف التسعينيات رجح الطرفين الحل الأول بحيث أجريا سلسلة من الاجتماعات الوزارية الخاصة شاركت فيها إيران أيضًا من أجل المساهمة في الإبقاء على الاستقرار الإقليمي. وخلال تلك الفترة – وكما هو الحال اليوم – فإن الولايات المتحدة رفضت التنسيق القريب بين تركيا وسوريا وفي ظل التطورات الراهنة – التي تبدو فيها أنقرة غير مهتمة بالسخط الأمريكي من تطوير العلاقات مع سورية وأيضًا وسط حالة التوتر الدبلوماسي بـ تركيا والولايات المتحدة – فإن دمشق تقتنص فرص لإجراء مناورة سياسية أكثر فاعلية مع تركيا للتقرب منها.
العامل الأيديولوجي
التوقعات التركية من هذه العلاقة قد تكون أقلوضوحًا بحيث إن حزب العدالة والتنمية الحاكم لديه أسباب أيديولوجية وراء تعزيز العلاقات مع سوريا كما هو الحال مع كل دول الشرق الأوسط ومن المعروف أن وزير الخارجية عبد الله جول كان صاحب الفكرة التي طورها نجم الدين أريكا للانفتاح على العالم الإسلامي في منتصف التسعينيات، كما عرض جول في المؤتمر الإقليمي الذي دعا إليه في إسطنبول في يناير الماضي فرص كبيرة لخلق كتلة تضامنية تعارض الحرب الأمريكية التي كانت وشبكة على العراق إلا أن بعض العربقوضوا هذه المبادرة.
ومع ذلك لا يمكن أن نعتبر أن التدخل التركي المتزايد في دبلوماسية الشرق الأوسط أنه مستند إلى مجرد أيديولوجيات وحسب لأن تركيا لم تعد قادرة على تحمل فكرة تجاهل جيرانها في الجنوب كما كانت تفعل في الماضي. فمهما كانت أنقرة ترى مستقبل تركيا في الاتحاد الأوربي إلا أنها مجبرة على التطلع في سياستها الخارجية إلى الجغرافية التي تعيش فيها. ومن هذا المنطلق، فإن تركيا تعتمد دون شك – قدرتها على تبني روابط قوية مع الولايات المتحدة وسورية – في نفس الوقت – نجاح دبلوماسيًا كبيرًا.
رغم هذا يبقى السؤال المطروح إلى متى تتمكن أنقرة من إدامة هذا الموقف الثنائي المتوازن بين سورية والولايات المتحدة واحتواء الوضع بالنظر إلى أبعاد التدخل الأمريكي في هذه العلاقات وخصوصًا بعد أن أصبحت واشنطن جارتها في العراق. وانطلاقًا من هذا السؤال، يمكن القول إن تركيا قد يأتي عليها يوم تبحث فيه عن النتائج الناجحة التي حققتها زيارة ميرو في كومة من القش، إذا لم تتمكن من مقاومة الضغوط الأمريكية عليها لعزلها عن جيرانها.
ومهما يكن فإن مسيرة التطور الإيجابي الملحوظ في العلاقات السورية – التركية تشير إلى صفحة جديدة في هذه العلاقة. أساسها التعاون والتكامل والتنسيق لمواجهة التحديات المختلفة .